أحيا السوريون في نهاية الأسبوع 11 سنة على نشوب الحرب الأهلية المضرجة بالدماء والتي عربدت في العقد الأخير، وأوقعت مصيبة على سوريا وسكانها. صحيح أن بشار الأسد نجا من الحرب وبقي على كرسيه، بفضل مساعدة روسيا وإيران، ولكن قيل في هذا: “نصر آخر كهذا نفنى”؛ إذ لم يتبقَ من الدولة السورية التي يحكمها شيء تقريباً.
الغرب مصدوم من الأصوات والمشاهد التي من أوكرانيا، ولكن ينبغي الاعتراف بأن هذه تشحب أمام الرعب والفظاعة اللذين جلبهما بشار على أبناء شعبه. فقد خلفت الحرب نحو 600 ألف قتيل ونحو مليوني جريح آخرين. يكاد يكون كل سوري ثانٍ (11 مليوناً من أصل 25 مليون نسمة عشية نشوب الحرب) فقد بيته، ونحو ثلث السوريين، أي نحو ثمانية ملايين شخص، أصبحوا لاجئين خارج بلادهم.
وذلك النصر (الذي حققه النظام ظاهراً على خصومه) هو بالتالي نصر ناقص. النظام منهك وضعيف، ولا يزال وجوده متعلقاً بحليفتيه روسيا وإيران الساعيتين أن تضمنا لنفسيهما سيطرة في الدولة. فضلاً عن ذلك، فإن نحو ربع الأراضي السورية ليست تحت سيطرة الأسد. في شرق سوريا، حيث معظم حقول النفط، أقام الأكراد حكماً ذاتياً يتمتع برعاية أمريكية. أما في شمال الدولة فتعمل جماعات من الثوار المسلحين، كثير منها سلفية جهادية، تتمتع برعاية تركية. وأخيراً، في الأطراف الجنوبية من سوريا وفي شرقها لا تزال خلايا “داعش” هناك.
كما أنه في تلك الأجزاء من الدولة التي توجد نظرياً حتى حكمه، يقيم الأسد سيطرة جزئية وليست كاملة، وذلك بسبب الوجود الروسي والإيراني على أرضه، وثمة ميليشيات وجماعات من المسلحين تواصل العمل في المجال القروي ومناطق بلدات المحيط.
ولما كانت مقدرات النظام السوري الاقتصادية تنفد، بل ولا تملك روسيا أو إيران الأموال اللازمة لمساعدته، فإن الأسد غير قادر على إعادة بناء الدولة أو حتى توفير الاحتياجات المعيشية لسكان المناطق المتبقية تحت إمرته. ثلثان بل وربما أكثر من هؤلاء يعيشون دون خط الفقر الذي يبلغ 1.90 دولار في اليوم، بينما يبلغ معدل البطالة أكثر من 50 في المئة. يسود في الدولة نقص خطير في الغذاء والاحتياجات الحيوية، ولا يزال الاقتصاد في شلل تام.
تشكل سوريا مقدمة للحرب والدمار الذي يجلبه الرئيس بوتين على أوكرانيا، بل وقيود قوته، خصوصاً للفجوة التي بين صورة الرئيس الروسي كمنتصر كلي القدرة وبين الواقع على الأرض، الذي يجد فيه الروس أنفسهم غارقين في الوحل السوري دون قدرة على إعادة بناء هذه الدولة وإيقافها على أقدامها، وبذلك استخلاص المكاسب الاقتصادية منها. وفي هذا ما يفسر مصلحة بوتين في التنسيق مع إسرائيل لأعمالها في سوريا؛ فغياب مثل هذا التنسيق قد يغرقه عميقاً في الوحل السوري. بشار يسيطر بصعوبة على بلاده، ولكن ثمة تقارير تأتي من سوريا حول تجنيد متطوعين سيرسلون للقتال إلى جانب الروس في أوكرانيا. قد تكون هذه خطوة علاقات عامة لإظهار الولاء لبوتين. فبعد كل شيء، بشار يحتاج إلى مقاتلين لجيشه. ومع ذلك، وفي ضوء حقيقة أن الرواتب المتوسطة في سوريا نحو 20 دولاراً في الشهر، يمكن الافتراض أنه سيتوفر ما يكفي من المتطوعين أجراً لتحقيق “النصر” لأوكرانيا أيضاً.
بقلم: أيال زيسر
إسرائيل اليوم 20/3/2022