بعض دلالات انتخابات السابع من ايلول بالمغرب

حجم الخط
0

يحيي اليحياوي

اسدل الستار سريعا علي استحقاقات السابع من ايلول (سبتمبر) بالمغرب، وانكبت الاحزاب والطوائف والملل والنحل، فرادي وجماعات، علي قراءة مغازيها ودلالات نتائجها. فتضاربت بمعظمها، بين قراءة راهنت علي اكتساح واسع لم يدرك، وبين اخري تطلعت لصدارة لم تتحقق، وبين من دخل غمار المنافسة دونما مراهنة لا علي اكتساح، ولا علي تطلع لتبوؤ مركز الصدارة. الكل دخل غمار المنافسة رافعا لواء الربح، فاذا بالكل يخرج من الغمار اياه، دونما ان يلوي علي ما اراد، او مني به النفس والخاطر. والواقع انه لو كان لنا من تقييم اولي يذكر، علي هامش نتائج تشريعيات السابع من ايلول (سبتمبر) بالمغرب، لقلنا بان النتائج اياها انما خذلت الجميع، احزابا سياسية ونخبا ومتتبعين بالراي والاستطلاع، لدرجة استعصي معها عليهم الاستشراف، وتعذرت من بين ظهرانيهم سبل التحليل، بالجملة كما بالتفصيل:

ـ فنتائج ذوات التشريعيات افرزت خارطة سياسية مبلقنة ايما تكن البلقنة، لا يلوي فيها حزب، او تكتل علي اغلبية للحكم تذكر، اللهم الا تراتبية في توزيع المقاعد لا تاخذ من هذا الا بالقدر الذي تعطي لذاك، دونما ان تجعل من احد القوة السياسية اذا لم تكن الاولي بالمقاعد، فعلي الاقل بالخلفية الجماهيرية البانية لذلك.

ـ وهي (النتائج اقصد) اعادت استنبات نفس الوجوه و القيادات، لدرجة ان الزعامات التي حافظت علي تواجدها بقبة البرلمان، انما تاتي لها ذلك بفضل المرجعية القبلية او العرقية المعاضدة لها، او جراء غض السلطة للطرف عن سلوكها قبل عملية التصويت واثناءها، او نتيجة ضخ المال الحرام، الذي لولاه ما كان للعديد من النواب ان يكونوا نوابا للامة حقا وحقيقة.

ـ وهي، فضلا عن كل هذا وذاك، منحت رئيس الدولة هامشا في المناورة واسعا وشاسعا، يصنع بالبناء عليه الاغلبية التي يريد، ويختار بموجبه الوزير الاول الذي يرضاه او يرتضيه. فاذا عن له الابقاء علي التحالف الحكومي الحالي، ابقاه مع اختيار وزير اول من ذات الطيف او من خارجه، وان ارتأي تغيير الطاقم، فلا اكراه دستوريا لديه، ولا مانع سياسيا، ولا اشكال له، فوق كل ذلك، في تسويغ الاختيار، اختياره هو لا سواه.

هي كلها اذن، وبالمحصلة النهائية، قضايا تقنية خالصة، انا مستعد للقول بانها لا تضمر حمولة سياسية كبري، بالقياس الي عملية انتخابية لم تعمل الا علي اعادة انتاج واقع حال، يكاد يكون مطابقا لما افرزته انتخابات العام 2002، علي الرغم من تراجع مد هذا الحزب، او تقدم مد ذاك، نسبيا كما بالمطلق.

ولما كان الامر كذلك، فالنتائج بمجملها لم تحمل دلالات جوهرية في تركيبة الحقل السياسي المغربي، بقدر ما اتت كنتاج لعملية متحكم في اطوارها (ومتوافق حول ذات الاطوار)، منذ اعتمد قانون الاحزاب ومدونة الانتخابات، وتم الاتفاق علي حدود الدوائر ومبدأ التصويت باللائحة… لتمرر بمعظمها علي شكل مراسيم تنفيذية نافذة، لا قوانين اختمرت مضامينها بالنقاش، وعلي محك من الاخذ والرد.

