بعد 30 عاما على «المفترق التاريخي» أوسلو في عيون إسرائيلية: بين تأكيد على حيوية السلام والتحذير من استحالته

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: لماذا لم تلغ حكومات اليمين الصهيوني اتفاق أوسلو رغم عدم توقفها عن مهاجمته وشيطنته؟ على هذا السؤال أجمع عدد كبير من الباحثين الإسرائيليين بالقول إنها مستفيدة منه عمليا في عدة مستويات ومعنية ببقائه تزامنها مع مساعيها لاغتيال فكرة الدولة الفلسطينية السيادية وإخراجها من عقول الفلسطينيين كما قال رئيس حكومة الاحتلال الحالية بنيامين نتنياهو في الشهر الماضي. ثلاثون عاما على اتفاق أوسلو…ما تبقى منه وما مات وماذا بعد؟ تحت هذا العنوان نظمّ معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب يوما دراسيا بمشاركة عدد كبير من الباحثين والسياسيين من مختلف الأحزاب الصهيونية. في الردّ على السؤال لماذا فشلت اتفاقية أوسلو ولم تفض لتسوية، اختلفت التوجهات والتفسيرات فتوقفت عند اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق رابين بعد عامين من توقيعها وعند مذبحة باروخ غولدشتاين في الخليل، بعد نحو العام منها وعند ياسر عرفات «المناصر للإرهاب» علاوة على أخطاء بنيوية فيها وتمايزت التفسيرات في ترتيب هذه الأسباب من ناحية الخطورة والأهمية والأولوية ووضع بعضها الكرة فقط في الملعب الفلسطيني فيما أكدت تفسيرات أخرى أن إسرائيل أفشلته وتخلت عنه واستغلته لتحقيق سلة من مآربها. لماذا لم يلغ حزب «الليكود» الحاكم اتفاق أوسلو طيلة وجوده في سدة الحكم منذ 1996؟ ضمن الإجابة على هذا السؤال يقول المستشار للشؤون السياسية -الاستراتيجية الناطق السابق بلسان حزب «العمل» يورام دوري إن اتفاقات أوسلو من 1993 كانت تتمة مباشرة لتوقيع اتفاق كامب ديفيد مع مصر عام 1979 والذي يباركه الجميع اليوم بمن فيهم معارضوه وقتها والذي استهل نصه بالحديث عن القضية الفلسطينية وعن حكم ذاتي كامل في كل الضفة والقطاع.

بين حماس والمنظمة

كما يقول دوري إن رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق رابين الذي اغتاله متشدد صهيوني بعد عام من أوسلو وقف أمام خيارين: منظمة التحرير التي شهدت في تلك الفترة تراجعا في قوتها أو تحويل حركة حماس حديثة العهد لممثل للشعب الفلسطيني. ويضيف»استنتج رابين أن منظمة التحرير كتنظيم براغماتي علماني هو شريك مرغوب أكثر من حماس ـ التنظيم الديني الغيبي الرافض لفكرة التسوية». ويقول هو الآخر إن هناك حاجة لتوضيح مضمون اتفاقات أوسلو بعدما قام اليمين الصهيوني المعارض لها بتشويهها مشيرا لما جاء في صلبها: اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل على 78 في المئة من البلاد وبحقها بالعيش بأمن وسلام والتزامها بتسوية الخلافات بطرق غير عنيفة علاوة على تغيير نص الميثاق الوطني الفلسطيني في هذا المضمار.
ويرى المحامي الإسرائيلي المختص بالقضاء العسكري والقضاء الدولي يوئيل زينغر أن الإسرائيليين انقسموا عام 1993 لمعسكرين الأول تحمّس وفرح لأوسلو واعتبره تحوّلا دراميا يتيح إنهاء الاحتلال وربما يقود لمصالحة تاريخية بينما المعسكر المعارض اعتبره خطرا حقيقيا لاستمرار السيطرة اليهودية بين البحر والنهر ومن شأنه إنتاج دولة فلسطينية سيادية في قلب البلاد. ويقول أيضا إنه رغم مرور ثلاثة عقود على أوسلو لم يطرأ تغيير بتعامل المعسكرين لأوسلو لكن تحليلا منطقيا للوضع ينبغي أن يقود لمعادلة معكوسة: على اليمين أن يؤيد الاتفاق فيما على اليسار معارضته. ويعلل زينغر ذلك بالقول إن المبادرين لأوسلو (يسار صهيوني) وبخلاف رغبتهم تشكّل واقع يحقق طموحات اليمين الأصلية في ظل فقدان اتفاق دائم. ويقول إن رابين وبيريز وبخلاف مناحم بيغن رغبا بالتوصل لاتفاق دائم ينتج كينونة فلسطينية تقل عن الدولة تعيش لجانب إسرائيل مع حدود واضحة وضمانات أمنية مع إبقاء أكبر قدر ممكن من المستوطنات في الجانب الإسرائيلي.

الشرعية لمواصلة الاحتلال

ويشير زينغر أن أوسلو منح إسرائيل شرعية لمواصلة احتلالها دون قيود زمنية ريثما يتحقق الحل الدائم الذي يبدو اليوم غير ممكن، مثلما منحها شرعية لمواصلة الاستيطان وبقوة أكبر بحيث يتم تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية بشكل يحول دون قيام دولة مثلما مكنّها من التخلّص من قطاع غزة. وينوه أيضا أن اتفاق أوسلو مكّن إسرائيل من توجيه أصابع الاتهام للسلطة الفلسطينية بوقف تقدم مفاوضات السلام بعدما فشلت هذه بالحفاظ على الأمن في المناطق التي منحت لها مثلما سيطرت حماس على القطاع. ويتابع عن المنافع الإسرائيلية الناجمة عن الإبقاء على أوسلو دون تطبيقه: «هذا الواقع الراهن المولود من أوسلو يمكّن إسرائيل من تحاشي تحويل مساحات أخرى من الأرض للسلطة الفلسطينية بدعوى أنها عاجزة عن ضمان الأمن في مناطقها الحالية فكيف نمنحها المزيد؟» كما يشير إلى أن أوسلو دفع الأردن ولاحقا دولا أخرى للتطبيع مع إسرائيل وعلى الصعيد الإسرائيلي الداخلي أتاح أوسلو لليمين الصهيوني بأن يمحو اليسار الصهيوني وتكريس حكمه استنادا للزعم أنه خلّص إسرائيل من «تبعات أوسلو الخطيرة». ويخلص زينغر للقول «لن يطول اليوم الذي سيلوح فيه اليمين الصهيوني باتفاق أوسلو لجانب وعد بلفور وصك الانتداب بصفته اتفاقا منحه «كوشان طابو» على معظم أراضي الضفة الغربية.

سلام مع الفلسطينيين
أهم من السعوديين

في المقابل يقول زينغر محذرّا من أن أوسلو ورغم فشله في تحقيق أمنيات رابين وبيريز ورغم احتمال قيادته إسرائيل لواقع ثنائي القومية مع نظام فصل عنصري آبرتهايد، فإن اليسار الصهيوني- بشكل ساخر يواصل دعم أوسلو وقد حان الوقت لأن يستيقظ هذا اليسار ويقول: لم نتمن ولادة هذا الولد». وهذا ما حذرّت منه وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني التي حذرّت من أن مضي إسرائيل في الوضع الراهن وسط تهرب من تسوية الصراع مع الفلسطينيين يعني تورطّها في واقع ثنائي القومية من شأنه أن ينهي الحلم الصهيوني. وهذا ما أكدته أيضا صحيفة «هآرتس» في افتتاحيتها أمس الأول بالقول إن السلام مع الفلسطينيين أهم بكثير من سلام مع السعودية وغيرها ودون تسوية الصراع معهم سيتواصل النزيف وستتورط إسرائيل في واقع نظام فصل عنصري يهدد وجودها هي الأخرى.
ويواصل الباحث المختص في الشؤون الفلسطينية في جامعة تل أبيب دكتور ميخائيل ميليشتاين التحذير من تجاهل الفلسطينيين والرهان على الوقت. في مقال جديد يقول ميليشتاين إن اتفاق أوسلو هو أحد المفترقات الحاسمة في تاريخ النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني بشكل خاص والنزاع الإسرائيلي-العربي بشكل عام. ويقول أيضا إنه رغم أن الحدث رافقته عاصفة قوية، وعانى من الهشاشة، ولم يحصل على الإجماع في أوساط الشعبين إلا أن أُسسه ما زالت قائمة حتى الآن. ويضيف «هكذا، من عارضوا هذه العملية، مثل اليمين في إسرائيل الذي سيطر على حكوماتها في الثلاثين سنة منذ التوقيع على الاتفاق، يتعاملون معه كحقيقة قائمة، سواء بسبب تعبيراته الثابتة التي تجذرت على الأرض أو بسبب الدعم الدولي الكبير لهذه العملية، أو إزاء الإدراك بأن أي بديل سيتم تطبيقه بدلاً منه سيجبي من إسرائيل ثمنا استراتيجيا باهظا».

