لندن – “القدس العربي”:
قالت مجلة “إيكونوميست” في افتتاحيتها إن الخطر على إسرائيل في الذكرى 75 على نشوئها بات من الداخل، وإن البلد يحتاج إلى تسوية سياسية تقلص من قوة المتطرفين.
وتقول إن البلد نجح في النجاة رغم الأضداد حيث قال جنرالاته إن نسبة نجاحه هي 50- 50، لكن إسرائيل ثرية فوق التصور وآمنة أكثر مما كانت في تاريخها وديمقراطية، لو استبعدت المناطق المحتلة. واستطاعت التغلب على الحروب والجفاف والجوع. وهي بلد خارج عن الشرق الأوسط واستفاد من العولمة وأصبح مركز الاختراع. ولكن، كما شرحنا، تواجه إسرائيل مجموعة من الفرص والتهديدات في العقود المقبلة.
ويمكنك الحصول على رؤية حول الاضطرابات في الأسابيع الماضية، أزمة دستورية حول استقلالية القضاء والتي تسببت بها حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة وفراغ في السلطة في الضفة الغربية الراكدة وتم تمزيق النظام الذي قادته أمريكا في المنطقة من خلال التقارب السعودي- الإيراني برعاية صينية. ففي القرن العشرين، هدد الغزو الخارجي فرص نجاة إسرائيل. وفي القرن الحادي والعشرين أصبح التهديد داخليا، وبات الانقسام يمزقها ويحرمها من الرشاقة التي تحتاجها.
ومن السهل التعامل مع إنجازات إسرائيل على أنها أمر واقع. وبعد عام 1948 بنت إسرائيل نظاما ليبراليا، ديمقراطية بمحاكم مستقلة، رغم عدم وجود دستور مستقل. وبعد محاولة للتغازل مع الاشتراكية عادت إلى السوق الحر.
في عام 1980، كان معدل دخل الفرد نصف دخل الفرد في ألمانيا. والآن هو أعلى من 12%. وإسرائيل هي أغنى 11 مرة من مصر. وإسرائيل أكثر دولة من ناحية الشركات التكنولوجية الناشئة من كل الشرق الأوسط وفيها حائزون على جائزة نوبل أكثر من الصين. واستطاعت المرور عبر التحولات الجيوسياسية بذكاء.
بعد نهاية الحرب الباردة استوعبت إسرائيل مليون مهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق وحافظت على علاقات خاصة مع أمريكا
وبعد نهاية الحرب الباردة استوعبت مليون مهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق وحافظت على علاقات خاصة مع أمريكا. ومثل الأماكن الناجحة، فقد تبنت المنافسة والقدرة على التغيير والوحدة عندما تكون الرهانات عالية. وكان تميزها العسكري على جيرانها العرب الكثر تعبيرا عن تفوقها التكنولوجي، وجيشها لديه حوالي 400.000 من جنود الاحتياط. ومع التغيرات المناخية فقد أدت إلى زيادة معدلات الجفاف، وخلقت إدارة تديرها الدولة من أجل توفير المياه المحلاة.
وفي أيامها السود، من يوم كيبور عام 1973، واجتياح عام 1982 واغتيال يتسحاق رابين عام 1995 وكل محاولات السلام الفاشلة مع الفلسطينيين، استطاعت التكيف والعثور على تعايش اجتماعي وسياسي. وترى المجلة أن براعة إسرائيل وصمودها تعرضا للامتحان من خلال ثلاثة اتجاهات، أولا، الديمغرافيا، فالبلد شاب وسكانه قد يرتفع عددهم من 10 ملايين اليوم إلى 20 مليونا بحلول 2065.
