بعض المعارضين انقلب جلاداً لا يقلُّ عن سابقيه!

حجم الخط
0

بعض المعارضين انقلب جلاداً لا يقلُّ عن سابقيه!

الشاعر العراقي عدنان الصائغ في حديث عما حدث في المربد:بعض المعارضين انقلب جلاداً لا يقلُّ عن سابقيه!الجزائر ـ القدس العربي ـ من نوارة لحرش: حين وصلتني رسالة معنونة بـ خبر عاجل من الشاعر العراقي عدنان الصائغ كنت أعتقد أنّ هذا الخبر يحوي حوارا جديدا معه أو مقالة كتبت عنه وعن بعض نتاجه الشعري، لكن بعد أن بدأت في قراءة فحوي الرسالة عرفت أن الشاعر مهدد بقطع لسانه، بسبب قصيدة نصوص مشاكسة قليلا كان ألقاها في مهرجان المربد الشعري. لحظتها صدمت حقا وفوجئت واستنكرت، وقلت لماذا يحدث هذا للشاعر في وطننا العربي؟ الشاعر الذي لسانه لا يجيد إلا ذرف المواويل والعصافير والأناشيد والحنين يهدد بالقطع؟ أي حمق هذا وأي غباء وأي ظلامية هذه؟ الشاعر توأم الخير والمحبة والنور كيف يهدد بالقتل، إنها معادلة اللامنطق واللاعقلنة في جغرافية الشعرية العربية… وبغض النظر عن رأيي الشخصي في نصه الذي كان وراء هذا التهديد فأنا في حواري هذا أريد أن أقول بأن التهديد غير منطقي وغير حضاري، وأنه لا أجمل ولا أرقي من لغة التحاور والتواصل.في هذا الحوار حاولنا أن نستقريء نفسية الشاعر بعد تلقيه التهديد وطرحنا بعض الإشكالات علي طاولة الحوار كالديمقراطية والتصفية المعنوية والجسدية التي كثيرا ما تكون من نصيب الشاعر العربي. لنبدأ أولا بحادثة تهديدك بالقتل وقطع لسانك كيف تلقيت التهديد وماذا خلف في نفسيتك تحديدا؟.. هل يمكن أن تحكي تفاصيل الحادثة للقاريء العربي؟ في زيارتي للوطن، كنت أسير بهدي القصيدة، غير مبالٍ للسيارات المفخخة أو لسكين ظلامي. ذلك إن قدر القصيدة عندي، أقوي من قدر الموت نفسه.. هكذا خرجتُ من الحرب سهواً عام 1993، وهكذا نجوتُ هذا العام 2006، من مليشيات الموت، بأعجوبة..لم أفكر وأنا أنزل من منصة مهرجان المربد ، الذي كنتُ ضيفاً عليه، وسط تصفيق لم أشهده في حياتي.. لم أكن أفكر أن ثمة سكيناً أعمي يتربص بي، مهدداً إياي بقص لساني، لأني تلوتُ بصدق وألم، أوجاع الوطن والمنفي وعذابات الروح.تقدم مني القاتل الظلامي بوقاحة وصلف، ليبلغني برسالة الموت، لأنني ـ حسب قوله وغبائه ـ تهجمتُ علي الدين والخلفاء الأربعة.. أصابتني حالة من الذهول والبرود معاً. لم أكن أعرف ماذا أفعل وكيف أتصرف، أنا الأعزل، وسط غابة من البنادق..نعم، فاجأتني كلمات التهديد، التي لم أكن أحسب لها حساباً، وبينما انخبص الأصدقاء الشعراء وتراكض البعض، كنتُ غارقاً في حالة غريبة من برود مميت وصمت وهدوء عجيبين.. كأنني أستعيد قصيدة مايكوفسكي ليلي التي يقول فيها: انظري إليَّ كم أنا هاديء، هاديء كنبض رجل ميت .تركتُ للأصدقاء الرائعين أن يأخذوني إلي مكان آمن ريثما ينجلي ظلام أرعب وأغرب ليلة أعيشها في حياتي.. لم يستطع مضيفي الكريم ولا صديقي الشاعر البصراوي النبيل الذي قاسمني تلك الليلة أن ينتزعاني من برودي وصمتي وذهولي.. لم أكن خائفاً بقدر ما كنتُ مذهولاً، أنا الذي خبرتُ الموتَ وعرفته عن قرب في سنوات الحرب الطويلة، التي عشتها جندياً طيلة 13 عاماً، مثلما خبرني عام 1993 في بغداد بعد أحداث مسرحيتي الذي ظل في هذيانه يقظاً ، وهروبي من الوطن..أقول فاجأني تهديده القاتـل بقطع لساني وقتلي، لأنني كنتُ مأخوذاً ومنتشياً في حضرة الشعر والشعراء وتصفيق الجمهور، ولم أكن أعرف أن شبح الموت يتربصني علي بعد خطوات.. كل ما حسبتُ له وأنا أتلو هذه النصوص المشاكسة أن تُحذف أو يحذف بعضها من الصحف والقنوات الفضائية الملثمة بالدين.. لكن أن يحذفني هذا الظلامي جملة وتفصيلاً، هكذا ببساطة مميتة، فقد صدمني وشلّني هذا الأمر لا لشيء إلا لأنني لم أكن مستعداً له.. فثمة عمل طويل لي سميته نرد النص لم أكمله بعد.. وثمة أشياء كثيرة لم أنجزها بعد، ورسائل لم أجب عليها بعد، وكتب ومدن وشواطيء لم أرها بعد.. ماذا تقول للمليشيات الظلامية هذه؟ أقول لهم ما قلته في نصوصي تلك: يالـ… الناطقُ باسم الله !!لا ترهبْنيربي، لم يحتجْ سيفَكَ كي تقنعَنيہہلم ترَ ربَكَ إلا بالنصلِ وبالدمْوأنا أبصرهُ… في الكلْمةِ، في النغمةِفي زرقةِ عينيها، واليمْآياتٌ نسختْ آياتْوتريدُ لرأسِكَ أن يبقيجلموداً لا يتغيرُ والسنواتْيا هذا الفانْولتنظرْ كيف تحاورََ ربُّكَ والشيطانْأكثيرٌ أن تتعلمَ كيف تحاورُ انسانْ وأقول لهم أيضاً كما قال الشاعر الفرنسي لويس أراغون يســتطيعون أن ينزعوا عني الحيــاة، لكن لـن يطـفئوا غنـائي ….. لماذا الشاعر العربي عرضة دوماً للتهديد والمساومة؟ الحاكم العربي يريد للشعر وظيفة واحدة هي أن يصبح بوقاً. أو ـ علي أقل تقدير ـ أن تتقلم أظافره ويكف عن التطلع والتحدي والتحريض..وعندما يجد هذا الحاكم أو زبانيته أن بعضاً من الشعر، بعضاً من الشعراء عصيّون علي الترويض والتدجين، فانه يعمد إلي لغة الترغيب والترهيب، في شراء صوت الشاعر أو إسكاته، وعندما يعجز عن ذلك يلجأ في الأخير إلي وسيلته الوحيدة، وهي التصفية والفتك. ما حدث لك مؤخراً يؤكد مجدداً أنّ نصوصنا بإمكانها قتلنا بطريقة أو بأخري وبأنّ الكاتب المشاغب هو دوما مشروع اغتيال؟ آمنت منذ بدء رحلتي مع القصيدة أن النص المغاير، شكلاً أو مضموناً، يثير دائماً سلفيّ الأفكار والقوالب، فيكون المبدع عرضةً لشتائمهم ولسهامهم ونصالهم..المغايرة والتجاوز في الشكل الفني، يثير ويهيج مخاوف التقليديين، فيسعون جاهدين لخنق صوته، بكل وسائلهم المتاحة، أو تشويه صورته أو إثارة الغبار والضجيج حوله لكي لا يراه أو يسمعه الآخرون..وهذا الأمر ـ رغم فداحته ـ لا يصل إلي رقبة المبدع.لكن المغايرة والتجاوز في المضامين الفكرية والسياسية والدينية، قد تصل بهؤلاء السدنة إلي تصفية المبدع أو قطع لسانه (كما هددني ذلك الظلامي)، لأنه يهدد وجودهم ومكاسبهم.وهذا الأمر ليس جديداً أو طارئاً أبداً. إنه ابتدأ منذ ابتدأ الصراع البشري بين الخير والشر، بين الظلمة والنور، بين الجمال والقبح، بين التغيير والجمود، بين العبودية والحرية، بين الحداثة والسلفية.. واسترجعي معي تاريخ الفكر والحرية والإبداع، تجدين العجب والأهوال. ألا تري معي بأن هناك مفاهيم مغلوطة لدي الكثير من الفئات التي تدعي وعيا ديمقراطيا وحضاريا؟ فهم الديمقراطية وممارستها غير التشدق بها كشعار أو لبسها كإكسسوارات، كما نجد عند البعض (أقول: بعضاً ولا أعمم) ممن كانوا أحزاباً معارضة. لكن ما أن تربع أحدهم علي الكرسي واستلم شيئاً من الحكم، حتي انقلب إلي جلاد آخر لا يقل عمن سبقه، ضراوة ووحشية في تصفية معارضيه، لأقل كلمة أو نأمة..هذا السلوك ـ ومهما تلبس من لبوس ـ لا يمت لهذه المفاهيم السامية التي ناضلت البشرية من أجلها، علي امتداد تاريخها، ودفعت الكثير من أجلها.المفاهيم المخطوءة تؤدي حتماً إلي نتائج مغلوطة أو معطوبة، وهذا العصر، وهذه الأوطان، أوطاننا المسلوبة لم تعد تحتمل المزيد من التشويهات والجرائم التي ترتكب باسم الديمقراطية أو باسم الدين أو باسم الثقافة أو بأي مسمي بشري أو سماوي… يكفي.. لقد ضللوا الشعوب طويلاً، ولن يستمر هذا التيه طويلاً. الديمقراطية التي تريد أمريكا زرعها في الخارطة العربية أو في الذهنية العربية ألا تري معي بأنها ديمقراطية سفاحة بالدرجة الأولي؟ كما قلت في جوابي السابق. المسألة لا تتعلق بفكرة الديمقراطية والحرية التي لا أسمي منهما في الوجود. المسألة تتعلق بفهمها الصحيح وطرق إنتاجها واستخدامها والوسائل.. وهي لا تُحمل بكارتونات، أو تُستورد، أو تُفرض فرضاً، بالاحتلال أو بالانقلاب العسكري. إنها حاجة إنسانية وجودية ملحة لا غبار عليها، دفع شعبي الكثير والكثير لكي ينالها.لقد عاني وطني طويلاً من نير الدكتاتورية البغيضة، وكان علي مدي عقود طويلة، يتطلع إلي الحرية والسلام والأمان والبناء. وبعد زوال الطاغية اشرأب بعنقه النحيل قليلاً، لكنهم لم يمهلوه كثيراً فسرعان ما أمسكت بخناقه قبضاتهم الغليظة والبغيضة. فسيطرت عليه قوانين الاحتلال، والمليشيات المسلحة، ومخابرات دول الجوار، وبقايا النظام السابق، والظلاميون، والطامعون، والجهلة، والعمائم بكل أطيافها، والسلفية بكل أطرافها. هكذا يا سيدتي وجدنا أنفسنا في نفق آخر من ظلام طويل، لا ندري متي نخرج منه!!؟…..لكن إيماني وقراءتي لتاريخ بلدي والعالم يجعلني أري ان ثمة ضوءاً في هذا النفق، وان ثمة عشباً في عيون الناس وأرواحهم لن يذبل أبداً… إن بلدي كطائر العنقاء يحترق ويولد من رماده… نعم.. لا بد لهذا الرماد الذي يغطي المشهد الآن أن ينجلي يوماً ما عن طائر العراق الجميل، ليحلق عالياً تحت شمس الحرية الحقيقية.. تم انسحاب عدد كبير من الشعراء الذين حضروا فعاليات المربد من قاعة المهرجان احتجاجا علي كلمة مسؤول في وزارة الثقافة العراقية والتي قال فيها : تم تخصيص رواتب للشعراء .هل كنتم تشعرون بإهانة النظام لكم من خلال هذا التصريح؟ ليس هذا فقط، بل قال هذا المسؤول كلاماً مجاً، مخاطباً الأدباء: إن الكثيرين منكم عندما يري الدنانير سوف تتغير كتاباته. وهنا نهض الأدباء ـ وكنتُ بينهم ـ بشجاعة واستنكار، وطالبوه بالاعتذار، أو الخروج من القاعة، وإلا فانهم سيغادرون المهرجان. وعبثاً حاول البعض تخفيف الموقف، لكن الأدباء ظلوا علي إصرارهم وتجمهرهم وتضامنهم.. فصعد المسؤول واعتذر.هذا الحالة الإيجابية لا بد من ذكرها..حدث هذا في الصباح 16/4، في يوم أمسيتي المسائية، وقد شجعني هذا المشهد الرائع والموقف الصلب لأدباء العراق. وأحسست لأول مرة في حياتي أن هناك جواً حضارياً صحيحاً رغم مشهد الخراب العام. مشهداً ديمقراطياً واعياً لا يختلف إلا ببعض التفاصيل عما أراه في السويد أو بريطانيا، وهو ما نفتقده ـ للأسف ـ في الكثير من أوطاننا العربية مثلما افتقدناه في بلدنا طويلاً…وكان موقفهم الثاني الرائع والشجاع في الوقوف معي وحمايتي بعد تعرضي للتهديد. بل ان بعضهم أصر علي المبيت معي، تلك الليلة، ولم تنقطع عني ـ لليوم ـ اتصالاتهم وايميلاتهم وكتاباتهم. القصيدة التي ألقيتها في المهرجان اعتبرت تهجماً علي الوضع، بعمقه السياسي والثقافي. فماذا تقول؟ القصيدة أو مقاطع منها، أرادت أن تلقي ضوءاً كاشفاً علي مسألة تاريخية، أخرجها المتصارعون المتعصبون من بطون التاريخ وفرشوها علي أرض الواقع، وراحوا يذبحون بعضهم بعضاً ويذبحوننا باسمها، ثأراً لها أو تصحيحاً لمسارها كما يتوهمون.كنت أري أن من واجبي كشاعر أن أُعري هذا التاريخ المتورم بالتباساته العويصة وأحقاده المتوارثة. وأكشف زيف هذه السلطة الغيبية التي باسمها يحاول البعض أن يسلبنا حقوقنا وإنسانيتنا وتفكيرنا وصوتنا..هؤلاء لا يريدون ان يسمعوا نقداً، أو تنويعاً آخر علي أسطوانتهم المشروخة..والحق يقال ان الكثير من الأصوات الشعرية الجميلة كانت تنأي علي دوران في فلكهم.. لكنها لا تجابههم، أو تكتفي بالرمز.. وهذا أمر طبيعي ومن حقهم في غابة البنادق.. حفاظاً علي حيواتهم وعوائلهم نتيجة الأوضاع السيئة التي لا يأمن فيها الإنسان علي نفسه لأقل كلمة أو رأي أو اختلاف. وهذا ما حدث.ولو تصفحتِ تاريخ الدكتاتورية التي عانينا منها طيلة أكثر من 30 عاماً، تجدي أن ما حدث في المهرجان وما يحدث في الواقع العراقي هو إفراز لها وانعكاس علي الواقع والسلوك الذي لا يريدون أن يتخلصوا منه.. وأقصد هذه المليشيات وقادتها التي استبدلت ممدوحها من الجنرال إلي رجل الدين، ومن المسدس إلي المسبحة أو إليهما معاً.. ومن القائد الضرورة إلي الشيخ ـ المرجع الضرورة.. وهكذا دواليك.. كما قلت في بياني الذي نشرته العديد من الصحف والمواقع.. وأكدتُ فيه أن الرب الذي أعرفه وأحبه وأعبده غير الرب الذي يقتلون باسمه، ويفخخون باسمه، ويلطمون ويتطبرون باسمه.. ويسرقون الناس باسمه، ويتربعون علي المنابر والكراسي باسمه..إن مشهد الخراب، والمفخخات، والميلشيات، والعمائم، والاحتلال وعصابات النظام البائد، وتدخلات دول الجوار، أنتج منظومة اجتماعية وثقافية بائسة. ألقت بظلالها الكارثية علي هذا الشعب المبتلي.. وعلينا كمثقفين وأدباء وفنانين أن لا نسكت عن هذا أبداً.. هل من كلمة تريد قولها ولم أترك لك فرصة قولها؟ إن الواقعة التي حدثت، واقعة الاعتداء علي الكلمة في مهرجان شعري، هي جريمة سيطارد عارها من فعلها ومن ساندها ومن سكت عنها..سيلتصق بهم عار هذا الفعل إلي الأبد..وتظل الكلمة الحرة، نور الله الذي لا يحجبه حجاب، ولا يسكتها إرهاب..وأستذكر هنا صديقي الشاعر الشهيد علي الرماحي الذي اغتالته سلطة الجهل والدم، سلطة النظام البائد، نهاية السبعينات، لقصائده التي لم تكن تهادن أحداً.. إليه أهديت قصيدتي شاعر التي أقول فيها: في عصر الطغيانْكان الشعراءُ الخصيانْ ـ كالفئرانْ ـ ينكمشون بـجحرِ السلطانْويغنونبأمجادِ جلالتهِوبنعمتهِوتظلُّ حروفك ـ في كلِّ زمانٍ ومكانْ ـ تمشي….وعلي كتفيها الصلبانْ 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية