لقد حدث أكثر من مرة أن تبددت التنبؤات التشاؤمية، الأمر الذي أسعد الجميع، ولكن قبيل الأحد القادم، ثمة عوامل عاصفة مكتملة آخذة في التراكم. مسيرة الأعلام التي سيجريها أتباع “الصهيونية الدينية” في شرقي القدس، والذي صادق المستوى السياسي على مسارها، قد تشعل أعمال فوضى جديدة، في العاصمة وفي الضفة الغربية. يشكك الجيش الإسرائيلي في انجرار قيادة حماس في القطاع إلى هذه الزوبعة، ولكن يكفي بما من شأنه أن يحدث في القدس للعودة وإشعال المنطقة، بعد عدة أسابيع ظهر فيها انحسار معين للعنف.
قبل عام التقى “يوم القدس” وشهر رمضان. وأضيف للجو الذي كان مشحوناً أصلاً صاعق جديد على شكل مسيرة الأعلام. رئيس الحكومة حينئذ، بنيامين نتنياهو الذي كان قريباً من نهاية وظيفته، صادق للمشتركين على السير عبر باب العامود والحي الإسلامي، ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. جهود الشرطة لتغيير مسار المسيرة لم تجد نفعاً: أطلقت حماس ستة صواريخ من القطاع إلى منطقة القدس، وانطلقت عملية “حارس الأسوار”، مُخلفة وراءها أضراراً شديدة في نسيج الحياة ما بين اليهود والعرب في حدود الخط الأخضر.
وريث نتنياهو نفتالي بينيت، تصرف بصورة مختلفة قليلاً. نشر بيان المصادقة على المسار منذ حوالي أسبوعين قبل “يوم القدس”، على أن يكون في هذه الفترة الزمنية ما يكفي لتحرير الغضب الفلسطيني، ومن جانب آخر تمكين الجهود المصرية من تهدئة حماس. تم توثيق طائرة تستخدمها المخابرات المصرية هذا الأسبوع أكثر من مرة في المواقع التي تتابع حركة الطائرات وهي تهبط في مطار بن غوريون.
تبرير بينيت الأساسي هو السيطرة الحكومية: من عشرات السنين سارت المسيرة بهذه الصورة، وليس هناك سبب لتغيير مسارها، كما أن رمضان انقضى، والتوتر والعنف هدآ قليلاً. في الوقت نفسه، يخطط لكي تستعد شرطة إسرائيل بالدرجة القصوى، وبأن تنشر 3 آلاف شرطي (بقيادة قائد اللواء المفتش دورون ترجمان).
قد يبدأ التوتر حول تمترس شبان مسلمين في الحرم صباح الأحد. وهنالك أيضاً مسيرة مخططة في اللد والتي من شأنها أن تمر قريباً من أحياء عربية وتثير هناك عدم ارتياح إلى درجة الخوف من التأثير على علاقات “راعم” مع الائتلاف.
في ضوء سابقة العام الماضي، شخص الفلسطينيون نقطة يمكن فيها الضغط على إسرائيل وربما الحصول على إنجاز مثل تراجع المسيرة. ما زال في الخلفية مشاعر قاسية في “المناطق” [الضفة الغربية] حول مقتل صحافية “الجزيرة” شيرين أبو عاقلة في جنين. وأعمال الشغب التي أثارتها شرطة القدس أثناء المسيرة، اعتبرت إهانة مؤلمة. هذا الأسبوع، نشرت تحقيقات لوكالة “أسوشييتد برس” وشبكة “سي.ان.ان” التي ألقت مسؤولية موتها على إسرائيل. (سي.ان.ان التي اعتمدت أيضاً على تحقيقات لمراسلين فلسطينيين، اتهمت الجيش الإسرائيلي بالقتل المتعمد).