ويعتمد نتنياهو على الأحزاب الدينية المتطرفة المتماهية مع حركة الاستيطان، وتريد أن تحد من استقلالية المحاكم التي تراها غير ممثلة. وفي الوقت نفسه، فنسبة المواطنين الذين ينتمون للأحزاب المتطرفة لن يعملوا على الأرجح أو يخدموا في الجيش أو يدرسوا في المدارس الحكومية، (ستزيد من 13% الآن إلى 32% بحلول 2065). وهذا سيشرذم الانتخابات ويميل السياسات نحو اليمين المتطرف، مما سيزيد الضغوط على الطابع الليبرالي- الديمقراطي. ولو استمرت الموجة بهذه الوجهة فإنها ستؤثر على الازدهار وربما انتقل رأس المال والإبداع إلى أماكن أخرى.
أما الاتجاه الثاني، فهو تراجع بروز الموضوع الفلسطيني، فثلاثة ملايين يعيشون في الضفة الغربية ومليونان في غزة، ففي القرن العشرين، حاول رؤساء أمريكا التوصل لصفقات سلام، ولكن العالم تخلى عن هذا وتحرك للأمام، وربما كان هذا بمثابة نعمة لإسرائيل، فمن غير المرجح أن تجبرها القوى الخارجية على تقديم تنازلات في الأراضي أو المستوطنات، حتى بعد توقيع اتفاقيات إبراهيم عام 2020.
ولكن على المدى البعيد، فمن الصعب رؤية كيف سيكون تجاهل الفلسطينيين جيدا لإسرائيل. فالفجوة الاقتصادية زادت بشكل كبير، ودخل الفرد في الضفة الغربية هو 94% أقل من دخل الفرد في إسرائيل وبابو نيو غينيا. والسلطة الوطنية في حالة انهيار، وقادتها الذين أصابتهم الشيخوخة علقوا الانتخابات وفقدوا الشرعية. وقبل المتشددون في إسرائيل على مضض المنافع الاقتصادية المتبادلة، حتى مع مواصلتهم حرمان الفلسطينيين من الحقوق السياسية. والآن يريد المتطرفون الصاعدون في إسرائيل عزل الفلسطينيين بالضفة الغربية.
وربما انتهت غزة إلى منطقة فاشلة بدون وضعية الدولة، بشكل يؤثر على أمن إسرائيل وموقفها الأخلاقي. أما التحول الأخير، فهو ظهور العالم المتعدد الأقطاب. وكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل عام 1948، وظلت حليفا قويا. وقوة عالمية موزعة بتوازن ستكون فرصة لإسرائيل، بما في ذلك صلات مع الجيران العرب ومع الصين والهند التي لا تهتم إلا قليلا بالفلسطينيين. ولدى إسرائيل علاقات تجارية مع آسيا أكثر من أمريكا. والنقطة هنا هي أن أمريكا لا تزال توفر 66% من احتياجات إسرائيل العسكرية وتقدم لها ضمانات أمنية من الهجمات بما فيها إيران. ومع زيادة الميول غير الليبرالية تحول دعم الأمريكيين لإسرائيل إلى موازنة حزبية، ويقول واحد من كل أربعة أمريكيين إن إسرائيل هي دولة تمييز عنصري.
“علينا النظر عميقا”
وفي مقال كتبه بنفس المجلة أفي شلايم الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية بجامعة أكسفورد قال إن الإسرائيليين يقتربون من الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس دولتهم بمزاج حزين وكئيب. فالمجتمع الإسرائيلي منقسم بشدة والبلاد في خضم أزمة دستورية ولا يوجد إجماع حول كيفية الاحتفال بهذا الحدث الهام.
فمن ناحية، يمكن لإسرائيل أن تتباهى ببعض النجاحات الملحوظة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والثقافية. وقد حققت الصهيونية نجاحا باهرا في هدفها المركزي المتمثل في توفير ملاذ لليهود المشتتين، وغرس الإحساس بالأمة وتشكيل دولة قومية حديثة. إلا أن النجاح كما يقول كان له ثمن، ثمن اضطر الشعب الفلسطيني إلى دفعه. كان عام 1948 عام انتصار ونكبة، انتصار إسرائيلي ونكبة فلسطينية. ما يسميه الإسرائيليون “حرب الاستقلال” يعرف بالعربية بالنكبة: فقد أصبح حوالي 750.000 فلسطيني، أي أكثر من نصف السكان العرب في البلاد، لاجئين وتم محو اسم فلسطين من الخريطة. وبعد مرور خمسة وسبعين عاما، لا تزال مشكلة اللاجئين بغير حل ولا يزال الشعب الفلسطيني محروما من الحرية والاستقلال وإقامة الدولة.
الحركة الصهيونية كانت قبل تأسيس إسرائيل حركة استيطانية استعمارية معلنة
ويعلق الكاتب أن الحركة الصهيونية كانت قبل تأسيس إسرائيل حركة استيطانية استعمارية معلنة. كان هدفها النهائي هو بناء دولة يهودية مستقلة على أكبر مساحة ممكنة من أراضي فلسطين، مع أقل عدد ممكن من العرب داخل حدودها. وقد تحدث القادة الصهاينة عن تطوير البلاد لصالح الشعبين اللذين يعيشان هناك، لكن هذا كان خطابا فارغا إلى حد كبير. كان الواقع بمثابة حملة لا هوادة فيها للحصول على المزيد والمزيد من الأراضي، وجهودا منهجية للسيطرة على البلاد. وبما أن الصهيونية هي في الأساس حركة استيطانية استعمارية، فكذلك نسلها السياسي، دولة إسرائيل.
المنطق المسيطر للاستعمار الاستيطاني هو إخضاع وطرد السكان الأصليين. وجادل نعوم تشومسكي، المفكر اليهودي الأمريكي البارز، بأن الاستعمار الاستيطاني هو الشكل الأكثر سادية للإمبريالية. في فلسطين، لم يكن القادة الصهاينة ساديين، لكنهم كانوا عنيفين في السعي وراء هدفهم. وأشار إلى استغلال الصهيونية في عام 1948 الرفض العربي لخطة الأمم المتحدة للتقسيم لتوسيع أراضي دولتهم الناشئة إلى ما وراء الحدود التي رسمها رسامو الخرائط التابعون للأمم المتحدة، وتنفيذ تطهير عرقي على نطاق واسع في فلسطين.
بعد الحرب، كان كل التركيز على الهجرة، أو “تجمع المنفيين”. بقيت الأقلية العربية داخل إسرائيل تحت الحكم العسكري حتى عام 1966. خلال هذه الفترة، كان الطابع الاستيطاني للدولة الجديدة غامضا، لكنه لم يتغير جوهريا. لقد احتاج الأمر إلى حرب حزيران / يونيو 1967 كي يعاد فتح مسألة الأهداف والمطالبات الإقليمية للصهيونية وإعادة النظر إلى الجوهر الاستعماري للمشروع. كما أن تضاعف الأراضي الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية ثلاث مرات أعاد إحياء المعضلة التي واجهتها الحركة الصهيونية منذ أيامها الأولى: أرض تطلعاتها كان يسكنها بالفعل شعب آخر، بما أن رئيس الوزراء آنذاك ليفي إشكول لم يتعب أبدا من تذكير زملائه في حزب العمل: “أنت تحب المهر، لكنك لا تحب العروس”. وغالبا ما ينسى أنه لم يكن حزب الليكود اليميني، بل حكومة بقيادة حزب العمل هي التي بدأت استعمار الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة بعد عام 1967. وما إن صمتت المدافع حتى بدأت في بناء مستوطنات مدنية على الأراضي الفلسطينية المحتلة – بما يتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة. وغذى تقارب القومية العلمانية والمسيانية الدينية في أعقاب النصر نمو الحركة الاستيطانية. بعد عشر سنوات، ساعدت أيضا في وصول الليكود إلى السلطة بقيادة مناحيم بيغن.
ينظر الليكود إلى يهودا والسامرة، الأسماء التوراتية للضفة الغربية، كجزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل. شهد حكم الليكود زيادة هائلة في الموارد المخصصة للمستوطنات. سمحت الحكومات العمالية بالاستيطان في المناطق التي كانت تعتزم الاحتفاظ بها بشكل دائم بعد تسوية تفاوضية للنزاع. شجعت حكومات الليكود بناء المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية لضمان عدم التنازل عن أي جزء منها في حالة عودة حزب العمل إلى السلطة.
وتسبب الاحتلال بمعاناة رهيبة للشعب المحتل: مصادرة الأراضي، وتقييد الحركة، والسجن دون محاكمة، والتعذيب، و”الاغتيالات المستهدفة” للقادة، والقتل العشوائي للمدنيين، وهدم المنازل. لكن الاحتلال كان له أيضا عواقب بعيدة المدى على المحتل، وعلى الأخص من خلال تقويض أسس الديمقراطية الإسرائيلية.
ليس من المبالغة القول بأن الاحتلال حول إسرائيل إلى دولة بوليسية قمعية. كان لهذا تداعيات على جميع مستويات المجتمع الإسرائيلي. استمر عدد المستوطنين في الازدياد (يقدر الآن بنحو 700000، أو ما يقرب من 10% من السكان اليهود في إسرائيل). ازدادت القوة السياسية للوبي المستوطنين باطراد. أصابت الثقافة السياسية للمستوطنين بقية الجسم السياسي الإسرائيلي بالتعصب والتعصب الديني وكراهية الأجانب والإسلاموفوبيا.
تعكس الحكومة الائتلافية الحالية بقيادة الليكود ورئاسة بنيامين نتنياهو، التحول البطيء ولكن الثابت إلى يمين المجتمع الإسرائيلي على مدى نصف القرن الماضي. إنها أكثر الحكومات يمينية واستبدادية وعنصرية في تاريخ إسرائيل. إنه يمثل الوجه القبيح للاستعمار الاستيطاني. نتنياهو، الذي يحاكم بتهم فساد خطيرة (وهو ما ينفيه)، يجسد بعض أكثر جوانب الصهيونية سلبية دون أي من جوانبها المشرقة. ومن بين وزرائه مستوطنون وسياسيون متعصبون لليهود مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين منحهم نتنياهو سلطات واسعة للإشراف على قوات الاحتلال في الضفة الغربية.
كانت إسرائيل تتباهى بكونها جزيرة الديمقراطية في بحر من الاستبداد. اليوم، تعرض بشكل متزايد بعض السمات السلبية للمنطقة التي لم ترغب أبدا في الاندماج فيها.
وسواء كانت إسرائيل قبل عام 1967 ديمقراطية مناسبة أم لا فهو أمر قابل للنقاش. لقد عرفت نفسها على أنها ديمقراطية يهودية، وهو تناقض لفظي: الدولة اليهودية عنصرية بطبيعتها. الديمقراطية لجميع مواطنيها. ومع ذلك، كان للعرب حق التصويت وكان للبلد القواعد والإجراءات التي أوفت بالمتطلبات الأساسية للديمقراطية.
ولا يمكن قول الشيء نفسه عن المشروع الاستعماري الصهيوني وراء حدود 1967 المعروف بالخط الأخضر. العلاقة هنا بين المحتل والمحتل، هي علاقة المستعمر بالشعب المقهور. أفضل وصف لهذا الوضع هو أنه نظام إثنوقراطي، وهو نظام سياسي تهيمن فيه مجموعة عرقية على أخرى. ومع ذلك، هناك كلمة أكثر خطورة لها: الفصل العنصري.
ويقول شلايم “لقد عايشت تحولات المجتمع الإسرائيلي خلال نصف القرن الماضي على المستوى الشخصي. في منتصف الستينيات خدمت بإخلاص وفخر في الجيش الإسرائيلي لأنني شعرت في ذلك الوقت أن الجيش الإسرائيلي كان مخلصا لاسمه: إنه جيش الدفاع الإسرائيلي. بعد حرب 1967، تغير طابعه تدريجيا. أصبح قوة الشرطة القمعية لقوة استعمارية وحشية. لذلك، أنا شخصيا لا أعتبر عيد ميلاد إسرائيل الخامس والسبعين سببا للاحتفال بل مناسبة للتفكير الناقد والبحث عن الذات”.