عبد الغني بلقيروستوافينا الذكرى 49 لاستقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي والبلاد تعيش في مفترق طرق مفصلي في تاريخها الحديث، بين طريق استمرار الارتكاس والانتكاس عن قطار الاستقرار والتنمية على مختلف الأصعدة الذي تسير فيه البلاد منذ الاستقلال، وبين طريق إرجاع للشعب حقه في تصحيح مسار إدارة البلاد، واللحاق بقطار التنمية والتقدم. توافينا ذكرى مرور قرابة نصف قرن عن الاستقلال والجزائر تتعرض لنظام حُكم أهم صفاته الاستبداد في ممارسة السلطة، والفشل المتعدد الأوجه في تسيير دواليب البلاد، والاغتراف بدون حدود من الريع النفطي الوحيد الذي يسير مؤشره تصاعديا، في ظل اقتصاد ريعي جامد يسير دون خطط وبرامج تنموية واضحة، وحياة سّياسية أحادية متهرئة، تحكمها مصالح الحزبية وجهوية وشخصية ضيقة، مع ضعف واضح للأحزاب السّياسية والمنظمات الجمعوية المسموح لها بالرقص في الساحة السّياسية والاجتماعية، دون أفق إصلاح حقيقي ولا مشاريع تغيير موثوق بها.
وتوافينا الذكرى والاستهلاك من رصيد الثورة التحريرية ومنجزاتها بلغ غاية الانحدار، فبعد 49 سنة من الحكم باسم الشرعية الثورية ـ المزورة في الكثير من الأحيان ـ وما يصاحبه من النهب بدون حدود من المال العام، باسم الحقوق والامتيازات الطفيلية التي أكسبوها أنفسهم بدون وجه حق، حتى وصل الأمر في السنين الأخيرة لتوريث تلك الامتيازات للأولاد والأحفاد والبطانة، مما أفقد الحديث عن الثورة والاستقلال وقعه في قلوب وعقول الناشئة من أبناء الشعب الذين بقوا منذ نصف قرن إلّا قليلا يأملون خيرا في الوعود العرقوبية للنظام وأزلامه، وبقوا ينتظرون وعود التنمية والتشغيل والحرية والعدالة وخاتم سليمان.
توافينا الذكرى وحلم الشّهداء بجزائر الكرامة والعدالة والتقدم يُداس تحت أقدام حفنة من ضباط المخابرات، وبارونات الاستيراد جعلوا من مصير البلاد ومستقبلها رهين نزواتهم وفهمهم الجامد، ومنحوا أنفسهم بغير حق الوصاية على مستقبل الوطن ومصير أبنائه، وأعطوا أنفسهم الحصانة من تبعات جرائمهم في حق البلاد والعباد.
توافينا الذكرى ومازال الجزائريون يطالبون بعد نصف قرن من ما يسمى بالاستقلال بحرية الرأي والإعلام بما فيه فتح قطاع السمعي البصري، وبتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين الجزائريين، وباستقلالية القضاء، وبحرية العبادة وبالحق في السكن والعمل، وفي حقهم بأن يحلموا بجزائر جديدة من دون الوجوه المكروهة المتحنطة فوق كراسي الحكم إلى حد يبعث في النفوس التقزز وأحيانا الثورة. توافينا الذكرى والمؤامرة على هُوية الأُمة ومرجعياتها على أشدها، فاللغة العربية لسان الشعب تُحارب بشراسة، ويحال بينها وبين دورها في التعبير عن ثقافة الأمّة وكينونتها، لصالح لغة مستعمر الأمس وثقافته. والهجمة على القيم الدينية والأخلاقية غدت عادة القوم التُبع الماسكين بزمام الإعلام والثقافة في البلاد الذين لم يفلحوا في غير ثقافة هز الأرداف.
توافينا الذكرى ومازال بعض أبناء الجزائر يؤمن بجهاد ضد أخيه في الوطن والدين ويصر على سفك دمه، ومساحة الحقد والكره بين أبناء البلاد يبقى لهيبها يلفح القلوب المُكلمة بحب الجزائر، والخوف على حاضرها ومستقبلها، في مقابل زمرة من الفاسدين والمفسدين الذين ينفخون في رماد الفتنة كلما بدأت تخمد نيرانها، ويدقون في إسفين الخلاف كلما لاحت بوادر صلح، حتى تستمر أيامهم السوداء المظلمة، وتزدهر تجارتهم النتنة المعتمة. توافينا الذكرى وعهد الشّهداء بالوقوف مع الحق ونصرة الشعوب المضطهدة وعلى رأسها فلسطين يُبستر إلى مجرد تضامن وتعاطف مع القضية، والشجب والتنديد يغدو هو الصوت الأعلى في الردعلى الجرائم الصهيونية، في مقابل مماحكات ومشاحنات حدودية تخصص لها من الجهود والأموال ما يٌعجز عن الإحصاء.
توافينا الذكرى والتأمر على وحدة تراب البلاد وشعبها يطل بقرونه في جنوب البلاد وشمالها، فبعد تقسيم السودان غدت الجزائر أكبر دولة عربية وإفريقية مساحة، وأصبح الدور عليها مكشوفا، وخفافيش الموساد أمسى وجودها واضحا وراء الحدود الجنوبية للجزائر، حيث يديها على مناجم اليورانيوم بالنيجر، وعينيها على قبائل الطوارق، وخيوط أحابيلها وصلت منطقة القبائل بشمال البلاد عبر من يُسّمون أنفسهم بأنصار الحكم الذاتي.
توافينا الذكرى بين أمال عِراض فتحها ربيع الثورات العربية نحو عصر جديد للشعوب العربية قوامه الحرية والعدالة والتنمية، وبين مؤامرات لصرفها عن مسارها وتحويلها إلى صورة أخرى من الارتهان لمصالح ومخططات أعداء الأمس واليوم والغد.
بعد كل ما أوضحنا من صور المشهد الضبابي الذي تعيشه البلاد، والأفق المُعتم الذي يغطي سمائها، ألا يحق لنا أن نتساءل: الجزائر إلى أين؟ ‘ كاتب وباحث جزائري