بيروت ـ «القدس العربي»: تجمع بين التاريخ والثقافة والدين والجغرافيا والطبيعة الخلابة، ما جعلها من أهم المناطق السياحية الغنية بالتراث والفن والجمال، تمتلك تراثًا تاريخيًا مميزًا من مساكن الأمراء والبيوت الحجرية القديمة التراثية وأماكن العبادة، تنبضُ من قلب الشوف سحراً وأصالة وتناغماً بين سحر الطبيعة والآثار الخالدة، إنها بعقلين عاصمة الإمارة اللبنانية المعنية منذ عقود ورسخت هذه الحقبات على رفوف مكتبتها الوطنية، منارة العلم والثقافة والحضارة الضاربة في عمق التاريخ والشاهدة على تراث وآثار وحقب أساسية ومهمة من تاريخِ الوطن، اعتمدها الأمير فخر الدين المعني الكبير كمقر إقامة له وكمركز لقائمقامية الشوف عاليه والغرب، وحباها الله بأجمل ما صنعت يداه من طبيعة خلابة بشلالاتها وأشجارها ووديانها ونسيمها، حاضنة الأديان على تنوعها وحاملة راية العيش المشترك، تغدق على ضيوفها وزوارها حسن اللقاء وكرم الضيافة، وتروي في دروبها وأماكنها ومعالمها حكايا الأمجاد والتاريخ والثقافة، بلدة تستحق زيارتها والتعرف على معالمها وتاريخها العريق وتراثها الثقافي والبيئي والفني والسياحي.
موقعها الجغرافي وتسميتها
تتكون بعقلين من مجموعة تلال مشرفة على المدن والبلدات المجاورة مثل دير القمر وبيت الدين وجوارهما شمالًا، وعلى مرتفعات جزين وبعض قرى إقليم الخروب جنوبًا وعلى سلسلة جبال لبنان الغربية شرقاً وعلى جزء من البحر الأبيض المتوسط غرباً، وهي تقع على ارتفاع 950 متراً وتبعد عن العاصمة بيروت 45 كلم ويمكن الوصول إليها عبر العديد من الطرق منها اوتوتستراد الدامور مروراً بكفرحيم ودير القمر وبيت الدين أو عن طريق المناصف دير دوريت، كما يمكن الوصول إليها بعد اوتوستراد المديرج باتجاه عين داره مروراً بنبع الصفا وعين زحلتا والباروك وبيت الدين.
أما مساحة بعقلين فتبلغ 1350 هكتاراً أو 13.5 كلم2 ويقطنها ما يقارب 14550 نسمة، وتعود تسميتها إلى أصل سرياني وتعني المحلة ذات المنعطفات، الا أن هناك روايات شعبية ذكرت أن الأمراء المعنيين الذين توطنوها في عام 1120 قد جعلوا على رابيتين من أراضيها تشرفان على البحر مرقبين (معقلين اثنين) فقالوا: عقلين، ثم أضيفت إليها الباء فصارت: بعقلين.
بعقلين في التاريخ
رسخ التاريخ حقبا عديدة شهدت عليها البلدة استناداً إلى العديد من المصادر التاريخية والمخطوطات القديمة، ويؤكد أحدها أن الملك العادل شقيق صلاح الدين الأيوبي توفي فيها عام 616 هجرية، كما ارتبط اسم بعقلين عبر التاريخ بالإمارة المعنية إذ اعتمدت كعاصمة الإمارة اللبنانية المعنية التي نشأت في جبال الشوف حيث استقروا في هذه البلدة وعمروها قبل أن ينتقلوا منها لاحقاً إلى دير القمر بسبب شح الموارد المائية. وبعدها أصبحت مركزاً للسلطات الدينية والقضائية المتوارثة في عهد الامارة الشهابية وتراجع دورها نتيجة المنازعات التي اتسمت بها تلك الحقبة.
وفي عهد القائمقاميتين والمتصرفية ما بين الأعوام 1841 ـ 1918 برزت بعقلين كإحدى القصبات «البلدة الكبيرة» المربوطة رأساً بمركز القائمقامية وذات الشأن في سياسة الجبل.
