أنور بدردمشق – ‘القدس العربي’ – من أنور بدر: في الكثير من دول العالم المتحضر لا توجد وزارة للإعلام، فالإعلام حر بكل مؤسساته، وحتى عندما توجد مؤسسات إعلامية تابعة للدولة كحالة ‘B.B.C’ البريطانية فهي تكون مؤسسة مستقلة تجاه الحكومة، وقد تدخل في نزاع قضائي مع الحكومة كطرفين متعادلين، دون أن يعني ذلك حكم قيمة على حياد الإعلام ومهنيته التي قد تثير الكثير من الشكوك والالتباسات في بعض الأحيان.هذا الحديث قد لا يكون مفهوما في عالمنا العربي، لأن الإعلام لدينا هو أحد أدوات تعزيز سيطرة الحكومة، حتى في حال وجود مؤسسات إعلامية مستقلة، وخير مثال على ذلك الآن هي أزمة الإعلام الرسمي في تونس، فحزب النهضة بقيادة راشد الغنوشي والذي كان مثالاً للإسلام المعتدل قبل الثورة، بدأ أولى معاركه المحزنة بعد انتصار الثورة في تونس للاستيلاء على الإعلام الرسمي، أي المملوك للدولة، ولم يستطع حزب النهضة أن يُفكر للحظة واحدة في عملية تحرير الإعلام، حتى لو أراد أن يُنشئ إعلامه الخاص به في إطار تلك الحرية المنشودة، بحيث تبقى المؤسسات الإعلامية الرسمية السابقة مؤسسات مستقلة تدار كشركات تتبع ملكيتها للدولة دون أن تتبع إدارتها للحكومة، فالحكومات المنتخبة يمكن أن تتغير بين يوم وآخر، لكن إدارة المؤسسات التابعة للدولة، ومنها المؤسسات الإعلامية لا تتغير بتغيير الحزب الحاكم، وأعتقد أن في هذه المسألة أس الإشكاليات التي ظهرت في تونس ومصر بعد الثورة، فالأحزاب الإسلامية التي وصلت للحكم عن طريق صناديق الاقتراع في كلتا التجربتين، لم تستوعب الفرق بين الدولة والحزب، وأن استلام السلطة السياسية لا يعني بحال من الأحوال تطويب الدولة لصالح الحزب، فالرئيس المنتخب عليه أن يتعلم كيف يكون رئيساً للدولة ولكل الشعب وليس رئيسا للحزب فقط، وعلية أن يتعلم كيف يحمي مصالح الشعب وليس مصالح الحزب، وهنا فقط نكون قد دخلنا في عتبة الديمقراطية التداولية للسلطة السياسية بالمعنى الحقيقي.في سورية ما زال الإعلام الرسمي يعيش في جاهلية الديمقراطية، رغم تجربة يتيمة بدأها النظام قبيل الثورة التي اندلعت في آذار/ مارس من العام المنصرم، حيث اطلقت الدولة في نهاية عام 2010 فضائية ‘الإخبارية’ السورية على أن تُدار كفضائية خاصة على غرار ‘B.B.C’ البريطانية، لكنها بكل أسف جاءت وستبقى تجربة مجهضة، لأن النظام السوري لا يُفرق بين الدولة والحكومة، ولا يُفرق بينهما وبين السلطة السياسية، أو بين هذه السلطة وبين الوطن، وبالتالي تضيع الحدود بين هذه المكونات، وتضيع استقلالية المؤسسات التابعة للدولة، فتصبح مؤسسات تابعة للحكومة أو للسلطة السياسية، وأي اجتهاد خارج ذلك يُعتبر في خانة الخيانة الوطنية.هنا تكمن إشكالية ‘الإخبارية’ السورية التي بدأت منذ عامين تقريباً كمحطة مستقلة ضمن هيكلية الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، لأنه لا يكفي أن ننعتْ فضائية أو مؤسسة بصفة المستقلة حتى تكون مستقلة حقيقة، وفي هذه التجربة الفذة لم يكن أفضل من دكتور الأسنان فؤاد شربجي لإدارتها، حيث سبق وجيء به من عيادته إلى التلفزيون السوري برتبة مدير، وبعدها أسند إليه تأسيس وإدارة قناة الدنيا المملوكة لكل من قطبي الفساد في سوريا رامي مخلوف ومحمد حمشو، ليعاد استحضار الطبيب شربجي بعد استراحة بين الشوطين لرئاسة قناة الإخبارية السورية التي أشرنا إليها، معززاً بكم انجازاته الضخمة في قناة الدنيا والتي لم تفلح بعد كل هذه السنوات أن تتحرر من ثقلها. من هنا نلاحظ أن الإخبارية السورية التي تعهدها طبيب الأسنان لم تزل لسنتين خلتا في مرحلة البث التجريبي، دون أن نعلم موعد تبديل أسنانها اللبنية للانتقال من البث التجريبي إلى بث حقيقي، وهل يعود سبب التأخير هذا لإدارتها التجريبية مهنياً، أم أن الأزمة في وزارة الإعلام التي نسيت أن تنتقل بالإخبارية السورية من مرحلة البث التجريبي في زحمة انشغالها في سورية تكمن إشكالية الإعلام السوري تكمن دائما في الأشخاص، فيبعدون مديرا لصالح آخر، مع أنهم غالباً ما يكتشفون سوء خياراتهم، فيعيدون من تم استبعادهم أصلاً، وحين يتم استنفاد الدور الإعلامي لمدير ما أثبت فشله في أغلب الإدارات التي أسندت إليه، يتم ترحيله ببساطة إلى وزارة الخارجية برتبة سفير، حتى غدت وزارة الخارجية ملجأً للإعلاميين الذين أثبتوا فشلهم، ولن يكون آخر الراحلين باتجاه وزارة الخارجية السيد عدنان محمود وزير الإعلام السابق، الذي عُين سفيرا لسورية في طهران، وهي من أهم السفارات السورية لنظام الأسد وبشكل خاص في هذه المرحلة، التي بدأ فيها العالم الغربي يعتمد سفراء لسوريا وللشعب السوري معينين من قبل المجلس الوطني كممثل شرعي ووحيد للسوريين.المشكلة ببساطة ليست في سوء الإعلاميين السوريين بقدر ما هي في سوء الإعلام السوري، لذلك كان السؤال الذي يتردد باستمرار: لماذا ينجح الإعلاميون السوريون خارج بلادهم، ويفشلون ضمن مؤسساتنا الرسمية؟ أو بصيغة مفارقة: لماذا نصدر إعلاميين ناجحين ولا نصدر إعلاما ناجحاً؟يتفق أغلب المتابعين أن القضية تتعلق بالحرية أولاً وآخراً، فلا إعلام ناجح بدون حرية الإعلاميين، وهو ما يفتقده الإعلامي السوري ضمن مؤسساتنا الرسمية، وإذا نجح إعلامي في هذه المؤسسات فإنها عاجزة عن استيعابه، كما حصل مع الزميل زياد غصن الذي شكل علامة فارقة في الصفحة الاقتصادية لصحيفة تشرين السورية حين رأس تحريرها، مما شجّع صحيفة ‘الخبر’ الاقتصادية الخاصة للاستعانة به ضمن كادرها التحريري الأول، حتى تمّ إيقافها في بداية الأزمة، ليفاجأ لاحقاً بإسناد رئاسة تحرير صحيفة تشرين إليه، حيث شكلت هذه المهمة مقتلا بالنسبة له، فالمحرر الاقتصادي الناجح، فشل خلال عام ونصف من ترؤسه لتحرير جريدة ‘تشرين’ في تطويرها مهنياً، لأنه ببساطة يفتقد حرية العمل ضمن كادر لا يحسد عليه، فصدر الأسبوع الماضي قرار وزير الإعلام عمران الزعبي بإعفائه من منصبه لأسباب لم يوضحها قرار السيد الوزير، الذي عين محله رغداء مارديني.الزميلة مارديني حائزة على شهادة الدكتوراة في الأدب العربي من جامعة دمشق، وخريجة معهد إعداد الإعلاميين، وعملت في المعهد العالي للعلوم السياسية، ومن مخضرمي كادر التحرير في صحيفة ‘تشرين’، لكنها ببساطة لم تترك أي أثر مهني بارز في مسيرتها تلك، ولا نعتقد أنها ستنجح في حل معادلة تربيع الدائرة، وتطوير الصحيفة التي عرفت سنوات ذهبية في بداية انطلاقتها سبعينات القرن المنصرم، أما الزميل زياد غصن فلا أعتقد أن زمن النظام الذي فرغت ساعته الرملية، سيمنحه فرصة الاستفادة من الميزات المادية للعمل برتبة سفير في وزارة الخارجية. وزير الإعلام عمران الزعبي فاجأنا بقرار آخر يقضي بإيقاف بث المحطة الأرضية في التلفزيون السوري بقناتيها الأولى والثانية، تلك المحطة التي انطلقت عام 1960 حين كان التلفزيون ما زال يبث بالأبيض والأسود، وقد شكلت ذاكرة وأرشيفا للسوريين، رغم كل الصعوبات التي عانت منها، وحولتها إلى نموذج متخلف، وإن كان الشق الثاني لهذا القرار يحمل وعداً بالاستعاضة عنها بإطلاق فضائية باسم ‘تلاقي’، نشك أن يتاح لها الفرصة للعمل، لكن الأسوأ في الأمر هو الطريقة التي أوقفت بها برامج القناتين الأولى والثانية صبيحة 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، وصرف مئات العاملين بهما، وأغلبهم عاملون بالبونات أو كمتعاقدين غير مثبتين، أي أصبحوا الآن بدون عمل، وبدون أية تعويضات.qadqpt