بعض ملامح المساهمة العربية في السياسة الأمنية للناتو
محمد أنوار محمدبعض ملامح المساهمة العربية في السياسة الأمنية للناتو تتكاثفُ في الآونة الأخيرة تحركات الناتو تحت ضغط آثار التزاماته الميدانية (خصوصاً في أفغانستان) وفي أفق الأدوار الممكنة والمحتملة التي يطمحُ إلي لعبها داخل وخارج المنطقة الأورو أطلسية في إطار مواجهته لخصوم فعليين أو مُحتملين جُدد يفرضون عليه أجوبة غير تقليدية مختلفة عن التي كانت تبرر وجوده كوحدة استراتيجية سابقاً. ويبدو أن البحث عن هوية ومفاهيم وأدوار جديدة ليس أمراً مستجدا في تحركات الناتو، بل يرجع إلي زمن نهاية التناظر الاستراتيجي الذي طبع الحرب الباردة.لقد أفْرزتْ تطوراتُ التسعينيات من القرن العشرين المفهوم الاستراتيجي للحلف (روما 1991)، ثمّ مفهوماً استراتيجياً جديداً (قمة واشنطن 1999)، يجعل منْهُ فاعلاً مركزيّاً في البُنية الأمنية الأورو أطلسية. وتَحدّدَ دوره، أساسا، في المحافظة علي الإرادة السياسية والوسائل العسكرية (مواصلة العمل بمعادلة التواجد الدائم للقوات النووية والقوات التقليدية في أوروبا، وتطوير القدرات العسكرية الحديثة وقوة الرد العسكري المرن والسريع) في إطار مقاربة أمنية كلية تتأسّس علي مبدأي عدم قابلية الأمن للتجزيء، وحتمية الرابطة الأورو ـ أطلسية.بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 تكرّس هذا المنحي أكثر في مُخطط عمل الشراكة ضد الإرهاب (براغ 2002) الذي اعتُبرَ أرضيةً أساسيةً وميكانيزما للتعاون العملي بين الحلفاء والشركاء، ووسيلة أساسية للانفتاح الاستراتيجي للناتو وبرهنته علي صلابته وديناميته. وتأكد انفتاح الناتو ونُزوعه المتواصل إلي توسيع دائرة المتدخلين في التقرير حول مخطط عمل الشراكة ضد الإرهاب (اسطنبول 2004) الذي أظهر تطلّعه إلي مساهمة متزايدة لدول مجلس الشراكة الأورو أطلسي وبلدان الحوار المُتوسطي والبلدان الأخري ذات العلاقة بالعملية بما فيها دول الخليج المعنية بمبادرة اسطنبول للتعاون. وعلي الرغم من أن التحركات المُوسِّعة لدائرة الشركاء قد تعني، ظاهريا، أولوية هاجس الأمن الدولي، إلا أن الهاجس الأساسي والحقيقي ظل مرتبطا بالأمن الأورو أطلسي. ويبدو أن الناتو يراهن أكثر علي المساهمة العربية، كضرورة استراتيجية، في تحركاته من أجل الضبط الأمني عبر مقاربات تتنوع حسب الخصوصيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدول العربية. وتشملُ التحركات من أجل الضبط الأمني الأعمال المندرجة في إطار محاربة الإرهاب (العدو الجديد) والبحث عن الاستقرار والسلام. وتعتمد المقاربة المتبناة للمساهمة العربية علي تقسيم العالم العربي، كمنطقة جيو سياسية، إلي مناطق فرعية أبرزها دول الحوار المتوسطي ودول الخليج (التعاون المتعدد)، مع إمكانية التعامل مع كل دولة عربية علي حدة (التعاون الثنائي). وتكمنُ أهمية التعاون مع الدول العربية، من وجهة نظر الناتو، في كونها مصدرا أساسيا للتهديدات الأمنية (التطرف الديني، الإرهاب، الهجرة، حقوق الإنسان، الاستبداد، تفكك الدول وهشاشتها…)، وفي مواردها النفطية (التي تفرض نوعا من التبعية الاستراتيجية) وتواجدها في فضاء يعتبر بؤرة لنزاعات تؤثر، بشكل أو بآخر، في الأمن الأورو أطلسي. إن هذا التقسيم لا يستند فقط إلي محددات جيو سياسية أو سوسيو اقتصادية، بل أيضا لمعرفة الناتو أن الدول العربية تختلف، لاعتبارات استراتيجية، في درجة استعدادها للتعاون، كالتردد العماني (المرتبط في جانب كبير منه بالعلاقات التاريخية مع إيران منذ حكم الشاه الذي ساهم عسكريا في إنهاء تمرد ظفار في سبعينيات القرن العشرين) والسعودي في الانخراط في مبادرة اسطنبول للتعاون عكس بعض الدول الخليجية الأخري (الكويت، قطر، البحرين، والإمارات