بعض مسببات كمون الحركة المصرية من أجل التغيير كفاية إشكالية الإدارة والتمويل أعاقت الحركة وحدّت من تأثيرها
محمد عبد الحكم دياببعض مسببات كمون الحركة المصرية من أجل التغيير كفاية إشكالية الإدارة والتمويل أعاقت الحركة وحدّت من تأثيرها يبدو أن الحركة المصرية من أجل التغيير كفاية تمر بمنعطف يحتاج التعرف علي فيما أصابت وأين أخطأت، وبداية نقول انه من الطبيعي أن تمر الحركات الوطنية والشعبية بمنعطفات، وتتعرض لأزمات، وغير الطبيعي هو الاستسلام لها، وعدم تصحيح مسارها ومسيرتها، ولأن حركة كفاية بدأت بالتوجه إلي المواطن مباشرة فمن المتوقع ألا يتخلي عنها المواطن، وحقه عليها أن تضعه في الصورة عما يجري، أولا بأول، ليكون علي بينة من أمرها وأمره. ومن موقع الانتماء الوطني أجد أن لـ كفاية حق علينا جميعا، يفرض العمل بكل الطاقة لإعادتها إلي دورها وتأثيرها. فهي بنت الشعب، وتمثل أمله، ما دامت تحافظ علي سلامة مواقفها وتوجهاتها. والكل يعرف أن كفاية هي في الأصل حركة جامعة لتيارات وطنية وإسلامية عديدة.. بها إسلاميون وقوميون ويساريون وليبراليون (وطنيون) ومستقلون.. ومعروف عنها أنها خرجت من رحم الشارع، وليس بقرار أو موافقة من نظام الحكم، وأنها أحدثت هزة كانت مطلوبة، وقادت حراكا سياسيا جاء في وقته. وظهور كتل وأجنحة بين الجماعات التلقائية والمنظمة، أمر طبيعي، ومن مستلزمات الخصوبة، إذا ما كان الأمر معتمدا علي العمل الجماعي والحوار الديمقراطي، وقد يصبح من دواعي العقم إذا ما كان في اتجاه معاكس. ومهما كان الذي حدث، وما زال، فإنه لا ينسينا القيمة التاريخية والوطنية لـ كفاية ولا يجعلنا نتجاهل أثر ما قامت به علي مجمل الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية، وكان كاتب هذه السطور قد أشار في ورقة قدمها إلي ورشة عمل، عقدت في لندن، بتاريخ 15/ 7/ 05 إلي بعض هذا الأثر، بكسر حاجز الخوف من بطش حكم حسني مبارك ووحشيته. ومع الاعتراف بدورها في استدعاء الطبقة الوسطي، التي كانت قد أوشكت علي الغياب الكامل، وإعادتها إلي مركز الفعل الوطني والسياسي، فوسعت بذلك من مساحة الحضور السياسي للمواطنين، وأصبحت مظاهراتها واحتجاجاتها محفزا لجماعات وتيارات كانت قد اطمأنت لسيطرتها وتأثيرها في الشارع، وبعد أن انتزعت الحق المشروع في التظاهر، خارج نطاق وضوابط الحكم وقيود الطوارئ وتعسف أجهزة الأمن.. وبدت مستعدة للتضحية ودفع الثمن تعلق بها الناس، وفتحت بذلك بابا أمام حراك آخر في مستويات عدة.. بين الشباب والمحامين والصحافيين والقضاة والمهندسين، وكان المهتمون يتطلعون إلي أن يمتد تأثيرها ودورها إلي أوساط الفلاحين والعمال والطلاب. وإن ما أنجزته في مدتها القصيرة هو الذي أعطاها هذه القيمة التاريخية والوطنية.هذه الحركة الجامعة معرضة لكثير من الشد والجذب، بحكم اختلاف المصالح وتباين الأهداف، ولهذا فإن التطرق إلي ما يذاع وينشر، بالحق أو الباطل، يساعد في التعرف علي حجم ما جري وطبيعته، ولنعرض بعض عيناته: هناك من يدعي وجود سعي لحصر كفاية في الإطار النخبوي الضيق، وليس في النطاق الشعبي الرحب.. وادعاء آخر، بأن أصحاب هذا المسعي يريدون خنقها والقضاء عليها، بجانب قول بأن بعض أصحاب النفوذ فيها يريدونها فلكلورية، تثير الشفقة أكثر مما تثير الاحترام، والمعني هنا يبدو في بطن الشاعر. وتسمع من يردد أن بعضا من قادتها يقيم منها جسرا للظهور الإعلامي، تعويضا عن غياب خبرة التواصل مع الجموع العادية والبسيطة. وغيرهم يعرضها لعدوي أمراض الأحزاب السياسية الشكلية القائمة، ولا يجب أن نتوقف كثيرا للتدقيق في صحة هذه الادعاءات من عدمها، لأن الأهم هو أن تنظر كفاية إلي داخلها، وتدقق فيما قامت به، وتتعرف علي حدود الخلاف، وتحصره في نطاقه الطبيعي، خاصة إذا ما عرفنا أن الخلاف حالة إنسانية وطبيعة بشرية، تمثل أساس الدفع الاجتماعي ، وفي حدود معينة يكون ذلك أساسا لكل ما هو إيجابي، وإذا تم تجاوز هذه الحدود أضحي طريقا للانقسام والفرقة.