بعد 17 عاما على رحيل عرفات: ما الذي يفتقده الفلسطينيون؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله- “القدس العربي”: لا تحضر ذكرى وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (تحل اليوم الذكرى السابعة عشرة على رحيله) إلا وتتكثف لدى الفلسطيني مشاعر الفقد، ليس فقدانه جسدا بالضرورة إنما فقدان القيم التي كان يعبر عنها عبر تاريخه النضالي الممتد، فما هي القيم التي مثلها هذا الزعيم التاريخي والاستثنائي؟ ما هي الأشياء التي تتكثف في شخصه ويفتقدها الفلسطينيون في حياتهم اليوم؟ ما هي الأمور التي يمكن أن تقدمها الاحتفالية في السنة السابعة عشرة على رحيله للحظة الفلسطينية الراهنة التي هناك إجماع على أنها الأكثر تراجعا وضعفا وتفككا؟.

“القدس العربي” استطلعت أراء مجموعة من القيادات الشابة على اختلاف تصنيفاتها السياسية والعمرية والجغرافية وجلها أكدت على مجموعة كبيرة من الصفات والقيم التي تفتقد الحالة الفلسطينية اليوم التي يتم الايغال فيها تجاهلا وتنكرا للحقوق الفلسطينية ومزيدا من الإجراءات الاحتلالية التي أصبحت أكثر حضورا وسفورا من أي وقت مضى.

قائد شعبي

عضو الشبيبة الفتحاوية في محافظة جنين معتز كميل قال لـ”القدس العربي” إن ياسر عرفات كان بشخصه رسالة على وحدوية الشعب الفلسطيني، مواقفه كانت تجمع الكل الفلسطيني، لقد كان الفصل الأطول في حياتنا ولن يتكرر أيضا”.

وتابع: “عرفات كان رئيسا شعبيا قريبا من الناس، مكتبه كان مفتوحا كل الوقت، عاش حياته بين الناس وبقي يستمع إلى نبضهم ومطالبهم وأحاديثهم حتى تلك التي لم تكن تروق له”.

وأكد كميل: “لا يمكن لأحد أن ينكر أن عرفات كان قريبا جدا من عنصر الشباب تحديدا، كان يمكن لأي فتحاويا تحديدا أن يراه بسهوله وبأي وقت، وهو ما جعله قائدا ملهما لنا كشبيبة فتحاوية بقيت حتى اللحظة في كل فلسطين متعلقه به، لقد كان ينظر للشباب على أنهم خزان الحركة وكان دائم التواصل معهم”.

وأشار كميل أن الرئيس الراحل وقع في بعض الأخطاء، لكنه بالمجمل بقي ثابتا على الثوابت الوطنية، مثلا بقي مخلصا للأسرى وقضاياهم، وكذلك أهل الشهداء حيث كان أفضل من يستمع إليهم ويعي معاناتهم، ويدعم ويساند مطالبهم.

ويتابع كميل أن عرفات في بعض المراحل عمل وفق منطق إضرب المقاومة (في اللحظات الصعبة التي ضغط عليه خلالها) وبنفس الوقت ادعم وساند هذه المقاومة، في تبادل عظيم ندرك أهميته اليوم.

وأعاد كميل في نهاية حديثه نفس السؤال الذي يتكرر من 17 عاما: “مين اللي قتل عرفات؟”، وأضاف: “لجنة تحقيق عمرها 17 عاما والجواب إسرائيل، والنتيجة أننا نكمل الردح (البكاء) على عرفات للمرة الـ17، فلتكن المناسبة إذا “ذكرى الردح على عرفات”.

صانع الأمل

الناطق الإعلامي عن حركة فتح كايد ميعاري قال إن عرفات رسخ مجموعة من القيم التي أعادت بعث الهوية الوطنية الفلسطينية الجمعية والفردية على حد سواء، واستطاع بجدارة أن يوظف هذه الرمزية في إطار تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني على قاعدة التمرد على الظلم والسعي لتحقيق مطالبنا بكل الوسائل.

وبرأي ميعاري فإن عرفات كان الشخص الذي يشعر الكل الفلسطيني بالأمان، لقد امتاز بقدرته على صنع الأمل في أحلك الظروف، وهذه السمة ميزت الراحل عرفات عن الكثيرين، فكان “صاحب الحلول الذي لم يكن يغرقنا بوصف الظروف والأزمات”.

وتابع كيعاري ما ميز عرفات أيضا هو استقلالية القرار الوطني الفلسطيني في زمنه، “هذه واحدة من أهم الركائز التي حافظ عليها الراحل، يضاف لها إصراره على الوحدة الوطنية الفلسطينية حتى عندما كان تحت الضغط الدولي”.

وختم ميعاري “كثيرا ما عالج عرفات القضايا والملفات بأسلوبه الأبوي الا أنه كان ناجعا أكثر بكثير من منهجيات أخرى”.

دبلوماسية الكوفية

الأكاديمي والباحث في قضايا التنمية السياسية د. إبراهيم ربايعة يرى أنه ليس من الغريب بقاء ياسر عرفات رمزاً حياً في السياق الفلسطيني، “فعرفات مهندس الوطنية الفلسطينية المعاصر الذي أخرج منظمة التحرير من الوصاية العربية التي صممت لها في سنواتها الأولى وقاد التحول إلى كيانية وتمثيل فعال، ورغم اختلاف الكثير من الفواعل السياسيين في الحركة الوطنية مع ياسر عرفات، قلما اختلف أحد عليه”.

وتابع ربايعة: “رسخ عرفات دبلوماسية الكوفية والتي يمكن أن نعتبرها تفاعلاً خلاقاً بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الشعبية، واستثمر بفاعلية السياق الدولي والحرب الباردة والمزاج الشرقي لدعم حق تقرير المصير والتحرر الوطني فوضع القضية الفلسطينية في مواقع متقدمة في كل المنابر الدولية ذات الصلة ونسج شراكات وتحالفات نوعية”.

وأضاف: “أوسلو كانت بالنسبة لعرفات مرحلة على طريق التحرر الوطني والاستقلال الناجز، إلا أن سياقاتها لم تخدم رؤيته فتحرر منها بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد الثانية واستعاد سجيته الأولى مقاتلاً، عرفات اليوم ضوء مهم في الذاكرة الوطنية الفلسطينية ضروري لديمومة الوعي الوطني المشتبك”.

لا يحقد على أحد

القيادي في حركة فتح والأكاديمي جمال حويل يرى أن أبرز قيمة كان يتمثلها المرحوم عرفات تتمثل في سلوكه الإنساني كقائد لشعب، هذه الإنسانية تجلت بكل المعاني فلم يكن حاقدا على أحد، حتى أشد خصومه السياسيين وأبناء شعبه جميعا، كان يمتلك قدرا عاليا على التعامل كقائد يتعامل مع الجميع، قبلة على رأس الشيخ أحمد ياسين كانت تنهي خلافه مع حماس..الخ هو في ذلك كان أبا حنونا لا يعرف قاموسه الحقد على أحد.

وأضاف حويل: “كان ينظر إلى ديمقراطية غابة البنادق مكسب وطني، وأمر يمكن أن يجير لمصلحة القضية الفلسطينية، وبالتالي لم يكن يسعى للقضاء أو الانتقام من الخصوم السياسيين لا فكرا ولا ممارسة”.

وعن تحولاته أكد أن عرفات توصل إلى يقين أن الاحتلال لن يقدم له شيء، توصل لهذه القناعة بعد أن استنفذ كل الخطوات، وبالتالي قرر أن يتعاطي مع كل ممكنات القوة الداخلية وأهمها الوحدة الوطنية التي كانت تعبر عن إيمان راسخا وشراكة حقيقة من الجميع ليكونوا مساهمين في العمل الوطني، والمواجهة الشاملة مع الاحتلال، فالحقيقة التي آمن بها أنه لا يمكن لفصيل سياسي أن يواجه الاحتلال بمفرده، فالهم والمشروع المقاوم أكبر من حزب سياسي مهما كبر.

وأضاف حويل: “عرفات كان مبادرا بصدق، يمتلك صفات القائد المحبوب من الفصائل المختلفة، يمكنك أن تلاحظ ذلك في كيف تتحدث الفصائل عنه وكيف تصفه”.

وختم حويل حديثه أن عرفات الذي نستشعر غيابه هو القائد الذي كان يتعامل مع الاحتلال بنديه وحتى بقية زعماء العالم، خطاب الندية وممارستها هو ما كرسه عرفات، أما اليوم فالاحتلال لا يريد فقد هزيمتنا في القدس ومعركة الأسرى والاستيطان ..الخ بل يريد أن يهزمنا داخليا يريد أن يقتل روح الفلسطيني، تلك الروح التي كان عرفات يمتلك القدرة على إشعالها والنهوض بها.

القائد الوحدوي

الناشط الشبابي رئيس مجلس إدارة مؤسسة قامات لتوثيق النضال الفلسطيني أنس الأسطة قال إن أبرز ما ميز عرفات وهو ما يلزم الحالة الفلسطينية اليوم هو الوحدة التي أصبحنا نفتقدها، لقد بقي طوال سنوات محافظا على الوحدة الفلسطينية رغم كل الخلافات السياسية، كان قائدا قادرا على مسك الخيوط جميعها، وإقامة توازن فيما بينها، وبالتالي بقي متواصلا مع الفصائل رغم كم التنافر والخلافات الداخلية وهو ما يفتقد اليوم.

وأشار الأسطة إلى أنه كان يتعامل مع الشعب الفلسطيني على أنهم أولاده، بقي دوما مفتوح الباب، ويتقبل كل طلبات المواطنين ويسمح لهم بالتواصل معهم وما حدث مع القيادة التي تلته أن أصبحت تتعامل مع الشعب الفلسطيني وفق قسمين، هناك طلبات ترفض فيما تقبل طلبات أطراف أخرى.

وأكد الأسطة أن عرفات كان رمزا للشعب الفلسطيني وعلى مستوى عالمي، دول كثيرة وشعوب عرفت فلسطين من مدخل أبو عمار، كان رمزا للثورة على مستوى عالمي.

وأكد أن عرفات كان جريئا في اتخاذ القرارات حتى مع الخصوم السياسيين، كان قادرا على المبادرة وإدارة كل الملفات. وكان يتعامل مع الشارع على أنه مصدر قوته، كان الشارع ملهما به، وهو كان ملهم لهم وهو ما نفتقد اليوم حيث لا يوجد من يشحذ الهمم حيث الخطابات التي لا تتعاطي مع نبض الشارع الفلسطيني.

وتابع: “الناس اليوم تعرف التحولات التي طرأت على السلطة وتراها، تعي تماما أن من في السلطة لا يسعون إلا لمصالحها الشخصية، وهو أمر قاد إلى تراجع النضال الفلسطيني بشكل عام”.

وأضاف الأسطة: “يمكن لنا أن نتذكر ان عرفات كان قائدا يقدر تضحيات الأسرى والشهداء، ولا يفاوض على ذلك، المعاني اليوم أصبحت مختلفة فهناك من يريدنا أن نحتفل بورقة من المنسق حول رغبة الاحتلال بالاعتراف بالسلطة، وهناك من يسوق لنا إن 4 آلاف حالة لم شمل فعلا يستحق الاحتفال. هذه معاني غريبة على جيل عرفات وعلى طريقة حكمه”.

وختم “نحن كشباب لا نشعر أن هناك ظهرا لنا نستند إليه، لا كرامة لنا، هناك تراجع في منسوب هذه الكلمة بعد أبو عمار. هذا ليس فيه مبالغة إنه إحساس الشارع ويشهد على ذلك حالتنا الراهنة التي تعتبر مليئة بالتراجعات، قضيتنا أصبحت غير مرئية بالمفهوم الشامل”.

تقول الحكمة القديمة إن “الحياة لا تتوقف عند شخص” لكنها بالنسبة للفلسطينيين أو بالنسبة لقطاع كبير منهم قد توقفت عند ياسر عرفات وتحديدا أمام ما تتعرض له القضية الفلسطينية وتحديدا في الملف الداخلي الذي يبدو أنه فاقدا للبوصلة، والمؤكد برأي خبراء ومحللين سياسيين كثر أن احتفالات ذكرى اغتيال عرفات ليست ذات معنى إطلاقا لكونها لا تكشف عن حقيقة من قتلوه ولا تنبش في تراثه الذي يمكن أن يفيد الراهن الفلسطيني اليوم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية