بتقدم عمليات التصويت على فصول الدستور الجديد هذه الايام، يزداد الشعور داخل تونس وحتى خارجها بأن المجلس التأسيسي وهو السلطة العليا في البلاد، يوشك على التحول بمرور الوقت الى ما يشبه حديقة ‘الهايد بارك’ في لندن مع اختلاف نوعي في شكل المكان وطبيعة الانكليز ‘ الباردة’ مقابل ‘الحرارة’ العربية المعروفة. ففيما ينعم رواد الحديقة البريطانية الشهيرة ومختلف المتكلمين داخلها بالماء والخضرة والهواء المنعش، يعاني المتحدثون في الجلسات العامة للمجلس في اغلب الاحيان من وجع الرأس وخطر الاصابة بامراض القلب والاعصاب، او التعرض للشتائم والتعديات غير اللائقة مثل التشابك الذي حصل مؤخرا بالأيدي بين نائبين. ولا عزاء لقسم واسع منهم في تحمل كل تلك الضغوط سوى الوصول في نهاية الامر الى تحقيق الغاية الاصلية من وراء انتخابهم جميعا في تشرين الاول/ اكتوبر2011، وهي المصادقة على دستور جديد بعدما تم في وقت سابق تعليق العمل بدستور 1959 .
سنوات قليلة الى الوراء، كان مجرد تخيل مجلس برلماني بمثل ذلك التنوع والصخب وحتى التهور الذي يبديه بعض النواب من وقــــــت لاخر، يبدو أمرا فوق الخيال، فقد اعتاد الناس لعقود طـــــويلة على اللون الواحد والقائد الاوحد ودولة تبدو لجميع الملاحظين من الخارج بلا مشاكل تقــــريبا سوى بعض الازعاج الذي تسببه ‘حفنة’ صغيرة من الحــــقوقيين، وما تبقى من نشطاء السياسة عندما تثير في بعـــــض المناسبات مواضيع شديدة الخطورة على الامن القومي، مثل الحريات المفقودة او الحقوق المنعــــدمة والتي لا يبدو ان احدا من العالم الحر كان يجد الوقـــت الكـــافي للالتــــفات اليها وسط حرص النظام على تقديم ارقام فلكية لا تقبل التشكيك في النمو الاقتصادي لتونس والاهم من كل ذلك كرمه الزائد واللا محدود مع الوفود الاجنبية الزائرة لغرض التحقق من تلك ‘النجاحات’ الباهرة.
بالهروب الغامض والمفاجىء لحاكم قرطاج مساء الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير2011، اختلطت مشاعر التونسيين بين الذهول والفرحة، لكنهم اصيبوا في الحالتين بـ’صدمة’ الديمقراطية.
الوجه الوحيد المعروف حتى ذلك التاريخ لذلك الكائن الغريب والمجهول عند السواد الاعظم منهم اي الديمقـــــراطــــية، هو ما امكن التقاطه من خلال فضائيات التلفزيون، ثم في اوقات موالية مواقع الانترنت المفــــتوحة من انها تـــعــــني فقط وببساطة اسقاط جميع القيود المرفــوعة امام التظاهر والتعبير الحر عن رفض كل المؤسسات.
اما المعارضون السابقون فلم يكن تصورهم للمرحلة الجديدة يتخطى الحلم القديم باجراء انتخابات نزيهة وشفافة، لا تعرف نتائجها مسبقا مثلما هو الحال في العهود السابقة.
بعد اجراء الانتخابات والاعلان عن نتائجها، اختارت الاحزاب المهزومة فيها ان تصطف على الفور ضمن الفريق المعارض، اما الفائزون فقد كونوا ائتلافا حكوميا فريدا جمع للمرة الاولى في التاريخ العربي المعاصر اسلاميين بعلمانيين.
حاول الائتلاف ان يتوسع ويستوعب احزابا جديدة لكنه فشل في تحقيق ذلك الطموح، خصوصا في اعقاب اغتيال بلعيد في السادس من شباط/ فبراير الماضي وما تلاه من استقالة رئيس الحكومة حمادي الجبالي، ثم الازمة السياسية الحادة التي حصلت بعد الاغتيال الثاني في نفس العام للنائب البراهمي، وما قادت اليه من اتفاق الطرفين على تطبيق ما عرف بمبادرة الرباعي وخارطة الطريق، كمسلك مناسب للحل.
اما الآن وقد مضت ثلاث سنوات على ذلك الهروب، فلا يهم كثيرا ان كان ماجرى هو تتويج لثورة بدأت باضرام البوعزيزي النار في جسده، او ان الامر كان مجرد انتفاضة اجهضتها حسابات الداخل والخارج. فالمؤكد في جميع الاحوال ان تونس بصدد خوض تجربة فريدة وانها بالفعل تعيش فرصة نادرة قد لا تتكرر بسهولة في المستقبل.
ما يبدو جليا هو ان الجميع تقريبا بدأ يستفيق من ‘صدمة’ الديمقراطية. فالاسلاميون وصلوا الى قناعة بان الفوز باصوات الناخبين لا يعني القدرة على المسك بحكم ماتزال دوائره الكبرى خــــــارج السيطرة، والمهزومون السابقون في الانتخابات ادركوا من جــــانبــــهم ان خيار الانقلاب على الطــــريقة المصــــرية ليــــس بالحل الانسب، امام ضعف البدائل والخلل الواضح في موازين القوى .
ليس هناك ما يدل على ان تلك ‘الصحوة’ جاءت بدافع الضرورة، التي قادت مختلف الاطراف نحو مراجعة حساباتها ومواقفها بعناية بحثا عن تحقيق توافق يؤمن الحد الادنى من النجاح، او انها كانت النتيجة الطبيعية لتدخلات خارجية لم تعد تغفلها العين. لكن الثابت هنا هو انه ستكون لها تداعيات بعيدة المدى، تمس من وحدتها الداخلية وايضا حظوظها في المنافسات الانتخابية القادمة.
الاستنتاج الاهم الذي توصل اليه التونسيون بعد ان صبروا طويلا على استبداد بن علي، هو ان الديمقراطية الوليدة ثمنها باهض ومؤلم، وقد يكون ارفع من تكلفة الاستبداد، وانها ليست مثلما توقعها البعض منهم مجرد فسحة قصيرة وسعيدة تحيل ظلامهم نهارا وشقاءهم نعيما بضربة حظ طائشة. اما ما ينبغي على الفاعلين السياسيين ادراكه في اسرع الاوقات، فهو ان ما ينتظره هؤلاء منهم ليس فقط انجاز دستور جديد والاعلان القريب عن الانتخابات بل كثيرا من الصدق و الهدوء ‘الانكليزي’ حتى لا تتحول النسخة التونسية للديمقراطية الى مجرد ‘هايد بارك ‘ مغلق، لا صلة له بما يجري في الخارج من آلام وآمال ما تزال معلقة والى أجل غير معلوم.
‘ كاتب وصحافي من تونس
[email protected]