سوابق تاريخية

وعلى غرار زميله الباحث في الشؤون الفلسطينية في الجامعة العبرية في القدس دكتور رونس شاكيد يرى ميليشتاين أن اتفاق أوسلو جسّد عدداً من السوابق التاريخية الدراماتيكية: «هذه هي المرة الأولى التي اعترفت فيها قيادات الشعبين ببعضها، وقامت ببلورة اتفاق يقوم على تقسيم جغرافي للبلاد. في أعقاب الاتفاق تم تشكيل السلطة الفلسطينية-الكيان السياسي الفلسطيني الأول في أرض إسرائيل – فلسطين التاريخية – حيث سيطرت على الجمهور الذي يعيش فيها، حتى لو أنها لم تحصل على مكانة الدولة السيادية. في هذا الإطار تم نقل مركز نشاطات الحركة الوطنية الفلسطينية من الخارج (الشتات) إلى الداخل وتم البدء في مأسسة غير مسبوقة للنشاطات السياسية فيها (حكومة ومجلس تشريعي وانتخابات وما شابه). ويقول ميليشتاين إن اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/سبتمبر 2000 وهي إحدى المواجهات الشديدة في تاريخ النزاع، مثلت انهيار «عهد أوسلو» وضعضعت الحلم الذي يقول بأن الشعبين قد استبدلا لغة المواجهة بالخطاب السياسي اللطيف من أجل حل النزاع. معتبرا أن النقاش حول أسباب فشل العملية واستئناف النضال العنيف يثير جدلا شديدا حتى الآن ترافقه الاتهامات المتبادلة، مثلا، ادعاءات إسرائيلية بخصوص تقلب ورفض الطرف الفلسطيني، وفي المقابل اتهام الفلسطينيين لإسرائيل بتغيير مستمر للحقائق على الأرض. منوها أنه مع ذلك، يتفق الطرفان على أن امتداد المفاوضات لسنوات عديدة بدلاً من القرارات الحاسمة والسريعة، شكل عقبة رئيسية، مكنت من حدوث الانقطاع والتراجع والتشويش على العملية.

حماس وفتح

ويرى ميليشتاين أيضا أن السنوات الثلاثين التي مرت منذ التوقيع على الاتفاق رافقتها تقلبات في العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن أيضا في صورة الساحة الفلسطينية التي انقسمت إلى قسمين، عندما سيطرت «حماس» على القطاع في 2007. ويتابع في هذا المضمار: «هكذا، يوجد بين البحر والنهر الآن واقع هجين يشبه الساحة الأثرية، يشمل مجموعة متنوعة من الأوضاع المتشابكة مع بعضها، والتي تمثل مبادرات استراتيجية وتجارب تاريخية بدأت في التشكل. ولكنها قتلت في مهدها. في هذا الإطار هناك خمسة أوضاع سياسية وأحوال مدنية فلسطينية: مناطق أ في الضفة الغربية، التي تسيطر عليها السلطة، ومناطق ب، التي تقع تحت المسؤولية المدنية الفلسطينية والمسؤولية الأمنية الإسرائيلية، ومناطق ج (63 في المئة من أراضي الضفة الغربية) توجد تحت سيطرة إسرائيل، وقطاع غزة، الذي تحكمه حماس، والفلسطينيون الذين يعيشون في مناطق غير واضحة، وسكان شرقي القدس، الذين منذ العام 1967 لديهم مكانة مقيم وغير مواطن؛ والى جانب كل ذلك المواطنون العرب في إسرائيل».

الوضع الراهن

وضمن تحذيراته يقول ميليشتاين إنه بعد أن جربا كل أنواع العلاقات فإن الشعبين المتعبين يغرقان في نوع من الوضع الراهن الذي يقوم على إعطاء الأولوية لتطوير «هنا والآن». ويشير إلى ان الأيديولوجيا الكبرى للماضي تحل محل السلام الاقتصادي الذي تحول إلى سياسة غير رسمية لإسرائيل في السياق الفلسطيني، ويتم الدفع بها قدماً بوساطة الكثير من «بادرات حسن النية» و«التسهيلات» في مجال التجارة والبنى التحتية والأموال والتشغيل. ترتكز هذه السياسة على افتراض إسرائيلي قديم يقول إنه بوساطة الحفاظ على أو تحسين حياة الفلسطينيين يمكن التوصل إلى الاستقرار الأمني ومواصلة السيطرة على الضفة الغربية من دون الحاجة إلى اتخاذ أي قرارات حاسمة.

السلام الاقتصادي

وبرأيه فإنه عملياً، يجسد السلام الاقتصادي انتصارا باهظ الثمن فهو في الواقع يمكّن من التوصل إلى الاستقرار الأمني على المدى القصير والمتوسط ويمنع سيناريوهات مثل الانتفاضة الثالثة، وفي الوقت ذاته يعمق الاندماج بين المجتمعين. ويمضي في تحذيره: «هذه، إذاً، عملية صهر لا تنبع من قرارات سياسية أو تخطيط استراتيجي، بل هي تتحقق في إطار روتين حياة يومي، رمادي وبيروقراطي، يقوم على التصاريح والتأشيرات وشق الطرق ومد خطوط الاتصالات». ويقول أيضا إنه بشكل عام انشغال إسرائيل بالمسألة الفلسطينية محدود جدا» مرجحا أن القيادات أو الجمهور، على حد سواء، يتطلعون إلى «الهرب» من نقاش معمق حول الموضوع. ويضيف «عندما يتطور مثل هذا الخطاب فإنه يتميز بأنه خطاب عفا عليه الزمن. النقاش حول البدائل الاستراتيجية للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، يبرز بديلين تمت مناقشتهما بلا توقف، حتى لو أن أهميتهما ضاعت:
البديل الأول هو حلم الدولتين. على الأقل في المدى المنظور توجد صعوبة جوهرية لتطبيق هذه الرؤية كما تم وضعها قبل ثلاثين سنة، بسبب تغير المنظومة الفلسطينية التي أصبحت ساحتين منفصلتين تحركهما أفكار متنافسة، إضافة إلى التغيرات التي طرأت على الأرض والبارز منها الاستيطان اليهودي- 110 آلاف مستوطن في 1993 والآن تقريبا نصف مليون مستوطن. البديل الثاني هو إدارة النزاع، التي جوهرها تحسين الواقع في الساحة الفلسطينية وخاصة بوسائل اقتصادية. في هذا السياق تظهر فكرة الحكم الذاتي المدني بدون بعد جغرافي، التي طرحها بيغن في نهاية السبعينيات؛ تقليص النزاع، الذي يركز على تحسين حياة الفلسطينيين وتقليص الاحتكاك بينهم وبين إسرائيل، بدون فاصل جغرافي بين المجتمعين، وأيضا مبادرات مثل الكونفدرالية بدون