أتساءل بين الحين والآخر: كيف العيش في غزة؟ حين تحوم البالونات المتفجرة في السماء من الغرب إلى الشرق، قبل لحظة من سقوطها في حقول القمح للكيبوتسات يمكن للمرء أن يشعر في وقت قصير بأجواء الخفة والاحتفال. ولكن سرعان ما تتفجر على أرض الواقع وتشعل النار في الميدان. بعد ذلك تخرج الطائرات القتالية وتوجه ضربات من الجو. غزة هي بنك الأهداف البشري الأكبر في العالم، وسكانها يعيشون رغم أنفهم في بلاد القضاء والقدر.
«اذهب إلى غزة» كانت ذات مرة اختصاراً لـ «اذهب إلى الجحيم». وحسب التقاليد اليهودية فإن الجحيم هو المكان الذي ترسل إليه الكفارة في يوم الغفران. يقال إن جبل منطر في صحراء يهودا هو جبل الجحيم الذي كانت تجرى فيه العبادة. وفي قطاع غزة أيضاً توجد تلة تسمى علي منطر. هذه هي التلة التي تطل على مدينة غزة. في الخرائط القديمة تحدد التلة كنقطة 100 ٭ 100 لشبكة الخريطة الطوبغرافية الأولى لإسرائيل. في الماضي كان هذا دليلاً على أن التلة هي «لنا»، وهكذا ينبغي أن تبقى.
المتنزهون الذين كانوا يصلون في جولة إلى غوش قطيف، كانوا يصعدون في حينه إلى التلة الصغيرة. وسر سحرها في كونها نقطة إشراف على غزة وبناتها. ولكن سر قوتها كان في كونها نقطة تحكم بمدينة غزة. بعد الانسحاب من غوش قطيف تبين أن بدونها أيضاً تواصل إسرائيل التحكم بغزة ـ من البحر، من الجو ومن معابر البر. خرجنا من غزة ولكن غزة بقيت في داخلنا. بواباتها بقيت البوابة والمفتاح لأمن إسرائيل. من ناحية أغلبية الإسرائيليين، غزة هي مصدر الإرهاب. إسرائيل تسمح بأن تدخل إليها البضائع وهي ترد لها بالعمليات، الحرائق والصواريخ. الشر مقابل الخير. غزة الشريرة.
نحو 20 سنة تصدح في الهواء أصوات انفجار الصواريخ وصافرات الإنذار، أحياناً بهذا الترتيب وأحياناً بترتيب معاكس. بعد ذلك تأتي الطائرات، القذائف والقتلى خلف الحدود. (مخربون ومدنيون، ولا يمكن دوماً معرفة من هو من) وبعدها يأتي هدوء قصير وهلمجرا. ردود الأفعال السياسية المشروطة نبقيها لمقال آخر.
ولكن ماذا يحصل في الطرف الآخر، خلف تلة علي منطر؟ قرابة مليونين من بني البشر يذهبون هناك كل يوم إلى الجحيم. يمكن لإسرائيل أن تتمترس في عدالة طريقها وتدعي بأنها لن تغفر للعرب لأنهم يجبرونها على قتل أطفالهم مثلما قالت غولدا ذات مرة.
بنك الأهداف البشرية في «بلاد القضاء والقدر»
لو أننا على الأقل كنا نطلق النار ونبكي. ولكن جنرالاتنا السياسيين يعدون بالقصف الأعلى والأقوى، وهكذا يساهمون في الدوامة السريعة للدائرة الشيطانية. ينبغي أن نتذكر ونذكر بأن مواطنين كادحين علق بهم الغبار واليأس يعيشون في غزة. ليس لهم كهرباء، ليس لهم ماء دافقة. المجاري تتدفق في الشوارع، ومعدل البطالة يزيد عن 50 في المئة. أما عن الصحة والتعليم فحدث ولا حرج. فلا توجد مراكز تطعيم ولا خدمات نفسية. الضائقة والصدمة هما جزء لا يتجزأ من حياة كل شخص في غزة. إلى أن امتلأت البلاد بحماس.
ينظرون إلى الأفق ولا يرون شيئاً، غير الأسطح الحمراء والحقول المفلوحة لسكان غلاف غزة. ثلاثة أسوار تحيط بهم ـ الحصار الإسرائيلي، النظام عديم الرحمة لحماس وسور اليأس الذي هو الأعلى بينها. ولكن قلبنا غليظ على ضائقتهم.
وأنا افكر بأطفال غزة الذين ليس لهم طفولة، بالضجيج الدائم والمهدد لطائرات سلاح الجو والتي هي بالنسبة لهم الشيطان الذي يركب قاطرة النار. عندما تهبط القذائف على الأهداف العسكرية ـ المدنية في قلب المدينة، ليس لهم مفر، لا ملجأ، لا غرفة أمنية، لا تحصينات إسمنتية. هم ببساطة يموتون من الخوف، حيث يتقرر مصيرهم. أيام من الهدوء هي الزمن لخلق حلول إنسانية. وعليه، حين تكون في الخلفية الورشة الاقتصادية في البحرين وخطة القرن لترامب، على إسرائيل أن تكون القاطرة التي تسحب القطار لا أن تنجر رغم أنفها. عليها أن تقيم ائتلافاً دولياً وتجند العالم لإيجاد حل نزيه لغزة وأمن لإسرائيل. إذا لم يكن هناك جواب لأطفال غزة، ستبقى غزة النقمة التي تقبع على صدر إسرائيل. غزة لن تغرق في البحر ولكننا كلنا قد نغرق في بحر غزة.
اوريت لفي ـ نسيئيل
معاريف 13/6/2019