وفي حدود المعلومات التي توفرت من مصادر موثوقة، هناك اعتراف من أطراف داخل كفاية بأن الموقف بدأ يحمل طابع الأزمة، وكانت بوادر ذلك واضحة في أحداث الأربعاء الأسود ، 2005، إلا أنها طفت علي السطح إثر تقديم مذكرة، من 22 نقطة، للمنسق العام، تنتقد أوضاع الحركة، وحدث أن تسربت المذكرة إلي جريدة روز اليوسف ، لسان حال الرئيس الموازي ، جمال مبارك، وذات الطابع الفاشي، المعادي للتوجهات الوطنية.. وترتب علي تقديم المذكرة تبادل اتهامات من نوع تخريب الحركة والتشهير بها في صحف من هذا النوع، هذا في وقت تقدمت فيه مجموعة شباب من أجل التغيير بمذكرة أخري تشرح فيها أسباب انفصالها عن الحركة الأم، وتشكلت لجنة لتقصي الحقائق ودراسة الوضع والبحث في طرق العلاج، ولم تخرج توصياتها عن توصيات المؤتمر العام الأول لـ كفاية الذي عقد من عدة شهور، واستمر الوضع متوترا عندما قام عدد من قادة كفاية بتوجيه دعوة إلي حفل إفطار فاخر، دون الرجوع إلي الجهة المعنية، وهي لجنة التنسيق، ومجموعة العمل اليومي، وهو حفل بثته الجزيرة مباشر ، وكان من بين ما أثاره هذا الحفل هو اقتصاره علي شخصيات سياسية وعامة وثقافية، ورأي المنتقدون للحفل أن الواجب كان يقتضي أن يكون الإفطار في منطقة شعبية، وبين مواطنين بسطاء، هم هدف كفاية وجمهورها، الذي تسعي إلي تحريره من استبداد وفساد وتبعية نظام حسني مبارك وولده وعائلته ومواليه.حالة الشد والجذب التي تشهدها كفاية نشأت بفعل تراكمات حدثت علي مدي العامين الماضيين، وأغلبها بسبب غياب العمل المؤسسي في إدارة العمل اليومي، مما وضع بعض قادتها فوق لجنة التنسيق، هذا بجانب أسباب أخري خلقت قدرا من سوء الفهم، وتتعلق بالتمويل والصرف علي الأنشطة، وكذلك أثر توظيف بعض العاطلين من شباب كفاية مما قوي علاقته بـ أصحاب الفضل وأضعفها مع لجنة التسيق، بعد إخفاق محاولات فصل التصرف في المال عن أشخاص الممولين، وتغليب أعمال العلاقات العامة وتحقيق مكاسب لبعض الأعضاء، علي النشاط الميداني ويري البعض، أنه رغم توفر حسن النية، فإن نفوذ الممول والمساهم خلق مرجعية أخري موازية !! أضعفت المرجعية القائمة، فاختلطت أوراق الإدارة والمال، وبدا أن السخاء علي أنشطة ليست لها أولوية، وأحيانا ليست ضرورية، ليس له ما يبرره، مما فجر، بدوره، عددا من الأسئلة منها: لماذا الصرف علي نوع معين من الأنشطة ولماذا الإبقاء علي الطابع الفردي لها؟ وما هو المقابل الذي يحصل عليه الممول منها؟ وهذه الأسئلة تشير إلي أن الشكوي ليست عن مصادر التمويل، لأنها معروفة ومشروعة، بقدر ما هي في طرق الصرف وفرديتها. وعدم إخضاعها لضوابط ونظم، معمول بها في الحركات والتنظيمات الأخري!! ويبدو أن الشد والجذب حول أسلوب الإدارة، وطرق التعامل مع المال، هو أساس الخلاف والمشاكل التي عاشتها كفاية في الشهور الأخيرة، وسبب ضعف الضوابط التنظيمية والإدارية، بشكل سمح بحضور مؤتمرات، خارج مصر، دون الرجوع للجنة التنسيق، وزاد من توتر الوضع وجود ممثلين للدولة الصهيونية في واحد من هذه المؤتمرات، التي عقدت بتركيا، من شهور، وهنا تأتي عقدة التعامل مع الطرف الليبرالي داخل كفاية ، فبينه من يراهن علي التدخل الخارجي، وبعضه يختزل العداء للعدو إلي مستوي الخلاف في وجهات النظر!! ومنه من يفضل الأجندة الغربية، إما إيمانا بها، أو خوفا من الإسلاميين والقوميين، حيث يسود بين هؤلاء قلق غير مبرر لأي تقارب بين القوميين والإسلاميين، وينظرون إليه كمقدمة لظهور تشكيل فاشي يمثل خطرا عليهم، وعلي الدولة ذاتها، من وجهة نظرهم، لهذا يرون أن الحكم الحالي أقرب إليهم من القوميين والإسلاميين. وعندما يتحدث جورج بوش عن الفاشية الإسلامية، فهو يعبر بصدق عن موقف كل ليبرالي العالم، ومنهم مصريون، ولنا هنا جملة اعتراضية لا بد أن نضعها أمام القارئ تتعلق بالفروق بين ليبراليتين ، إحداهما شاملة، تمثل الأيديولوجية الغربية، بما فيها بعدها الصهيوني، وتعبر عنها الإدارة الأمريكية ورئاسة الوزراء البريطانية، وقادة الدولة الصهيونية، ويمثلها في مصر جمال مبارك ومجموعة أمانة السياسات. والثانية وطنية، وقد لا تكون موجودة إلا في بلاد محدودة مثل الهند وماليزيا، ويعبر عنها، في مصر، حزب الوفد، بوجهيه القديم والجديد، وحزب الغد (جناح أيمن نور)، وعدد من المستقلين داخل كفاية ، وإن صح هذا التحليل فإن ذلك يعني أن بعض رياح الليبرالية السامة هبت علي كفاية ، بشكل سمح بالاتصال بالحزب الحاكم وأمانة سياساته، وبشخصية مثل هالة مصطفي صاحبة العلاقة الوطيدة بالإدارة الأمريكية!!هذا الجو أحدث حالة استقطاب داخل كفاية بين تيارين.. الأول: تيار غالب يري في التوجه إلي المواطن مباشرة طريقا لا طريق سواه، وتيار آخر يتجه إلي العمل النخبوي ويعتمد أساليب العلاقات العامة ، وبه بعض السلوك الانعزالي، وطبيعي أن ينشأ بين التيارين تعارض أو فجوة تتسع إذا ما ضعف العمل المؤسسي والجماعي والديمقراطي، وقد يختلف هذا مع ما تقول به ندي القصاص، من قادة كفاية : من أن مصر ليس بها حياة سياسية حقيقية، وكل ما فيها مجموعات أصدقاء وشلل ودكاكين سياسية، واستثنت الإخوان المسلمين من هذا الوصف!! وتري أن من بين الأصدقاء من هو مخلص، مثل عبد الحليم قنديل، ومن هم علي شاكلته، وهم، بما يملكون من حرفية الصنعة، قادرون علي طرح المبادرات، التي تجد استجابة واسعة، لكن منهم من يتراجع إيثارا للسلامة أمام وحشية حسني مبارك وولده وعائلته ومواليه!!. والحل في الرجوع إلي الثوابت، وتوزيع المقار ومراكز النشاط والعمل الميداني علي المناطق الشعبية والمدن الصغيرة والقري، فالتجربة التاريخية تقول بأن العيش في وسط الناس يصنع التغيير، فمنهم خرجت المقاومة وصناع ثورات القاهرة الكبري، الذين هزموا جيش نابليون، ومنهم من كان سندا لعرابي في الدلتا، ولولا الخيانة لكان التاريخ قد تغير وكتب بطريقة مغايرة، وهم الذين أيدوا عبد الناصر وخاض بهم ومعهم أشرس وأشرف المعارك، حتي في الهزيمة وقفوا معه وساعدوه علي تجاوزها، ليس هذا في مصر بل في الوطن العربي وخارجه، أليس اعتماد حسن نصر الله علي هؤلاء هو الذي جعل منه بطلا عربيا وإسلاميا وأمميا؟.. وهل مَثَل شافيز ببعيد؟، أعاده الشعب بعد أن تآمرت عليه الإدارة الأمريكية وخلعته، والخلاصة أن جماعية القيادة والالتزام بالمرجعية التنظيمية والإدارية، وضمان النزاهة، مع قدرة عالية علي التضحية، وإيمان راسخ بالحوار الديمقراطي، كل هذا كفيل بتصحيح ما جري، ويعيد كفاية إلي ألقها وفعاليتها.ہ كاتب من مصر يقيم في لندن9