وعلي هذا الاساس، قلنا في حينه واعدنا القول اكثر من مرة، بان انتخابات السابع من ايلول (سبتمبر) بالمغرب، انما كانت ولا تزال انتخابات بدون رهانات، او قل طاحونة بدون طحين، ليس فقط بالاحتكام الي مدخلات العملية برمتها، بل وايضا بالقياس الي ما افرزته من مخرجات… ناهيك عما راج خلالها من برامج، في جزء كبير منها مستنسخة علي شاكلة بعضها البعض، وفي الجزء الآخر منشورات فضفاضة، مدثرة بوعود مضخمة، غير مرقمة، وتدخل، في العديد من تفصيلاتها، في خانة المزايدات الحزبية الصرفة.

واذا كان ثمة من دروس اولية، ومن دلالات كبري يمكن للمرء استقاؤها من هذا الاستحقاق، بالنسبة للأمد القصير (كما علي الأمدين المتوسط والبعيد)، فانه بالامكان حصرها في ثلاثة امور جوهرية لا سبيل للتجاوز عليها، او غض البصر عن الرسائل العميقة المضمنة بها:

ـ الاول، ويكمن في نسبة المشاركة الباهتة التي ميزت الاستحقاق اياه، والتراجع الكبير في عدد من انتقلوا لصناديق الاقتراع، ليقترعوا فعليا، او ليشفروا تصويتهم بوضع اوراق دون علامات اختيار، او يضمنوها نعوتا نابية، واوصافا تعبر عن حالة احتجاج وغضب حقيقيين.

واذا كان الكل قد تذمر من ضعف ذات النسبة، وصنفها اما ضمن خانة العزوف السياسي، او عدم الاكتراث او اللامبالاة حتي، فان المفارقة حقا ان اعدادا ضخمة من المغاربة قبلوا علي التسجيل واعادة التسجيل افواجا، وسحبوا بطائقهم بكثافة قل نظيرها، جعل بعض مراكز الاستطلاع وبعض الجمعيات، يراهن علي نسبة مشاركة تتجاوز الـ70 بالمائة.

ليس ذلك بابا من ابواب العزوف السياسي، ولا ضربا من ضروب عدم الاكتراث او اللامبالاة: انها المقاطعة بشتي تلاوينها حتما، اي المقاطعة التي جعلت المغاربة يعتمدون اسلوبا عقابيا لانتخابات يتبوأ المرء بموجبها مقعدا ببرلمان لا صلاحيات له تذكر، ولا قدرة لديه في انتداب اعضاء التنفيذي، او محاسبتهم، او اسقاطهم ان هم قصروا، او تهاونوا، او تخلفوا عن وظيفتهم في المراقبة والتشريع. هي رسالة سياسية قطعا، لا مجال لاعمال الاجتهاد في تفسيرها او تأويلها، او لي عنقها لخدمة هذا التبرير او ذاك.

ـ اما الدلالة الثانية فتكمن، بامتداد لما سبق، في ازمة الثقة المتفاقمة اذا لم يكن بين الشعب والاحزاب السياسية، فبالتاكيد بين هذه الاخيرة وبين الكتلة الناخبة التي يتم الاغتراف منها عند كل استحقاق.

هي ازمة ثقة لا يستشعرها المواطن ويعبر عنها بالقياس الي عطاء احزاب باتت منفصمة عن معاشه اليومي المعتاد، بل ويستشعرها اكثر باستحضار واقع نخب سياسية، المقعد البرلماني لديها اضحي مدخلا لمغنمة مادية معتبرة، واداة حماية وتحصين نافذة، ووسيلة للتميز والتمايز بالمجتمع مؤكدة، والا فما السر خلف صرف الملايين للظفر بتزكية او الفوز بمقعد، حتي وان تطلب منها ذلك الوقوف مع الكل ضد الكل؟

ليس دقيقا هنا القول بخلط ما، بذهن الناخب المغربي، بين استحقاقات تشرع وتصدر القوانين العامة كانتخابات السابع من ايلول (سبتمبر)، وبين استحقاقات اخري (بلدية او جهوية او غيرها) تهتم حصريا بالابعاد الاجتماعية والخدماتية اليومية والمباشرة للمواطن.

القول بذلك هو قول مجانب للصواب حقا، لان الذي قوطع وعوقب هو البرلمان الذي افرز حكومة لم تهتم بمعاش المواطن، ولا بقضاياه ولا استحضرت يوما تظلماته وتطلعاته. البرلمان هنا لم يؤخذ بجريرته هو، بقدر ما اخذ بجريرة حكومة هو خلفيتها وافرازها، هو عضدها السياسي، بالطبيعة كما بالتركيبة.

وهو مجانب للصواب ايضا، اذ البرلمان، اي برلمان، هو الذي يعتمد السياسات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد (وان شكلا بالتبني)، فيكون من شان ذلك التضييق علي معاش المواطن، او رهن حاضره ومستقبله، او محاصرة المرافق التي تضمن قوته، وتسهر علي تمدرس اولاده او تطبيب اهله وذويه، وهكذا.

كيف القول اذن بلاتطابقية العمل التشريعي بالعمل اليومي عن قرب، والا فما الفائدة اصلا وبالمحصلة، من مؤسسـة يصرف عليها بالملايير من المال العام، لكي لا تلتئم الا مناســـباتيا بغرض مناقشة مشروع قانون او اجـــازة آخر… ولا يحكمها نصـــاب، او تخضع لحساب؟

ـ اما الدلالة الثالثة فمفادها ان الاحزاب، كل الاحزاب، ارتكنت حالما اعلنت النتائج، بانتظار ما سيقرره الملك، بعدما تتسني له استشارة قادة ذات الاحزاب، و التداول معهم في القادم من تطورات، واقواها علي الاطلاق اختيار الوزير الاول.

ليس المحك هنا ما يرشحه هذا الحزب او ذاك، او ما يتنبأ به هذا المصدر المطلع او ذاك. المحك هنا يقاس بالاحتكام الي اختيار الملك، وتعيينه للاغلبية التي من المفروض ان تجاري اختياره هذا، دونما تلكؤ او تردد، او ممانعة وتمنع.

ليس ثمة من منهجية ديموقراطية يعتد بها في الاختيار، اختيار الملك. الاختيار هنا متأت ومملي من وحي حسابات وترتيبات يدركها المتبارون بالانتخاب دون شك، لكن لا دراية لهم بدقائقها وتفاصيلها (ولربما بدسائسها)، والخلفية التي اسست لها الخيط الناظم، والفلسفة البانية. وعلي الرغم من وعد الملك والتزامه القاطع بعزمه علي تعيين شخصية من الاغلبية البرلمانية، اعمالا من لدنه لمبدأ ديموقراطي بديهي، فان ذلك لا يجبره الا من الناحية الاخلاقية الصرفة، علي ان الدستور يعطيه الصلاحية السياسية لتعيين كائن من كان، من هذا الحزب كما من ذاك، او دونما البحث عن مرشح من داخل الاحزاب حتي.

مرة اخري، نتساءل: ما دلالة كل ما جري منذ السابع من ايلول (سبتمبر)، ولا يزال يجري لحد كتابة هذه السطور؟

دلالته الكبري ان المغاربة لم تعد لهم ادني ثقة في احزاب مرتهلة، متشظية، منفصمة عن الواقع المعاش، مزايدة علي بعضها البعض وعلي الشعب، متجاوزة بحركية اجتماعية تعدتها، وانتفضت عليها. المغاربة، بمقاطعتهم لانتخابات السابع من ايلول (سبتمبر)، انما ارادوا اسقاط اقنعة الوهم علي احزاب تحولت الي دكاكين في بعضها، والي اقطاعيات متجبرة في بعضها الآخر… والا فما معني ذهابها لحد شتم المغاربة، واعتبارهم غير واعين بـ رهانات الانتقال الديموقراطي الجاري؟

ان مقاطعة المغاربة لاستحقاق السابع من ايلول (سبتمبر) هو دليل وعي سياسي حاد دون منازع، يعاقب بليونة، يتبرم عن المؤسسات الرسمية المتجاوزة بلطف، ويلمح الي ان القائم منها بحاجة اذا لم يكن الي ردات عميقة، فعلي الاقل الي اعادات حساب عميقة، قبل ان يجرفها الطوفان. موهم حتي النخاع اذن من يعتبر ان المغاربة عازفون عن السياسة، غير مكترثين بالشان العام، لا مبالين بما يحاك لهم… اقول صراحة، ما يحاك لهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية