بعد 20 سنة من زيارة شارون للحرم القدسي.. ما الذي جناه الإسرائيليون والفلسطينيون غير الدمار والضحايا طوال الانتفاضة الثانية؟

حجم الخط
0

يوم الإثنين المقبل هو موعد اندلاع الانتفاضة الأكثر عنفاً في تاريخ إسرائيل، التي شكلت صورتها لسنوات كثيرة: 47 سنة مرت على حرب يوم الغفران، و20 سنة على الانتفاضة الثانية. وقعتا بصورة مفاجئة على إسرائيل وكان يجب أن لا تفاجئ أحداً.

في 28 أيلول 2000 صعد أريئيل شارون إلى الحرم، واشتعلت النار المحبوسة. في اليوم التالي قتل جندي إسرائيلي وسبعة مواطنين فلسطينيين. وبعد يوم قتل الطفل الغزيّ محمد الدرة أمام كاميرات العالم. وفي الأيام التالية نزف الشرطي يوسف مدحت حتى الموت في موقع قبر يوسف، وفي رام الله تم تنفيذ القتل الجماعي بجنديي الاحتياط، يوسي إبراهامي وبادين نوروزيتس. مارد العنف وقمع الاحتلال الوحشي خرج من القمقم. الأمر سيستغرق أكثر من أربع سنوات قاتلة إلى أن يتم قمع هذه المقاومة، ربما بصورة مؤقتة.

كانت الانتفاضة الثانية بمثابة كابوس الحافلات المتفجرة والانتحاريين. سنوات من الخوف والذعر الكبير أينما ذهب مواطنوها. وبالنسبة للفلسطينيين كانت هذه سنوات القمع الوحشي وسفك الدماء الجماعي والحصار والإغلاق والحواجز والاعتقالات الجماعية، وكانت سنوات القتال والتضحية التي لم تؤد إلى أي مكان. فبعد عشرين سنة صار وضعهم أكثر بؤساً وسوءاً مما كان قبل انتفاضة الأقصى، وأسوأ أكثر من أي مضى. وفي كارثة 1948 كان وضعهم أكثر صعوبة وقسوة.

ولكن ذلك لم يكن لعبة صفرية المجموع: دماؤهم ودماؤنا كانت مباحة، سفكت هدراً. فقط الثمن الذي دفعوه، مثلما هي الحال دائماً، كان أعلى بكثير من الثمن الذي دفعه الإسرائيليون. وحسب معطيات الشاباك، سجل في تلك الفترة 1030 قتيلاً إسرائيلياً و138 عملية انتحارية. وحسب معطيات “بتسيلم”، بولغ عدد القتلى في الطرف الفلسطيني 3189 شخصاً إضافة إلى 4100 منزل هدمت، وحوالي 6 آلاف شخص تم اعتقالهم.

       شي جيفارا وجورج حبش على الجدران

رجعت في هذا الأسبوع إلى البداية، إلى التقارير والمقالات وتسجيلات الأيام الأولى في الطرف الفلسطيني، الذي سرعان ما تحول إلى انتفاضة الأقصى. الضحايا الثلاثة الفلسطينيون الأوائل الذين تحدثنا عنهم أنا والمصور ميكي كريتسمان، كانوا أطفالاً.

بدأت قمع الانتفاضة به إسرائيل بإطلاق النار على رؤوس الأطفال في الحرم: علاء: بدران ابن 12 سنة فقد عينه، ومحمد جودة ابن 13 سنة احتضر في قسم العناية المكثفة في مستشفى المقاصد، ومجدي مسلماني ابن 15 سنة توفي ودفن في مقبرة بيت حنينا. وبعد عشرة أيام على اندلاع الانتفاضة كان هناك 14 ولداً فلسطينياً قد قتلوا. وعن معظمهم بالكاد تمت الكتابة في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي انشغلت كالعادة بالضحايا اليهود الذين كانوا ما يزالون معدودين. مدير مستشفى المقاصد، الدكتور خالد قريع، شقيق مهندس اتفاقات أوسلو أبو العلاء قريع، كان قد عرض في غرفته 16 مرطباناً فيها الرصاص الذي تم إخراجه من المصابين في المستشفى الذي يعمل فيه.

كان جودة يرقد في غرفة العناية المكثفة في موت سريري، وكان والداه ينتظران موته النهائي. والده، سائق خلاطة باطون، عاد بعد صب الباطون في مستوطنة جبل أبو غنيم في الوقت الذي أطلق فيه النار على رأس ابنه في الحرم. “هو إنسان.. أنت تعرف أن هذا ولد ابن 13 سنة؟” صرخ علينا الدكتور إيهاب الدجاني الذي سبق وشاهد كل شيء.

على بعد مئات الأمتار من هناك، في حي بيت حنينا، كانوا يجلسون في بيت عزاء الطفل مسلماني. والده الثاكل سمير ،وهو صاحب محل للحواسيب باسم “مركز التكنولوجيا اليابانية” في شرقي القدس، قال إن ابنه ذهب إلى الحرم للاحتجاج على الإغلاق الذي فرض على سكان المناطق. الرصاصة هشمت رأسه من مسافة قصيرة. وقدر الطفل علاء بدران كان أفضل بقليل. فقد فقد عينه فقط. الملكة اليزابيث ابتسمت عند دخولها مستشفى العيون سان جون في شرقي القدس، الذي أجريت فيه عمليات لـ 11 طفلاً.

إن زيارة مركز الشرطة في رام الله في 15 تشرين الأول، بعد ثلاثة أيام على فتك جماعي للجنود، كانت مشحونة أكثر بكثير. قائد المركز، العقيد كمال الشيخ، قال لنا بأنه حاول الدفاع بجسده عن الجنديين اللذين كانا يرتديان الزي الرسمي، والجمهور الذي اقتحم مبنى المركز دفعه إلى الحائط واختطف الجنديين منه. كان هو من رآهما حيين على قيد الحياة. وقال لنا بأن هذا هو “الفشل الأكبر للسلطة الفلسطينية” و”الإهانة الأكبر لي ولشرطة رام الله”. إسرائيل المصدومة من صور الدماء والجثث لم تكن مستعدة لسماع رواية قائد الشرطة وغضب كبير ثار بسبب نشر هذه الأمور.

بعد أسبوع على ذلك، زرنا منزل الخباز جميل مسليط في بيت جالا، الذي قصف الجيش منزله. وكان مصدوماً، ونجا أولاده التسعة بأعجوبة، لكن كانت صورة الشاب مؤيد جواريش ابن 14 سنة، ترفرف على الجدران في الشوارع، وهو الذي هشمت رصاصة للجيش الإسرائيلي جمجمته قبل بضعة أيام. كانت بيت جالا في حالة حظر التجول، وكان هناك دمار كبير يظهر في شوارعها. كان هذا هو رد إسرائيل على إطلاق النار على غيلو.

مخيم الدهيشة للاجئين على بعد بضعة كيلومترات من بيت جالا. في الوقت الذي كانوا يتحدثون هناك عن السلام كان “الدهيشة” يتحدث عن الحرب. سيل من مشاعر الغضب وشهوة الانتقام أغرق شوارع هذا المخيم، الذي غطينا فيه قبل بضع سنوات الحملة الانتخابية النشطة للمجلس التشريعي الفلسطيني. الآن خرجوا من هنا للمظاهرات الدموية قرب قبر رحيل الذي تحول إلى بؤرة رئيسية للمقاومة. وفي الصيف، زرنا في بيت لحم الطفل رامي معالي، بائع العصير الذي كسر الجيش الإسرائيلي يده بدون سبب. شي جيفارا وجورج حبش كانا على الجدران. هذا المخيم كان شرساً، وكل مشاعر المرارة بسبب سنوات اللجوء والاحتلال اندلعت مرة واحدة. لم يتنازلوا عن حلم العودة، ولن يتنازلوا. “قبل هذه الانتفاضة كنا مقموعين”، قال أحد المسلحين، “الآن معنوياتنا ارتفعت. لقد اعتقدوا أنهم سيكسرون حلمنا أو سيخرجون الفلسطينيين من التاريخ، لكن الانتفاضة أعادتنا إلى حلمنا مرة أخرى. سيكون من الصعب العودة إلى ما كان قبلها. لن يتمكن عرفات وباراك من التحدث مرة أخرى. على ماذا سيتحدثان؟ أوسلو انتهت”.

بعد ذلك بدأت التصفيات؛ خرج الطالب الناشط في الجهاد الإسلامي أنور حمران من الجامعة في نابلس بعد إنهاء الامتحان، كتبه في يديه وزوجته إلى جانبه، وانتظر سيارة أجرة. عشرون رصاصة لقناصة الجيش أصابته على بعد 30 متراً من أعالي جبل جرزيم. هناك عدد غير قليل من المارة قتلوا في هذه التصفيات. في كانون الأول سجل 250 قتيلاً فلسطينياً. وقبل ثلاثة أشهر على اندلاع الانتفاضة نشرنا صورة واجهة العرض لمحل ملابس باسم “قمصان أوسلو” في نابلس. صاحب المحل، سعد الخروف، يتحدث الألمانية من سنوات منفاه، حذر في حينه من اندلاع الانتفاضة. في نهاية كانون الأول تمت تصفيته، بعد أن قام شخص مجهول تظاهر بأنه أحد معارفه بالاتصال به ليلاً لإنقاذه.

كان سكان مخيم الفوار للاجئين محاصرين عندما أطلقت النار على ابن المخيم سامر الخضور ابن الـ 18 سنة، وقتل على أيدي الجنود قبل بضع ساعات من حفل زفافه، وكان هذا بعد أسبوعين على الانتفاضة. دفن الخضور بملابس العريس التي اشتراها له والداه. وقد فرض الحصار على مخيمه البعيد، الذي استمر لبضعة أشهر. وأغلقت شوارع الضفة. “لقد قسمتم فلسطين. الآن كل قرية دولة مستقلة”، قال على مسامعي أحد موظفي وكالات التنمية التابعة للأمم المتحدة في المخيم.

قرب مستوطنة “نتساريم” في غزة قتل بعد بضعة أسابيع سائق سيارة الأجرة إسماعيل التلباني (50 سنة) لجرأته على الاقتراب من قافلة المستوطنين التي مرت في الشارع. الطفلة صابرين بلوط ولدت في سيارة أجرة في شوارع الضفة في الوقت الذي توسل فيه الوالدان للجنود للسماح لهم بالوصول إلى المستشفى. وقد تم إخراجها من سيارة الأجرة وهي مربوطة بالحبل السري، والجنود يضحكون على ذلك.

في آذار 2001 نشرنا صور 66 طفلاً فلسطينياً قتلوا منذ بداية الانتفاضة الثانية. كان ابن 8 سنوات ونصف يلعب في غرفته قبل أن يصبح الضحية الأخيرة حتى ذلك الحين. بعد ذلك أضيف له عدد كبير من الأولاد الآخرين، إسرائيليين وتحديداً فلسطينيين. قبل بضعة أسابيع، في 6 شباط، تم انتخاب أريئيل شارون -الذي تسببت زيارته للحرم بكل ذلك- رئيساً للحكومة في إسرائيل.

بقلم: جدعون ليفي

هآرتس 25/9/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية