جنود إسرائيليون على تلة تطل على شمال غزة، في 11 ديسمبر 2023- ا ف ب
الناصرة- “القدس العربي”: أصابت واقعة الشجاعية، التي قتل وجرح فيها عدد كبير من الجنود الإسرائيليين، تل أبيب بصدمة كبيرة، وتثير، منذ الكشف عنها، تساؤلات لماذا وكيف وماذا، بالإضافة لدعوات متتالية بتسوية البلدة الفلسطيني شرقي غزة بالأرض، بدلاً من التوغّل البري المكلف.
من المتوقع أن تدفع مثل هذه الصدمة لمثل هذه الدعوة للمزيد من القوة المفرطة، لكن تكرار نجاحات وصمود “حماس” و”الجهاد الإسلامي” من شأنه أن يحدث صدعاً في الوعي الإسرائيلي، والدفع نحو البحث عن سلّم للنزول عن الشجرة العالية، وصولاً لتسوية، بخلاف أهواء نتنياهو الراغب بإطالة أمد الحرب لاحتياجاته الشخصية.
وحسب تقارير صحفية عبرية، فقد وقعت قوة إسرائيلية غازية في سلسلة كمائن داخل الشجاعية، وتم النيل منها ثلاث مرات، فيما تدفقت قوات بريّة معزّزة للمشاركة في عملية تخليص القتلى والجرحى، فيما كانت تشارك عشرون طائرة في هذه العملية، التي طالت أكثر من ثلاث ساعات، بعد وقوعها مساء الثلاثاء.
وتتساءل أوساط إسرائيلية غير رسمية واسعة عن سبب الفشل خلف واقعة الشجاعية، وعن الحكمة من الدخول لمنطقة خطيرة قبل تدميرها من الجو، لكن الناطق العسكري أكد، ليلة أمس، أن القوات الإسرائيلية قصفت من الجو بشكل مكثّف المكان قبل دخوله من قبل كتيبة “13” من لواء غولاني، منوّهاً إلى أن “عملية التطهير، والكشف عن الأنفاق تتطلب دخول جنود رجالة لتحقيق المهمة”.
في حديث للقناة 12 العبرية، دعا الجنرال في الاحتياط نوعم تيبون لتسوية بلدة الشجاعية بالأرض، من خلال قصف واسع، بعدما باتت للمقاومة الفلسطينية، ومكاناً خطيراً من الناحية العسكرية، ولأن نازحي المستوطنات في “غلاف غزة” لن يعودوا لها طالما بقيت الشجاعية.
محلل سياسي: تنتظرنا معارك صعبة.. تجارب القتال داخل مناطق سكنية من الموصل إلى ستالينغراد تقول إن هناك حاجة لشهور من أجل تطهير جيوب المقاومة
في المقابل عقّب زميله الجنرال في الاحتياط عاموس غلعاد، الرئيس السابق للقسم الأمني- السياسي في وزارة الأمن، بالقول إن عملية القصف الجوي مهما كانت شديدة لا تغني عن الاقتحام البري، منبهاً لكونها مهمة محفوفة بالمخاطر بسبب كونها منطقة مزدحمة، ولاستعداد سرايا الشجاعية للقتال جيداً، لا سيّما أن جنودها يتمتعون بتجربة قتالية وواعون لكون بلدتهم رمزاً للصمود.
تزامناً مع هذه الواقعة يصل مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان البلاد، اليوم، ومن المتوقع أن يلتقي مسؤولين إسرائيلين في السلطة والمعارضة، وسيشارك في اجتماعات مجلس الحرب، وسط مخاوف من أنه يحمل رسالة من البيت الأبيض فيها تاريخ إنهاء الحرب على غزة قبل تحقيق أهدافها.
ويوجه غلعاد انتقادات للسياسة الإسرائيلية في التعامل مع موضوع اليوم التالي، والحفاظ على الدعم الأمريكي: بدلاً من المواجهة مع أمريكا، علينا القبول بسلطة فلسطينية محسّنة، وحتى يبدأ النقاش السياسي حول ذلك سيمرّ الكثير من الوقت. بدون أفق سياسي من طرفنا لا يأتي أحد من الدول العربية لترميم غزة. أمريكا تقترح علينا أفقاً سياسياً مع محور عربي معتدل، ونحن نرفض ذلك، وهذا خطأ فادح”.
ورداً على سؤال آخر، قال غلعاد إنه غير مطلع على كل تفاصيل مقترح رئيس الموساد بالذهاب لقطر، لكن المستوى السياسي حال دون ذلك. ويضيف: “المشكلة ليست بمجرد زيارته الدوحة، فالسؤال هو ما الذي اقترحه رئيس الموساد، لكن استعادة المخطوفين الذين أهملتهم الدولة هدف في غاية الأهمية، وإذا فرّطنا بهم، فهذه أيضاً كارثة للأمن القومي مستقبلا”.
كما تتصاعد الانتقادات الإسرائيلية لتهرّب نتنياهو من سؤال اليوم التالي، وهو بحملته على أوسلو وعلى السلطة الفلسطينية فإنه يطلق حملة انتخابية شعبوية للنجاة والبقاء، كما يتهم رئيس المعارضة يائير لبيد.
واعتبرت صحيفة “هآرتس”، في افتتاحيتها اليوم، أن المشكلة ليست بتركيبة حكومة نتنياهو، بل بنتنياهو نفسه. وتقول إن تصريحات بايدن ضده لطيفة ومؤدبّة.
وتتابع: “قال بايدن أمس إن إسرائيل بدأت تفقد دعم المجتمع الدولي، وإن هناك حاجة لتغيير لدى نتنياهو، إن رغب بإنهاء الصراع مع الشعب الفلسطيني، وكلاهما صحيح، وهما ينبعان من قلقه على إسرائيل”.
مع ذلك يواصل نتنياهو تجاهل انتقادات واشنطن، وربما هو معنيّ بها، مرجحاً أنها مفيدة له داخلياً لكونها تصب الماء على طاحونة دعايته الشعبوية لدى قاعدته الجماهيرية الرافضة لدولة فلسطينية، وهو يواصل، إذ قال، ليلة البارحة، إن عملية انكسار حماس باتت قريبة”. وتبعه في ذلك وزير الأمن يوآف غالانت، الذي أجاب بشكل غير مباشر على تساؤلات وخيبات الإسرائيليين بعد واقعة الشجاعية بقوله: يبدو أن غزة أكبر قاعدة إرهابية في العالم”.
ويبدو أن كثرة الثرثرة الإسرائيلية، بما يشمل الوعيد والتهديد، في اليوم التاسع والستين للحرب، تعكس أزمة على الأرض، رغم إلقاء الجحيم عل غزة، وقتل وإصابة عشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين.
ويوضح المحلل العسكري في القناة 13 العبرية ألون بن دافيد أن واقعة الشجاعية تنطوي على عِبَر قتالية يأخذها الجيش بالحسبان بعد التحقيق الأولي الذي قام به، ومنها ضرورة إدخال قوات برية بكمية أكبر كي تتحاشى القوة الغازية وقوعها في ورطة كالتي وقعت في الشجاعية.
ورداً على سؤال إذاعة جيش الاحتلال، صباح اليوم الخميس، يوضح النائب في الكنيست متان كهانا (الحزب الرسمي برئاسة بني غانتس) أن سلاح الجو يوفّر دائماً الغطاء الجوي قبل وخلال التوغّل البري. ويضيف: “غزة هي القلعة الأكبر: أنفاق محصّنة بطول 500 كيلومتر تحت الأرض، ولا يمكن تدميرها كلها بالقصف الجوي، ويحتاج الجيش للقتال وجهاً لوجه من أجل السيطرة، وهذا مكلف لكنه ثمن مستحق من أجل تأمين حياة الإسرائيليين وأبنائهم وأحفادهم مستقبلاً”.
محلل إسرائيلي: الانتصار جهد سيزيفي ويحتاج وقتاً طويلاً. استديوهات التلفزة الإسرائيلية تبالغ في طرح مؤشرات انتصارنا وانكسار “حماس”
وحول الضغط الأمريكي المتزايد، والمطالب بوقف الحرب في نهاية العام الجاري، حسب تسريبات متصاعدة، قال: “نعمل ما هو صحيح لجنودنا وأمنهم، ولن يؤثّر ضغط هذه الدولة الصديقة أو تلك على حساباتنا من هذه الناحية، ولا يوجد تاريخ أمريكي لإنهاء القتال. الأهم هو إخضاع حماس، فهذه حرب الأخيار مقابل الأشرار، وهي حرب كل العالم المتحضّر. لا أعرف وجود تاريخ رسمي لوقف الحرب، ونحن نفعل ما هو مناسب لنا، وعلينا استكمال المهمة بتدمير قدرات حماس”.
من جهته، يرى المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” أن هذه الواقعة كشفت عن دروس عملياتية، وعن خاصرة رخوة لدى الجيش تستغلها “حماس”، مفادها أن الجيش لم يجرّب قتالاً مطّولا في منطقة سكنية مزدحمة، ولذا لا يستطيع الإعلان عن سيطرته على شمال القطاع حتى الآن.
ويتفق هارئيل مع بعض المراقبين الإسرائيليين في مزاعمهم بأن ارتفاع أعداد القتلى والجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي هو نتيجة تغيير تكتيك قتالي في الميدان، ويدّعي أن تغيير طبيعة الحملة البرية لن يكون بسبب “حماس”، بل بسبب تعاظم الضغط الأمريكي. ويعتقد أن هناك عدم وجود تنسيق توقّعات بين الجمهور وبين الجيش، موضحاً أن الجيش دمر بالقصف الجوي مساحات واسعة، لكن هناك أماكن يحتاج فيها للتوغّل البري.
ويتابع: “ما زالت تنتظرنا معارك صعبة في الشجاعية وجباليا وخان يونس. تجارب القتال داخل مناطق سكنية من الموصل إلى ستالينغراد تقول إن هناك حاجة لشهور من أجل تطهير جيوب المقاومة، خاصة أن هناك غزة سفلى تحت الأرض تستخدمها حماس لنقل القوات”.
وحول تبعات الضربة المعنوية، يقول هارئيل إن عدد القتلى والجرحى لدى لواء غولاني منذ بدء الحرب كبير وموجع، ولكن جنوده يواصلون القتال بفضل ضباط يقاتلون في مقدمة قواتهم ويرفعون معنوياتهم.
ويضيف: “في نهاية المطاف سننتصر في الشجاعية، لكنني أحذر من الاحتفالات المبكرة. الانتصار جهد سيزيفي ويحتاج وقتاً طويلاً. استديوهات التلفزة الإسرائيلية تبالغ في طرح مؤشرات انتصارنا وانكسار “حماس” على شكل صور رجال عراة وغيرها.
الواقع على الأرض مختلف عن الشاشات الإسرائيلية. ربما المزيد من الضغط سيدفع “حماس” للزاوية، لكن علينا الحذر من المبالغة، فالحديث عن غد مشرق تنبت فيه الأرض أزهاراً غير موجود”.
وحول الموقف الأمريكي يرى هارئيل أن بايدن متذبذبٌ في المواقف: من جهة يقدّم دعماً كاملاً لإسرائيل، لكنه لا يثق بنتنياهو، ولا يوافق معه على كلمة، وربما هذا سينعكس على السياسات الأمريكية من ناحية تزويدنا بالذخائر، أو بالغطاء في الأمم المتحدة، ولاحقاً عدم مساندتنا في حرب محتملة مستقبلاً ضد حزب الله”.
بما يتعلق بالأسرى، يوضح هارئيل أن هناك خلافات داخل مجلس الحرب الوزاري المصغر، بين من يريد وضع استعادة المخطوفين الآن في صدارة الأهداف، لأن الوقت لا يمضي لصالحنا، وعلينا إبداء ليونة أكثر، مقابل معسكر يدعو للمزيد من الحرب والضغط على قيادة “حماس” حتى ترضخ وتبدي مواقف ليّنة.
وتطرق المحلل للشؤون العسكرية آفي سخاروف لحالة التململ والخيبة والصدمة في إسرائيل بعد واقعة الشجاعية، فأشار لوجود اصطدام بين أهواء الجمهور الإسرائيلي بتحقيق المهمة بضربة واحدة، ولكن “حماس” منظمة عصابات تدير معركة بشكل مغاير، داعياً للتنبّه إلى أن المعركة طويلة. مدللاّ على ذلك بالقول إنه حتى داخل مخيّم جنين ما زالت المعركة مستمرة.
في حديث لإذاعة جيش الاحتلال يؤكد سخاروف أن “القتال لن ينتهي خلال أيام، والمهام تحتاج وقتاً. ويضيف: “الاحتلال في بيت لاهيا وبيت حانون وغيرهما كان أكثر سهولة، وهذا أنتج فارقاً في التوقعات بين الجمهور وبين الجيش”. وينبه إلى أن القتال بعيدٌ عن النهاية، وأنه حتى لو قتل سنوار والضيف وعيسى، ستواصل “حماس” القتال. محذراً من أن رفض نتنياهو الحديث عن اليوم التالي للحرب خطأ كبير، ومن شأنه أن يضيّق الخناق على إسرائيل دبلوماسياً، وأن يعود كيداً مرتداً عليها حتى لو انتصرت عسكرياً”.
ويتابع: “هذا التوتر بين نتنياهو وبين بايدن يخدم مصالح سياسية للأول، وهذا تدركه الإدارة الأمريكية”.
هارئيل: بايدن متذبذبٌ في المواقف.. من جهة يقدّم دعماً كاملاً لإسرائيل، لكنه لا يثق بنتنياهو، ولا يوافق معه على كلمة
وحول معنى منع الحكومة رئيس الموساد من السفر للدوحة بحثاً عن صفقة جديدة، كما كشفت القناة العبرية 13، ليلة أمس، يتفق سخاروف مع هارئيل بالقول إن مجلس الحرب يخشى من تفسير هذه الزيارة كضعف. لكن وزير الزراعة عضو مجلس الحرب آفي ديختر ألمحَ، في حديث للإذاعة المذكورة، اليوم الخميس، رغبة إسرائيل بأن تكون مصر هي الوسيطة”، وهذا ما يؤكده هارئيل أيضاً بقوله إن “الدوحة ليست وسيطاً نزيهاً، بل هي طرف معني لجانب “حماس”، بخلاف مصر التي كانت تتمنى مشاهدة رأس السنوار يتدحرج بعيداً عن جثته في خان يونس”.
وتكاد تخلو تحليلات المراقبين العسكريين الإسرائيليين من الحديث عن عنصر البسالة في المقاومة لدى حامية الشجاعية، وهي بوابة غزة الشرقية، بلدة تاريخية بنيت في فترة الأيوبيين، اكتسبت اسمها من القائد شجاع الدين عثمان الكردي، الذي تغلب فيها على الصليبيين في واقعة هامة بعد معركة حطين في الجليل.
في كثير من الأحيان ينسى أو يجهل هؤلاء المراقبون الإسرائيليون أن الشجاعية تبدي شجاعة لأن أبناءها مؤمنون بعدالة قضيتهم، وهم في معظمهم أبناء عائلات تم تهجيرها في نكبة 1948 من يافا واللد والرملة وبئر السبع ومن قرى قضاء غزة، حيث أقيمت على أنقاضها مستوطنات “غلاف غزة”، وهم اليوم يكرسون أنفسهم لمعركة تصفية حساب تاريخي ودفاع عن دار جديدة، عدوّهم أمامهم والبحر أمامهم حرفياً، وخيارهم هو بين الانتصار أو الشهادة، وليس الموت أو الاستسلام، كما يتمنى ويقول الجيش الغازي في حربه النفسية.
عدد قليل من الباحثين الإسرائيليين يعبر عن فهمه لما يجري، منهم المستعرب دكتور مردخاي كيدار، الذي يتركز بالبعد الديني لا الوطني، فيقول للقناة العبرية الرسمية إن هؤلاء يقدمون على المواجهة “الصفرية”، وهي حرب جهادية دينية مقدسة، كما حصل في واقعة الشجاعية، أمس الأول، وهم يدركون أن احتمال الاستشهاد أكبر من النجاة، لكنهم متصالحون مع أنفسهم، ومتحمّسون وهم يلفون شريطاً أخضراً على أعناقهم يشحنهم بالمزيد من الطاقة والقوة، ويحملون آية قرآنية توجز قصتهم الأسطورية: “ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً”.