بني غانتس يكثر من ذكر والدته الناجية من الكارثة في برغن بلزن، كتب انشل بابر في «هآرتس» في 30 كانون الثاني. أيضاً والدتي هي ناجية من برغن بلزن. والدته شجعته على مواصلة القتال في غزة، لكن ألا يتوقف عن إرسال الغذاء لسكانها (علينا التوضيح: إسرائيل لم ترسل ولا تقوم بإرسال الغذاء للفلسطينيين. الغذاء يتم شراؤه بأموال كاملة من تجار ومنتجين إسرائيليين. ما تستطيع إسرائيل أن تفعله هو منع دخول الغذاء والمنتجات الحيوية الأخرى مثلما فعلت أكثر من مرة). والدتي تشمئز من الجنرالات ومن حروبهم ضد الفلسطينيين ومن الاتجار بذكرى القتلى اليهود.
إذا كانت لبني غانتس الشجاعة، ليسافر بنفسه إلى لاهاي، إلى المحكمة الهولندية اللوائية هناك. سيكون على القاضي حسم إذا ما كان للمحكمة صلاحية البحث في الدعوى المدنية ضد رئيس الأركان السابق، حول جريمة حرب في غزة في 2014، بقتل ستة أشخاص من عائلة واحدة في عملية قصف. محامية غانتس ستنفي ذلك، لذلك فإن القاضي يجب عليه رفض الدعوى تماماً. وبشكل عام، لغانتس حصانة لأنه فعل ما فعله من أجل دولة إسرائيل في إطار وظيفته الرسمية. لهذا، تقوم إسرائيل أيضاً بتمويل تمثيله القضائي.
دعوى بشأن جرائم حرب ضد أشخاص معينين، شغلوا وظائف رسمية، ترتكز على رؤية أن الشخص وحتى الجندي، وبالتأكيد القائد الأعلى، هو مخلوق يمكنه التفكير، لذلك هو مسؤول عن أفعاله. هو ليس مجرد شخص ينفذ الأوامر. دعوى مدنية بشأن جريمة حرب حدثت في دولة أخرى، ترتكز على رؤية وجود قيم عالمية وقانون دولي، لذلك تحق المحاكمة على خرق هذا القانون في دولة ثالثة.
إذا كانت لبني غانتس الشجاعة فسيغادر يوماً أو يومين مقعده الجديد في الكنيست (أو في الحكومة) ويقف في لاهاي أمام المدعي إسماعيل زيادة. ولكن حتى لو لم يحضر غانتس، سيلتقي هناك مساران للجوء، الظلم والصدمة. أوروبا أوضحت لوالدي غانتس، من مواليد هنغاريا ورومانيا، بأنه غير مرغوب فيهما. في الحقيقة، هما لا يستحقان الحياة. هما لم يقتلا ووصلا إلى البلاد. في البلاد انتصرنا، ونحن نواصل الانتقام ممن ليس لهم أي علاقة بالطرد من أوروبا وقتل اليهود.
ولد غانتس في موشاف كفار أحيم على أراضي القرية الفلسطينية المدمرة كستينا. ووالدي زيادة ولدا في الفالوجة. أجزاء من كريات غات مبنية اليوم على أراضي الفالوجة. المسافة بين كستينا والفالوجة هي 18.1 كم. المسافة بين الفالوجة ومخيم اللاجئين الذي ولد فيه زيادة، البريج، هي 40 كم.
في شباط 1949 وفي إطار اتفاق الهدنة مع مصر، انسحب اللواء المصري الذي كان محاصراً في «جيب الفالوجة». وقد بقي فيه سكان القرية وقرية عراك المنشية وألف لاجئ فلسطيني من قرى أخرى. عدد من سكان الفالوجة هربوا قبل ذلك بسبب القصف الإسرائيلي في تشرين الأول 1948. الإدارة العسكرية التي أنشئت لم تمنعهم من العودة فحسب، بل فعلت كل ما في وسعها من أجل تخويف الذين بقوا بهدف أن يهربوا. المبادر لعملية التخويف كان يغئال الون واديرت من قبل اسحق رابين. سكرتير موقع «زخروت» الذي يرتكز على المؤرخ بني موريس.
بكلمات أخرى، أوضحت إسرائيل لوالدي وجدي زيادة أنهم لا يستحقون مواصلة العيش في المكان الذي ولدوا فيه، وعائلاتهم سكنت فيه خلال مئات السنين، وإذا كانوا يرغبون في استمرار العيش عليهم البحث عن مكان آخر.
قطاع غزة الآن هو معسكر تجميع، لكنه ليس مثلما كان برغن برزن. الفروق واضحة ومعروفة. «المقيمة بصورة غير قانونية» تعارض المقارنات التي لا تستند إلى معلومات. المعلومات التي تتم من أجل التحريض، لكن أيضاً تعارض خلق تسلسل هرمي في المعاناة التي-سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة-تبرر كل معاناة لا تصل إلى «الذروة» (التي نحن اليهود نحدد ما هي). استخدامنا هنا لمفهوم «معسكر التجميع» يرتكز إلى الحاجة للتحرر من عقدة اللغة في الفترة النازية.
في قطاع غزة المحاصر والمغلق مثل معسكر محدد ومعزول، يتم تركيز مليوني شخص في اكتظاظ من أعلى الاكتظاظات في العالم. 70 في المئة منهم من أحفاد اللاجئين الذين طردناهم من بيوتهم. في ظل غياب حرية الحركة محكوم عليهم بحياة البطالة، والفقر، والخراب، والأمراض، والتلوث، والكآبة، وعدم وجود أموال صالحة، والاعتماد على الهبات الآخذة في التضاؤل، إلى جانب القصف والاقتحامات العسكرية.
برغن برزن كمعسكر اعتقال، وبعد ذلك كمعسكر تجميع لليهود وقتلهم، تم تفكيكه بعد أربع سنوات على إقامته، عند هزيمة الرايخ الثالث. معسكر التجميع في غزة هو الآن في ظروف صعبة وتزداد قسوة منذ ثلاثة عقود تقريباً. وخلافاً لدعاية إسرائيل فقد جرى هذا قبل العمليات الانتحارية، قبل أوسلو، وقبل سيطرة حماس على الحكم وتطوير قدرتها العسكرية. لإسرائيل هدف سياسي في تحويل غزة إلى معسكر تجميع كبير: فصلها وفصل سكانها عن الفلسطينيين، من أجل أن تتشكل ككيان سياسي منفصل، بدون تاريخ أو جذور أو انتماء. كرئيس للأركان، كان غانتس شريكاً كاملاً في هذه السياسة الإجرامية، بما في ذلك قتل والدة إسماعيل زيادة وزوجة شقيقه وابن شقيقه وأخوته الثلاثة.
عميره هاس
هآرتس 3/2/2019