معالمها التاريخية والأثرية
تزخر بعقلين بمعالم تراثية وتاريخية وبمناظر طبيعية خلابة أبرزها موقعها على سبعة تلال مشرفة على قرى الشوف الأوسط والساحل وبوجود نهر ينساب في أوديتها مخلفاً لوحات طبيعية خلابة ذاع صيتها في لبنان ولعل أبرزها شلالات الزرقاء التي باتت مقصداً للسياح، كما تمتاز بأبنتيتها التاريخية التي لا تزال تكثر في أرجائها حيث لعبت أدواراً مميزة في التاريخ منذ ما قبل الميلاد، وقد تم العثور من قبل بعض الفلاحين على قطع نقدية في أراضيها مضروبة بالحرف الإغريقي، وبعد ترجمتها تبين أنها تعود إلى الأنحلويوخس آخر قادة الإسكندر المقدوني الذين توارثوا الحكم من بعده، وتعود هذه النقود إلى سنة 2000 قبل الميلاد.
وتعود أبنية بعقلين الأثرية إلى المرحلة التي ازدهرت فيها البلاد في ظل حكم المعنيين ولاسيما وأن الأمير فخر الدين المعني هو من أبناء بعقلين، ولا تزال هذه الأبنية مأهولة من قبل السكان وتحتفظ ببعض المحتويات التراثية.
ومن أبرز المعالم التراثية التي تختزنها بعقلين قصر آل حمادة، المعروف بالسراي الحمادي التاريخي، ويعود تاريخه إلى عام 1592 وعُرف بدار الحكام الحماديين ويتضمن مجموعة متاحف، ويعد من المعالم التاريخية في بعقلين والشوف، وبني على أنقاض قلعة صليبية في منطقة شقيف التحتا وعلى أكتاف الإنشاءات المعنية السالفة.
وقد تم إدراج هذا السراي الحمادي على لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية اللبنانية في المديرية العامة للآثار الملحقة بوزارة الثقافة، وهو يستقبل السياح على مدار السنة.
قصر آل تقي الدين هو قصر تراثي وتحفة هندسية يشتمل على انشاءات بدءاً من القرن السادس عشر وإضافات كان آخرها للمعماري عاصم سلام، وعايش هذا القصر حقبة هامة من تاريخ بعقلين السياسي.
عين الضيعة الأثرية، بناها قائمقام الشوف نسيب بك جنبلاط خلال حكم السلطان عبد الحميد في عام 1890، بهدف تأمين وصول مياه الشرب لأهالي بعقلين وحملت صورتها الورقة النقدية من فئة الخمسة وعشرين ليرة سنة 1939 وهي لوحة فنية نفيسة.
قصر بيت خضر، بني في عام 1890 وأعيد ترميمه مرات عدة مع المحافظة على طرازه المعماري كما على كل زخارفه وأثاثه حتى اليوم، وكان هذا القصر في البداية مأوى للأشخاص الذين يعانون من أمراض مُعدية بهدف إبقائهم بعيداً عن أهالي القرية، وكانت الجهة الشمالية للقصر تسمى بالحرملك والجهة اليمنى بالسلملك، وهو يتألف من طابقين الأول حجري والعلوي خشبي، وتحول لاحقاً إلى مركز لعقد الاجتماعات السياسية والاجتماعية وحتى الفنية.
المكتبة الوطنية، كانت تعرف بالأساس بأنها سرايا بعقلين، يعود بناؤها التاريخي بهندسته المعمارية الرائعة والتي تمزج بين فن العمارة الأوروبية والشرقية إلى عام 1897 في عهد المتصرفية أيام السلطان العثماني عبد الحميد، واعتمدت كمقر لقائمقامية الشوف وكان يتناوب على هذا المنصب الأمير مصطفى أرسلان ونسيب جنبلاط، وبعد انتهاء الانتداب الفرنسي للبنان عام 1943 تحولت وجهة استعمالها إلى مدرسة، فمحكمة فمركز لبلدية بعقلين ولاحقاً إلى مخفر حتى عام 1980 ومن ثم إلى سجن كبير، غير أن النائب السابق وليد جنبلاط ارتأى عام 1987 تحويله إلى مكتبة وطنية وإلى صرح ثقافي يلبي حاجة الأجيال إلى معين فكري وثقافي، وتحتوي هذه المكتبة على 140 ألف كتاب و 300 ألف مطبوعة دورية وهي المكتبة العامـة الوحيدة التي تتبع وزارة الثقافة، ويقال بأنها من أنشط المكتبات إذ تشهد سنويًا حوالي 200 نشاط ثقافي وبيئي وتوقيع كتب وندوات وأمسيات شعرية وسواها من النشاطات الثقافية، كما شكلت المكتبة قفزة نوعية مع تحديث موقعها الإلكتروني إذ أصبح أكثر من 400 ألف مرجع بمتناول القارئ إلكترونيًا.