حدود، أو تأسيس اتحاد إمارات في الضفة الغربية على أساس عائلي-قبلي. هذه الأفكار لم يحصل أي منها على الاستجابة في أوساط المنظومات الفلسطينية أو الدولية. وتقريبا جميعها مشوبة بالعيب الذي يتمثل بالاعتماد الزائد على العامل الاقتصادي الهش، مع تجاهل الفجوات الفكرية والسياسية العميقة بين المجتمعين». ويعتقد ميليشتاين أن هناك بديلين استراتيجيين أمام إسرائيل الآن فقط، يعكسان الاختيار بين السيئ والأسوأ: من جهة، الدولة الواحدة والتي هي رؤية قديمة يتم تطبيقها بالتدريج الآن دون تخطيط أو بدون رغبة أو وعي، ويمكن التقدير بأن هذا الكيان سيتطور على مراحل، المرحلة الأولى، إضعاف السلطة الفلسطينية، مثلا، عند انتهاء عهد أبو مازن، والمرحلة الثانية هي ضم إسرائيل بالتدريج للضفة الغربية، والثالثة هي إيجاد محتمل لواقع أبرتهايد إزاء عدم رغبة إسرائيل في إعطاء الجنسية للفلسطينيين في الضفة الغربية التي ستكون تحت سيطرتها، والرابعة، الإعلان بشكل رسمي عن الدولة الواحدة، التي جميع مواطنيها متساوون في الحقوق، وذلك بعد ضغوط خارجية وداخلية ستجد إسرائيل نفسها واقعة تحتها. من المرجح أن يكون هذا هو بداية فصل تاريخي جديد بروح البلقان. محذرا من ان كل شعب من الشعبين يطمح إلى أن يكون سائدا في الكيان المستقبلي، ما يمكن أن يقود إلى مواجهة كبيرة جدا بينهما، ربما ستكون أكثر شدة من التي كانت في السابق. ويتابع «في الطريق إلى الدولة الواحدة فإنه ما زالت هناك محطة واحدة للتوقف وهي خطوة إسرائيلية أحادية الجانب. القصد هو الانسحاب إلى خطوط حدود تترك تحت سيادة إسرائيل معظم المستوطنات في الضفة الغربية وغور الأردن، وبذلك سيتم ضمان معظم مصالحها الأمنية». وفي مثل هذه الحالة يوصي ميليشتاين بأن تكون هذه الخطوة منسقة مع الطرف الفلسطيني، لكن إذا كان غير معني أو غير قادر على ذلك فيمكن بل من الضروري تطبيقه بشكل أحادي الجانب. ويقول إن سابقة الانفصال عن قطاع غزة نتجت عنها أخطار يمكن أن تتطور أيضا بعملية أحادية الجانب في الضفة الغربية وعلى رأسها: سيطرة جهات متطرفة، ووضع تهديد أمني شديد لإسرائيل، واستمرار اعتماد الفلسطينيين اقتصاديا على إسرائيل، والإبقاء على الغموض بخصوص مكانة الكيان الفلسطيني؛ والأخطر من كل ذلك هو شرخ كبير داخل المجتمع الإسرائيلي. ويخلص ميليشتاين للقول أو التوصية بالانفصال عن الفلسطينيين وبروح اتفاق أوسلو «حتى الآن يدور الحديث عن بديل أفضل من الدولة الواحدة، واقع يمكن أن يعرض للخطر جوهر حلم الصهيونية، وجود إسرائيل كدولة ديمقراطية مع أكثرية يهودية».