زعماء منظمات في المنطقة من بينهم حسن نصر الله من “حزب الله”، وإسماعيل هنية، سبق وهددوا باستخدام العنف إذا اقتربت المسيرة في القدس من الأقصى. إسرائيل تهدئ وتقول إن المسار بعيد عن الحرم وليس هنالك نية كهذه. السؤال: هل سيكون هذا كافياً؟ بينيت الذي يهدد ائتلافه بالانهيار تحته، يخضع لضغوط شديدة من جانب الوزيرة آييلت شكيد وأعضاء كنيست آخرين من قائمته “يمينا”، لاتخاذ مظاهر قوة استعراضية وطنية. من غير المؤكد أن شركاء بينيت الكبار في الحكومة – يئير لبيد، وبيني غانتس، وافيغدور ليبرمان – يشخصون درجة الخطر الكامنة في اللحظة الحالية. وإذا اتخذت توازنات وكوابح أقل مما اتخذت السنة الماضية، فسيكون لذلك تداعيات أمنية بعيدة المدى.
وكما يحرص نتنياهو وميري ريغف وباقي أعضاء جيشه الحقيقي على تقديم البراهين أسبوعياً، فلا سبب للاشتياق إلى أيام الحكم السابق. ولكن كان لرئيس الحكومة السابق بشكل عام أفضلية واحدة واضحة تماماً: الحذر الأمني، الذي ارتكز على تجربة تراكمت بالدم منذ أيام أحداث نفق حائط المبكى وقضية مشعل.
ساد ما بين بينيت وقيادة الجيش الإسرائيلي توتر معين في الأسابيع الأخيرة. وتراكم لدى رئيس الحكومة غضب بدرجة ما على سلوك هيئة الأركان العامة. بدا للعديدين أن الجيش عشق بأن مفهوم “حارس الأسوار” كان نجاحاً كبيراً، ولهذا تبدو حماس منذ ذلك الحين خائفة. وبناء على ذلك، فمن المستبعد أن يكون لقيادة حماس في غزة ضلع في موجة الإرهاب الحالية، التي اندلعت في منتصف آذار. فعلياً، اندلعت الموجة من الميدان، وصعدت من أسفل إلى أعلى. ولكن لعدد لا بأس به في الجهاز السياسي والأمني بما في ذلك “الشاباك”، يبدو أن الجيش الإسرائيلي يقلل من دور حماس. حماس تحاول أن تصب الزيت على الشعلة في الضفة وفي حدود الخط الأخضر. رئيس قيادتها في الخارج، صالح العاروري، يعمل على ذلك بشكل خاص.
مع ذلك، يبدو أن هناك نجاحاً للجهود الإسرائيلية: تركيا التي استضافت العاروري في السنوات الأخيرة، وهي الآن تحاول الاقتراب من إسرائيل، تعطي إشارات أن المفضل له المكوث في عنوانه البديل داخل لبنان. إسرائيل أيضاً تضغط على السلطة الفلسطينية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لوقف المدفوعات لعائلات المخربين الذين قتلوا في أحداث الشهور الأخيرة. ليس واضحاً فيما إذا كان هذا سينجح.
توقع رئيس الحكومة مبادرة هجومية أكثر من جانب الجيش الإسرائيلي، في جنين وربما في غزة. قبل موجة الإرهاب، لم يهمل الجيش فقط إغلاق منطقة التماس (بموافقة كل الحكومات الأخيرة) بل تجنب طوال شهور عديدة القيام بعمليات اعتقال في منطقة جنين. في الأسابيع الأخيرة، زادت هذه العمليات، والتي ووجهت بمقاومة فلسطينية مسلحة في كل مرة دخلت فيها قوات إلى المنطقة. من المرجح أنه ستتواصل هذه العمليات وقد تتعاظم. إلى جانب ذلك، سيقتضي الأمر تغييرات في الصورة التي يواجه فيها جهاز الأمن الفلسطينيين. قبل أسابيع، نشر هنا بأن لا يوجد مكان في ساحات الشرطة التي يحتفظ بها بالمركبات التي تم التحفظ عليها، نظراً لأنها شاركت في تهريب ماكثين غير قانونيين عبر خط التماس. وثمة مشكلة مشابهة في غرف الاعتقال، وقد تم إطلاق سراح مئات المشاركين في أعمال العنف داخل الحرم بعد وقت قصير من اعتقالهم، ببساطة نظراً لأن السجون ممتلئة تماماً.