أما قصر آل الداهوك، فهو مشغل الشوف، كان يُعد من أقوى مشاغل لبنان اليدوية والحرفية، يعود بناؤه إلى عام 1897 من قبل السيدة جمال تقي الدين ويضم في حناياه «بيت ستي وجدي» وهو نموذج من البيوت القروية والجبلية، غرفه من الحجر ويضم بعض المفروشات والحاجيات البسيطة والمتواضعة التي ترمز إلى بساطة العيش وتواضع الحياة التي كان يعيشها الأجداد والأسلاف.
هوية لبنان
الفسيفسائية والتعددية
مما لا شك فيه بأن كل زائر وسائح إلى بعقلين يجد مبتغاه وهوايته لأنها تحمل في حناياها هوية لبنان الفسيفسائية والتعددية في العيش المشترك وتجمع بين السياحة الدينية والثقافية والبيئية والرياضية والفنية ناهيك عن لقمتها الطيبة وحسن الضيافة واللباقة في الاستقبال.
وكانت بعقلين تعتبر على مر عصور متلاحقة كمركز ديني مرموق، وهناك العديد من المخطوطات التراثية والأماكن الدينية الأثرية المتنوعة في البلدة ومنها كنيسة مار الياس، التي تقع في وسط البلدة بناها الخوري سمعان إسكندر في عام 1753 بالتعاون مع أهالي البلدة.
وتوجد في رأس النحل في البلدة صومعة الشيخ أبو علي يوسف بردويل بورسلان، تعود إلى نحو 300 سنة، أما أقدم مبنى في بعقلين هو مقام اسم الشريف الضارب في عمق التاريخ نحو 580 سنة.
ومن معالمها السياحية التي تستقطب عشاق الطبيعة والرياضة «الحرج – المحمية الطبيعية والأيقونة البعقلينية» التي تعتبر واحة صحية لرياضة المشي وتمتاز بموقعها المميز وبمساحتها الشاسعة وتم ضمها في عام 2005 إلى قائمة المحميات الطبيعية في منطقة الشوف. ومن الأمكنة السياحية البيئية أيضاً هوة ريدان، وهو معلم طبيعي ومكون جيولوجي صخري وعامودي فريد، لها شكل دائري وهي محاطة بمسطح صخري يحد الفوهة من الجهة الجنوبية وأشجار ونباتات مختلفة ويُرى قعرها واضحاً من الأعلى ومن كافة الجهات.
ولا يمكن زيارة بعقلين من دون التعرج على مطاعمها بالقرب من نهر بعقلين وفي أحضان الطبيعة للتذوق من لقمة أطيابها اللبنانية الطيبة.
رجالاتها وأعلامها
أنجبت بلدة بعقلين على مدى العصور رجالات أبدعت في مجالات وحقول متنوعة سياسية وفنية وأدبية وثقافية وإعلامية ولعل أبرزها الأمير فخر الدين المعني الكبير، نور حمادة.
وبرزت من بعقلين أسماء لامعة في السياسة اللبنانية من بينهم النواب قحطان حمادة، بهيج تقي الدين، مروان حمادة «الشهيد الحي» وهو لا يزال نائباً في البرلمان اللبناني وتعرّض إلى محاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة، كما برز إسم شقيقه الإعلامي في المجال السياسي علي حمادة.
وفي الحقل الأدبي برزت أسماء تركت أثراً أدبياً لا ينسى من بينها نايلة حمادة تويني، خليل تقي الدين وسليمان تقي الدين والأديب الكبير الراحل سعيد تقي الدين الذي عبّر عن محبته ومحبة وشغف أبناء البلدة لبدتهم بعقلين بعبارات شعرية قال فيها:
«نَبَذْتُ سَائِرَ الدُّنْيا، وَاخْتَرْتُ بَعْقَلينَ ـ الشُّوفِ بَلْدَةً أُسْقِطُ بِهَا رَأْسِي، لَوْ أُعْطِيَ لِي أَنْ أَتَقَمَّصَ أَلْفَ مَرَّةٍ، لَمَا نَزَلْتُ إِلَّا بَعْقَلينَ، دَارِ مَوْلِدي».
وأخيراً خسرت بعقلين العلامة الأزهري شوقي حمادة الذي يعد حارس لغة الضاد وعاشق الفصاحة والأدب وخطيباً من الطراز الرفيع، وأقيم له مأتم وطني مهيب في بلدته بعقلين بحضور فعاليات سياسية ودينية وثقافية تقدمهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي تيمور جنبلاط وشيخ عقب طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي ابي المنى والنائب مروان حمادة.
ومن الأسماء التي لمعت في عالم الفن والتمثيل نذكر إسم الفنان رامي عياش الغني عن التعريف، كما نذكر المحامية أمل علم الدين التي تزوجت من النجم العالمي جورج كلوني.
مشاغل فنية وحرفية وزراعية
تضمُّ بعقلين معاصر للزيتون ومشاغل حياكة وملبوسات وأصواف ومعامل للحديد وتصنيع الشمع، ومصانع للمفروشات الخشبية، ومناشر للرخام الحجري، وتعتبر مطرزاتها من أبرز الحِرف التقليدية في البلدة كما تشتهر بأشجارها المثمرة وبكرومها ودواليها واحتفاء بعملها الزراعي وبثمار وخيرات أرضها الخصبة أطلقت بلدة بعقلين في شهر أيلول/سبتمبر الماضي مهرجانها السنوي الأول تحت عنوان «مهرجان العنب والتين» دعماً للمزارعين ولأبناء البلدة، وتم في المهرجان عرض المنتجات الزراعية البلدية والمونة التي تم تحضيرها بجهود أبناء البلدة من نساء ورجال وشبان على الستاندات في سوق البلدة وتم استقبال العديد من المواطنين من الجوار ومن سائر المناطق.
ومن النشاطات الثقافية والفنية البارزة التي أقامتها بلدة بعقلين في شهر أيلول/سبتمبر تكريمها للموسيقار الكبير الراحل فريد الأطرش، لمناسبة مرور خمسين عاماً على رحيله حيث أقامت لجنة رواد الشرق احتفالاً كبيرا برعاية وزارة الثقافة اللبنانية وبالتعاون مع بلدية بعقلين والمكتبة الوطنية في البلدة بحضور شخصيات فنية وثقافية وإعلامية.
وقدم الحفل الجماهيري الممثل القدير جهاد الأطرش والإعلامية في تلفزيون لبنان نوال الأشقر، وألقيت في المناسبة كلمات لكل من رئيس اللجنة المنظمة انطوان عطوي ومدير المكتبة الوطنية غازي صعب ورئيس بلدية بعقلين كامل الغصيني والدكتورة رينيه بولس الحاج والمدير العام للعلاقات الثقافية الدكتور علي الصمد الذي ألقى كلمة راعية الحفل وزارة الثقافة. وأجمعت الكلمات على مزايا المطرب الراحل فريد الأطرش وعلى مسيرته الفيية وأهمية فنه الراقي، كما قدمت في المناسبة نبذة عن حياة الراحل وعرض تسجيل صوتي له، كما تم في المناسبة أيضاً توجيه تحية إلى روح الفنان نهاد طربيه وإلى مؤسس متحف ومكتبة الموسيقى العربية الدكتور وليد خويص.
كما أقيم معرض فني تشكيلي شارك فيه أكثر من 40 فناناً تشكيلياً عرضوا لوحاتهم التي تضمنت كلها بورتريه عن فريد الأطرش وعن شخصيته الفنية.