نصر شمالي من أغرب ما يردده البعض اليوم، في معرض الإشادة بالانتفاضتين الثوريتين الشعبيتين التونسية والمصرية، القول بأن مفاجأة غير متوقعة حدثت، وبأن معجزة غير طبيعية وقعت، فكأنما الحدثان التاريخيان انبثقا من العدم، أي أن هناك من يقلل من أهمية الحدثين العظيمين، بينما هو يعتقد أنه يعظمهما، حين يقصرهما على دوافع وأسباب عرضية مادية سطحية آنية، وهناك من يستهين بالأمة العربية، بينما هو يعتقد أنه يمتدحها، حين يقول انها فاجأت نفسها قبل أن تفاجئ غيرها.. الخ.
على مدى العقود الطويلة الماضية كانت الأمة العربية، في معظمها وليس كلها، مخطوفة مسجونة لا منصرفة بإرادتها، ومكبلة مثبتة لا قاعدة برغبتها. لقد كانت مكممة لا صامتة، ومغيبة لا غائبة، إن قوى شريرة خارجية، يساعدها تحالف الخيانة والانتهازية والجهل من الداخل، نجحت في خطف معظم الأمة، وفي تكبيله وتكميمه وتغييبه، لكن بعضها بقي حراً طليقاً، يناوب عنها مناضلاً في هذا الموقع أو ذاك، وبهذا الحجم أو ذاك، وإلى هذا الحد أو ذاك، لقد تعطلت حياة الأمة وفعاليتها إلى حد كبير جداً، لكنها لم تمت لأن رشيمها بقي حياً مناضلاً، وهو الرشيم الكفيل بتفجير ينابيع الحياة وتدفقها من جديد في أول فرصة مناسبة ومناخ ملائم، وهو ما حدث أخيراً بالفعل، انطلاقاً من تونس ومصر. ولعل من لزوم ما لا يلزم التذكير هنا بأن الأمة العربية، التي يراها البعض، ويا للعجب، بمظاهرها الآنية السطحية الخارجية، ركن أساسي من أركان الجملة الإنسانية، في العالم عموماً وفي منطقة حوض المتوسط خصوصاً، بل هي، في المنطقة المتوسطية تحديداً، الكتلة البشرية الأكبر حجماً، والأكثر تجانساً، والأمتن وحدة، إننا، إذا ما ألقينا نظرة على الشعوب المنتشرة ما بين الأورال والأطلسي، مثلاً، حيث ينهض الاتحاد الأوروبي اليوم، فسوف لن نجد كتلة بشرية واحدة متجانسة، موحدة في لغتها وخصائصها التاريخية، يصل تعدادها إلى نصف تعداد الأمة العربية الممزقة المغيبة.
كذلك لعل من لزوم ما لا يلزم القول بأن تغييب الأمة العربية قسراً، في هذه الأزمنة الحديثة وفي هذا العصر الأوروبي الأمريكي الصهيوني، لم يكن في صالح الجملة الإنسانية جمعاء. إن تغييب الأمة العربية، بما تملكه من ذاكرة عميقة ثرية وتجارب فذة تغطي عصوراً بشرية، قد أخل بانسجام وتوازن الجملة الإنسانية كلها، بحيث طغى الأوباش، وبغى حديثو الحضور التاريخي (وحديثو النعمة) من المغامرين المستعمرين والشايلوكيين الرأسماليين، ففتكوا بالأمم وبالأرض فتكاً ذريعاً يصعب فهمه ويستحيل تبريره.
وهكذا فإن حضور الأمة العربية ليس ضرورة خاصة وحسب، بل هو من دون مبالغة، ضرورة عامة مصيرية تقتضيها مصلحة البشرية جمعاء. فبسبب تغييبها القسري، وبسبب الفراغ الرهيب الذي خلفته، والذي يملؤه الأوباش نيابة عنها، نرى هذا الخلل الخطير في توازن العلاقات الأممية الدولية، حيث البترول العربي، كمثال، يحل محل الذهب كغطاء للعملة الورقية الأمريكية المسيطرة دولياً، التي لا قيمة لها من دونه سوى قيمة الورق، وحيث الأرض العربية تحولت في معظمها إلى قواعد عسكرية أمريكية/أطلسية معادية للأمة العربية ولأمم آسيا وأفريقيا، ولشعوب أوروبا أيضاً. إن القاعدة العسكرية السرطانية الإسرائيلية، التي تفتك بالعرب خصوصاً وبالجملة الإنسانية عموماً، تبرز في مقدمة هذه القواعد المنتشرة في الوطن العربي الكبير، حيث عقدة الطرق الدولية الأزلية، وحيث المركز الفريد للاتصال والتلاقي المباشر بين القارات الثلاث.
لقد استندت الانتفاضة الثورية الشعبية في تونس ومصر إلى تلك الخلفية التاريخية العامة، التي أشرنا إلى بعض ملامحها، خاصة ما يتعلق منها بالتغييب القسري للأمة العربية، وإنه ليفترض أن الانتفاضتين الثوريتين هما بدايات نهوض الأمة الطبيعي وحضورها الضروري، ولعل ما يستحق التوقف والذكر أن الحدثين العظيمين وقعا في لحظة تاريخية عالمية تحقق فيها تغيير نوعي في البنية المادية التحتية للعالم، وظهرت فيها بدايات تغيير نوعي في البنية الفوقية العالمية، الحقوقية والثقافية والسياسية.
في اللقاء السنوي لمنتدى دافوس الذي انعقد قبل أيام، والذي تحضره النخبة من رجال المال والأعمال والسياسة والإدارة في العالم، اتفق الجميع على أن عملية انتقال القوة الاقتصادية من الدول الغربية المتقدمة إلى الدول الشرقية الصاعدة تجري بوتيرة أسرع. غير أن ممثل الصين في صندوق النقد الدولي قال ان أعظم التحديات العالمية خطورة، التي تواجه الأسواق الناشئة والمتقدمة، هو تنامي انعدام المساواة بين الشعوب والأمم. ولقد كان عليه القول صراحة ان تغييب الأمة العربية، وسيطرة الغرب الأطلسي على النفط العربي وعلى البلاد العربية، هو الذي يمكن هذا الغرب من الاستمرار في فرض المركزية الغاشمة والاحتكار واللامساواة والتهميش والتغييب على الأمم. وبالطبع، فإن نهوض الأمة العربية، الذي نرجو أنه بدأ بالانتفاضتين التونسية والمصرية، كفيل بتجريد الاحتكاريين الشايلوكيين من آخر أسلحتهم المتمركزة في البلاد العربية، والتي تمكنهم من إعاقة عملية التغيير التاريخي الموضوعي الإيجابي في العلاقات الدولية.
أما على الصعيدين العربي والإقليمي فإن انتفاضتي تونس ومصر يمكن أن تمهدا لنهوض الأمة جميعها بسرعة قياسية. إن نهوض مصر حرة مستقلة سوف يغلق صفحة تاريخية قاتمة عربية وإقليمية، وسوف يفتح صفحة ناصعة مشرقة، لا مجال فيها للتآكل الذاتي العربي والإقليمي، حيث الثانوي يحل محل الرئيسي في جميع الميادين، وحيث التناقضات والصراعات المفتعلة، الدينية والقومية، تحل محل التناقض والصراع الجدي المصيري مع العدو التاريخي الاستعماري الصهيوني.
إن مصر القوية الحرة المستقلة، سوف تشكل مركز الثقل المركزي العربي والإقليمي، ولسوف يسقط على الفور التناقض المزعوم المفتعل بين العرب والإيرانيين، أو بين العرب والأتراك، فالقاهرة مؤهلة كي تكون العاصمة الأولى لأكثر من ثلاثمئة مليون عربي، والعاصمة المحترمة الأبرز لحوالي مليار ونصف المليار من المسلمين، ناهيكم عن مكانتها الدولية التي هي جديرة بها.’ كاتب سوري