ميزان قوى جديد
فيما يلي اعتراف مهني صغير. لست أنا ولا زملائي الصحافيين، الذين سمعنا عن خدائي قبل اغتياله في شوارع طهران يوم الأحد من هذا الأسبوع. الثقة التي تم بها لفظ اسم الضابط من حرس الثورة الإيراني في نشرات الأخبار الإسرائيلية لا تدل على شيء. كان خدائي معروفاً لرجال المخابرات فقط، كناشط رئيسي على المستوى التكتيكي لفيلق القدس، الذي جل انشغاله هو في محاولات (فاشلة أغلبها) لتنفيذ عمليات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية في الخارج.
هذا الاغتيال لا يوازن في قيمته عمليات سابقة مثل الاغتيالين اللذين وقعا قبل سنتين لقائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني (الولايات المتحدة تحملت المسؤولية عن ذلك) ولرئيس البرنامج النووي العسكري الإيراني العالم فخري زاده (الذي تعزوه إيران لإسرائيل). هذان الاثنان – اللذان قتل أحدهما (سليماني) في بغداد في كانون الثاني 2020 والثاني (فخري زاده) في تشرين الثاني من العام نفسه بالقرب من طهران – كانا شخصيتين رئيسيتين في المنظومة النووية في منظومات النواة، التآمر الإقليمي وتهريب السلاح الذي نشرته إيران في أرجاء الشرق الأوسط.
الاغتيال الأخير، إذا نفذ حقاً بأيدي إسرائيل، يشير إلى تغيير وربما توسيع للسياسة السابقة. من المهم أيضاً رد قادم من الولايات المتحدة. وقد سعى رجال مخابرات في الإدارة لتسريب معلومات إلى “نيويورك تايمز” بأن إسرائيل أبلغتهم عن مسؤوليتها عن الحادث. أي أن أيدينا، نحن الأمريكان، لم تسفك هذا الدم.
يبدو أن الشيء الجديد الأساسي هو في مجال عمل هذا الرجل الذي اختير كهدف هذه المرة، وهو الإرهاب. عرض بينيت قبل حوالي أربع سنوات ما اعتبره كاستراتيجية الأخطبوط الإيراني – تشغل امتدادات عن بعد، تسمح لهم بعدم الانكشاف، والنفي، وبالأساس حصانة من رد إسرائيل. ودعا بينيت حينئذ إلى ضرب رأس الأخطبوط، إيران نفسها، وعدم الاكتفاء بالحرب ضد الأذرع، الميليشيات الشيعية في سوريا وأحياناً “حزب الله”.
العملية الأخيرة تعكس محاولة لترسيخ ميزان قوى جديد أمام إيران: ضرب ممنهج، يرتكز على سياسة الرد. إذا عملت إيران أو حاولت العمل ضد أهداف إسرائيلية، وحذرت وواصلت العمل، فسوف تدفع ثمناً فورياً، دون علاقة بالبرنامج النووي.
يجب أن نضم إلى عملية الاغتيال في طهران تدمير قاعدة الطائرات المسيرة الكبرى في غرب إيران في شباط، التي وقعت بعد وقت قصير من اعتراض طائرات أمريكية لمسيرتين هجوميتين في سماء العراق. المسيرتان تحركتا نحو الغرب في اتجاه إسرائيل، وصلت تعليمات إطلاقهما من إيران.
الإيرانيون، هكذا تعتقد إسرائيل، متعقلون بالغرب وحذرون ومنطقيون في عملهم. الإشارات المتكررة نحوهم تفهمها طهران جيداً. إيران نفسها وكما يبدو في السنوات الأخيرة، قابلة للاختراق وهشة نسبياً إزاء عمليات الاستخبارات والتخريب. إذا ما بُثت الرسالة عدة مرات، ستستوعب في النهاية.
تبادل الرسائل هذا مرتبط بالنووي بصورة غير مباشرة، وثمة وضوح معين للصورة في هذه المسألة. بيان إدارة بايدن عن القرار بعدم رفع الحرس الثوري من قائمة العقوبات الأمريكية، يعكس تغييراً في تقدير البيت الأبيض بشأن فرص المفاوضات. حتى وقت متأخر، كانت واشنطن متحمسة للتوقيع على اتفاق نووي جديد. يبدو أن احتمالية ذلك قلت، لاعتبارات داخلية لكلا الطرفين. القيادة في إيران ليست متعجلة لعقد الصفقة. في الإدارة الأمريكية خفت الحماسة على خلفية التركيز على انتخابات منتصف الفترة المتوقعة في منتصف تشرين الثاني، والتي لا تبشر الاستطلاعات بالخير للحزب الديمقراطي.
خلافاً للشعار الذي يردد باستمرار، الإيرانيون لا يحثون الخطى نحو النووي بل يتقدمون نحو القنبلة بحذر. تخصيص يورانيوم متواصل إلى مستويات عالية طوال السنتين الأخيرتين، وقربهم من هدفهم. ولكن النشاطات في الشهور الأخيرة تتم بصورة أكثر أفقياً (المزيد من المواقع، المزيد من أجهزة الطرد المركزي) وعمودياً (تحصين أفضل تحت الأرض)، مقارنة بالسابق. الخطوط الحمراء التي وضعتها إسرائيل بخصوص تخصيب اليورانيوم تم اختراقها منذ فترة طويلة. ولكن إيران، الآن، تحرص على عدم تجاوز الخط الأحمر الأخير، الذي رسمه الغرب: مراكمة كمية من اليورانيوم المخصب بمستوى عال جداً، تكفي لإنتاج قنبلة واحدة. وكذلك لا يوجد دليل على التقدم نحو المرحلة التي بعدها – القدرة على تركيب القنبلة على صاروخ باليستي، كرأس متفجر نووي. أمس، أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية عن حادثة وقعت في موقع بارتسين، والذي شخص في الماضي كجزء من برنامج السلاح لإنتاج رؤوس متفجرة. مهندس قتل ومهندس آخر جرح. وخلفية ذلك ما زالت غامضة.
معارضة الحكومة لصفقة نووية جديدة مرتبطة بالوضع الإقليمي أيضاً. وثمة اعتقاد بأن يقود التوقيع على الاتفاق إلى رفع معظم العقوبات عن إيران، وستحسن وضعها الاقتصادي لدرجة كبيرة. عندما نضيف إلى ذلك أسعار النفط التي تتصاعد بشدة منذ الحرب في أوكرانيا، فمن المتوقع أن يكون هنالك ازدهار اقتصادي للإيرانيين والذي سيؤثر نحو الأسفل أيضاً على المنظمات والميليشيات التي يشغلونها في المنطقة. حسب تقديرات إسرائيل، فإن الدعم السنوي الإيراني لـ”حزب الله” ولمنظمات أخرى انخفض تقريباً إلى النصف بسبب الصعوبات الاقتصادية للسنتين الأخيرتين. لكن اتفاقاً جديداً سيغير ذلك.
مقابل هذا الخط، العديدون في المستوى المهني يعتقدون غير ذلك. رئيس الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال احتياط تمير هايمن، عبر عن ذلك هذا الأسبوع، ففي مقابلة لصحيفة “إسرائيل اليوم” قال هايمن المدير العام الجديد لمعهد أبحاث الأمن القومي، إن الذهاب إلى اتفاق نووي جديد هو احتمالية مفضلة لإسرائيل، في الظروف الحالية. هذه أصوات تبقى بشكل عام في الغرف المقفلة، ولكن من الواضح أنها تتسرب إلى الخارج بصورة أشد في غياب نتنياهو. على كل الأحوال، أقوال هايمن تبرز أكثر ما يقوله الجيش الإسرائيلي للحكومات منذ فترة طويلة: إسرائيل تدير أمام إيران منافسة استراتيجية بعيدة المدى، والتي لا تتعلق فقط بالنووي. يجب أن تكون السياسة طبقاً لذلك، أكثر شمولية واتساعاً، ويجب النظر أيضاً إلى المدى البعيد.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 27/5/2022