العربية المتحدة)، وبدرجة أقل تردد مصر، التي تعتبر طرفا في الحوار المتوسطي، من تعاون متقدم في مجال تبادل المعلومات بسبب عدم تعاون الحلف معها في قضية الشرق الأوسط الخالي من أسلحة الدمار الشامل. ويبدو أن جانبا كبيرا من هذه الترددات يرجع إلي الصورة السلبية للناتو في العالم العربي بسبب استيعابه من قبل الولايات المتحدة وهامش الرصد المتبادل الذي يتضمنه توسيع العلاقات مع الناتو، غير أن التحاق المزيد من الدول يمكن أن يتحقق مع تكثيف اللقاءات الثنائية أو حضور المؤتمرات التي تحاول تقريب وجهات النظر وتحديد مساحات التعاون والدفع بالدول العربية إلي القيام بمراجعات استراتيجية. والناتو نفسه لا يستبعد القيام ببعض المبادرات المحفزة كتقديم تعريف جديد للدفاع المتقدم أو تكييف برنامج الشراكة من أجل السلام مع الدول الخليجية المترددة. وتتمثل إسهامات الدول العربية، أساسا، في خلق شروط ملائمة لمحيط غير عدواني من خلال التعاون الذي يشمل التشاور السياسي والربط الاستخباراتي (في إطار وحدة الربط الاستخباراتية التي توسعت أنشطتها في آذار (مارس) 2003 لتشمل دول الحوار المتوسطي ويمكن أن تتوسع أكثر) ودعم تطوير المؤسسات الديمقراطية، ومراقبة الحدود، وتدبير الأزمات التي يمكن أن تكون لها تأثيرات مباشرة وعميقة، كما يشمل تدابير تهدف إلي زرع بذور تعاون في مجال الاستراتيجية العسكرية التكوينية (التدريبات، الإصلاح في مجال الدفاع، إنشاء معاهد عسكرية) والعمليات الميدانية المشتركة (اشتراك المغرب والجزائر وإسرائيل في عملية الجهد النشيط ) والتنسيق في مجال الحد من أسلحة الدمار الشامل. وهذا يُقرأ بشكل واضح في خطابات الناتو وأدبياته، فالأمر يتعلق بسياسة عامة أمنية للناتو، كما لا يستبعد أن يفضي هذا التعاون إلي إمكانية استيعاب إسرائيل في المنطقة من خلال عملها جنبا إلي جنب مع الدول العربية خصوصا وأنها ترمي إلي إدراج نفسها (إسرائيل) في إطار تحالفات تبدأ بالولايات المتحدة، إلي الناتو، وأخيرا الدول السنية. إضافة إلي التحركات من أجل الضبط الأمني حيث تكمن الأهمية الاستراتيجية للمساهمة العربية، تأخذ التحركات البعدية للحرب (ليس بالضرورة حرب تحت مظلة الناتو) مكانة كبري لدي الناتو، خصوصا بعد فشل الأمم المتحدة في مجموعة من الاختبارات (الصومال، البوسنة، رواندا). ويظهر نسبيا تردد الناتو في تحمل مسؤوليات كبري في تحركات ما بعد الحروب التي تكون الدول العربية مسرحا لها، ويُدرج مهامه في إطار العمليات ذات النطاق المحدود و العمليات خارج المنطقة ، حيث يقتصر دورهُ علي الدعم كما الشأن في العراق (تقديم معدات عسكرية، تدريب قوات الأمن، تدريب القوات الألمانية لرجال الأمن والجنود العراقيين في الإمارات المتحدة..) ودارفور السودانية (مجموعة عسكرية مساعدة لقوات الاتحاد الإفريقي، إقامة جسر جوي استراتيجي).. ومن المساهمات العربية في التحركات البعدية التالية للحرب تلك التي قامت بها بعض الدول العربية (مصر، الأردن، المغرب) في البوسنة تحت قيادة الناتو قبل تسليم المهام الأساسية للإتحاد الأوروبي. المفارقة أن الاهتمام بإشراك الدول العربية في تنفيذ السياسة الأمنية للناتو وتعزيز الجانب السياسي في الشراكة يسير بموازاة مع إعادة نشر القوات الأمريكية في أوروبا في إطار المسار المعروف بإعادة الانتشار العسكري العالمي لتقترب أكثر جغرافيا من المنطقة العربية ومحيطها. وفي الوقت الذي يلاحظ فيه هذا التنسيق العسكري والسياسي بين أوروبا وأمريكا في إطار الناتو والذي يعطي الانطباع بالتماهي الأمني بينهما، يغيب التصور الجماعي لمفهوم الأمن العربي للدول العربية، بل ويتم العمل علي تذويبه في بوتقة الأمن الأوروأطلسي أو تحديدا الأمن القومي الأمريكي. ہ باحث من المغرب8