كارثة أوسلو؟ الثقة كتلة الكارثة

من جهته يوضح الصحافي في «هآرتس» حاييم ليفنسون أنه في مناسبة مرور ثلاثين سنة على أوسلو، يقوم أصدقاؤنا في اليمين بإذكاء حملتهم التاريخية الناجحة ضد اتفاقات أوسلو على اعتبار أنها أكبر كارثة إقليمية. ويرى ان اتفاق أوسلو بالتأكيد كان انعطافة دراماتيكية في النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين ولكن قوة الهيمنة تكمن في بناء الرواية التي تخدمها. وعن ذلك يضيف «نجح اليمين الصهيوني في تخليد أسطورة أوسلو وكأن الضفة الغربية قبل أوسلو كانت أوسلو، وليست جهنما يطارد فيها الجنود الإسرائيليون أولاداً يرشقون الحجارة فيحطمون عليهم العصي. السؤال هو: لماذا بدأوا الإعداد لاتفاقات أوسلو منذ البداية. أصدقاؤنا في اليمين صكوا تعبير ضحايا أوسلو. الحديث يدور فعلياً عن ضحايا غوش إيمونيم. بعد سنتين، ستمر خمسون سنة على إقامة المستوطنات في جبال الضفة الغربية، التي بدأت بوضع العظمة في الحلق، والتي لم ينجح كل الحكماء في إخراجها خلال خمسين سنة».
وعلى غرار ميليشتاين يرى ليفنسون أيضا ان اليمين في إسرائيل كالعادة يظهر في تعامله مع أوسلو بالتركيز على اليهود والإسرائيليين، وعدم فهم العمليات العالمية.

البديل السيء مقابل الأسوأ

ويخلص ليفنسون للقول إنه أحياناً نختار في الحياة البديل الأقل سوءاً من بين جميع كل البدائل السيئة: أوسلو كان بديلاً سيئاً. لم تكن وبحق بدائل أخرى. وتخيل اليمين بأنه سيأتي يوم ويعثر فيه على الفلسطيني الغبي الذي سيوافق على حكم ذاتي بدون حقوق وطنية، وفي كل يوم سيرسل باقة ورود إلى جاره في عوفرا وألون موريه ويشكرهم على الحق الذي منحوه إياه ليخدم سادة البلاد، هذا التخيل لا مكان له إلا في أوراق موعظة الأسبوع. للأسف الشديد، لم يصبح عرفات سياسياً كبيراً مثل مناحيم بيغن الذي نجح في استبدال العمليات ضد البريطانيين بالسلام مع العرب. لم ينجح نتنياهو في استبدال خطاباته المثيرة بشيء ما عملي وثابت أمام الفلسطينيين. عندها كلانا خسر».

لا يزال لدى إسرائيل شريك

واستذكر وزير الخارجية الإسرائيلي السابق يوسي بيلين، توقيع «اتفاق أوسلو» بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بالتاكيد على انه: «لا يزال لدى إسرائيل شريك وذلك بعكس مزاعم اللاشريك الفلسطيني». وأضاف بيلين في مقال نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم»: «خلال حياتي كنت أؤيد الحلول التي كان من المفترض أن تؤدي إلى هذا الهدف، لقد دعمت قيام دولة أردنية فلسطينية واتفاقية لندن الموقعة في نيسان/أبريل 1987 بين الملك حسين وشمعون بيريز، والتي كتبت بخط يدي، وليس بالصدفة». وختم بيلين مقاله قائلاً: «فقط أولئك الذين لا يريدون الاتفاق، ولا يفهمون أهميته، سيستمرون في الادعاء مراراً وتكراراً بأن الخلافات مستحيلة الحل، وأنه لا يوجد شريك. والاستسلام في رأيي هو التخلي عن الصهيونية».

السلام غير ممكن

في المقابل يرى النائب الصهيوني السابق في الكنيست بروفيسور آريه إلداد أن أوسلو كان بمثابة كارثة ولم يمتلك أي فرصة للنجاح لأنه قام على افتراضية خاطئة تقول إن السلام مع الفلسطينيين ممكن. ويعلل إلداد نظرته التي تلقي الكرة في الملعب الفلسطيني متجاهلا كل جرائم الاحتلال بالقول «إن الحديث لا يدور عن حرب على جغرافيا بل هي حرب دينية أو صدام بين حضارتين متناقضتين وهذا أمر لا توجد له حلول بل يستمر 1000 سنة». زاعما أن إسرائيل كانت قبل أوسلو في ذروة بناء «جدار حديدي» حتى جاء هذا الاتفاق وهدمه بعدما أنعش آمال الفلسطينيين بقيام دولة مستقلة لهم وبالتغلب على اليهود ونتيجة القدرات التي امتلكوها بفضل أوسلو قتل أكثر من 1000 إسرائيلي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية