بعولمة ترامب و”الاقتصاد الكنزي”: هكذا سيتحول العالم من الفوق قومية إلى المركزيات الوطنية بعد كورونا

حجم الخط
1

وباء كورونا يحدث في عصر التكنولوجيا المتقدمة وفي ظروف مثالية للعولمة، ولكن أغلبية الأوبئة تفشت من الصين ومن مسارات طريق الحرير – “من أعماق آسيا” مثلما في أحلام راس كولنيكوف عن وباء قريب في “الجريمة والعقاب” لدويفسكي – حتى بدون مساعدة التجارة العالمية ورحلات الطيران التي تشمل أرجاء العالم. غالباً ما اعتبرت الأوبئة أحداثاً غامضة وضربات لقوى خفية، وحطمت معتقدات قديمة وأدت إلى تغييرات نموذجية في سلوك الشركات والدول، ووضعت حداً لتمدد الإمبراطوريات. ولكن يبدو أن الانحراف في أعقاب أزمة كورونا سيكون محدوداً أكثر، لا لأن الثمن الذي جبته وستجبيه من حياة البشر يبتعد عن الأبعاد التوراتية التي كانت للأوبئة السابقة، بل أيضاً لأن تغيير النموذج جرى قبل الوباء، وهي فقط التي ستمنحه الصلاحية.

الأوبئة دائماً تفاجئ السلطات، ويُرد عليها بالنفي، وفي الأصل بعدم الاستعداد. توكيديداس، المؤرخ اليوناني للحرب البلوبنزية، وصف كيف تم دفن الموتى “بكل طريقة ممكنة” في الوباء الذي قتل ثلث سكان أثينا في الأعوام 430 – 426 ق.م، وكيف كان الابتعاد الاجتماعي الطريقة الوحيدة “للنجاة من الموت”. الابتعاد الاجتماعي والدفن بطريقة غير محترمة، هي الطريقة الوحيدة، حتى في نيويورك وفي لندن ما بعد الحداثة، ولا نريد التحدث عن الصين وإيران حيث الدفن في قبور جماعية.

وكما نكّلت الحكومة الصينية بطبيب تجرأ على سماع صرخة الوباء الذي حاولت إخفاءه، ففي “الطاعون” لالبير كامي، تلك الرواية الفلسفية عن الوباء في مدينته توران، فضلت السلطات تجاهل أعراض الكارثة حتى بات الوقت متأخراً. توأم دونالد ترامب في رواية “الطاعون” هو الموظف الذي تعامل بلامبالاة مع الأعراض الأولى للوباء بذريعة أن الأمر يتعلق بـ “نوع معين من الحرارة”، وبلامبالاة مشابهة –قبل أن بدأ بالعمل بإخلاص كبير – تعامل مع أعراض الوباء حاكم ميلانو في الرواية المثالية لاليساندرو ملتسوني “المخطوبان” في العام 1827 التي تحدث على خلفية وباء الطاعون في لومبارديا في بداية القرن السابع عشر.

في ظل غياب العلاج، فإن الأوبئة تجبر الناس دائماً على استخدام أنصاف البدائل، على الأغلب غير المناسبة. فمثلاً في الأنفلونزا الفرنسية في 1918 – 1920 التي أصابت ربع الجنس البشري وأزهقت حياة أكثر من 50 مليون شخص، حاولوا معالجتها بواسطة تطعيمات مضادة للبكتيريا، في حين أن الأنفلونزا مرض فيروسي، وظاهرة كانت غير معروفة في حينه. في هذه الأيام يتم ضد كورونا استخدام علاج الملاريا مع نتائج جزئية. ودائماً ما تظهر أدوية سحرية؛ ففي “يوميات سنة الوباء” التي كتبها دانييل دافو عن طاعون الغدد الذي أصاب لندن في 1665 تظهر “حبوب مانعة لا تخيب الآمال”. اليوم أيضاً هناك أشخاص مخادعون يعدون بحلول مثل شم الكوكايين أو شرب المبيض. لهذا، لا نفاجأ عندما نرى رئيس الولايات المتحدة ترامب يتحول إلى مخادع رائع في هذا المجال.

ميكيافيلي الذي شهد مرضاً في فلورنسا في 1527، وربما توفي به، وصفه كشبيه بما يحدث تحت سلطة سيئة وغير ناجعة. هكذا، أوصاف دافو للرد الناجع لبلدية لندن، التي استخدمت الحصار المشدد وقسمت المدينة إلى أحياء لغايات سيطرة أكثر مباشرة، بل وحذرت من خطر عدوى أشخاص لا تظهر عليهم أعراض.. يمكن أن تعتبر اليوم لائحة اتهام على الرد الكارثي لبوريس جونسون إزاء وباء كورونا، وبدرجة معينة أيضاً كتبرير للرد الكاسح والناجع الذي أوقف الوباء في الصين وكوريا الجنوبية.

الأوبئة نوع من الأحداث الكونية المظلمة، كانت دائماً مصدراً لنظريات تآمرية. ماركوس أورليوس، قيصر روما، التي كانت إمبراطورية وثنية، اتهم المسيحيين بالمسؤولية عن الوباء الذي انتشر في الإمبراطورية في الأعوام 165 – 180. في أوروبا المسيحية ألقيت تهمة الطاعون الأسود للقرن الرابع عشر على اليهود. المتهمون المتخيلون بوباء كورونا يتراوحون من الإشعاع المرافق لتكنولوجيا جي5 ومروراً بهندسة في مختبر صيني، ووصولاً إلى مؤامرة يهودية، لم لا؟ الادعاءات القائلة بأن الأمر متعلق بسلاح بيولوجي إسرائيلي، أو -حسب أشخاص يؤيدون تفوق العرق الأبيض في الغرب- بمؤامرة يهودية لتقليص سكان العالم أو بعملية لجورج سوروس تستهدف جمع الأموال من التطعيم عندما سيتم اكتشافه، هي ادعاءات لا تفاجئنا.

معظم الأوبئة تتشارك بأنها كانت نقطة الانعطافة في النظام القديم، ومقدمة لنموذج سياسي وحتى وجودي آخر، لنظام ثقافي واجتماعي مختلف. التاريخ يعرض في أحيان نادرة نقطة وحيدة وحصرية هي نقطة الانعطافة لوقائع أخرى، لهذا يجب التعامل مع تأثير الوباء كعنصر مهم وربما أيضاً حاسم، وليس حصرياً في التغيرات التي حدثت.

إن خيانة الآلهة في الوباء المضاد سرعت انتشار المسيحية في أرجاء الإمبراطورية الرومانية. وتخفيف القوة البشرية التي أجبرت الإمبراطورية على الاستناد إلى سكان بربريين للقيام بمهمات عسكرية ومدنية، أدى بعد عشرين سنة إلى منح المواطنة الرومانية لجميع سكان الإمبراطورية، وهي خطوة بشرت بنهايتها. ووباء جستنيان في منتصف القرن السادس أدى إلى ترسيم حدود تمدد الإمبراطورية البيزنطية، ومهد الطريق لاندفاع الزخم العربي الإسلامي إلى أعتاب أوروبا.

الطاعون الأسود الذي عايشه وكتب عنه الكاتب الإنساني الإيطالي فرنسيسكو بتراركا، غيّر الثقافة والحياة في العصور الوسطى، وقرب أوروبا من عصر النهضة بتسريع الانتقال من عالم يقف في مركزه الإيمان بالنظام الإلهي إلى عالم يقف في مركزه الإنسان كموضوع. ثم استمد الإصلاح البروتستانتي أصوله من صدع الوعي الديني الذي تسبب به الطاعون، وحتى الإنفلونزا الإسبانية التي لم تولد في إسبانيا فقد أثارت موجات من الغضب والاحتجاج، بل وانتفاضات وطنية. وفي الهند أيضاً التي أزهقت فيها أرواح نحو 18 مليون شخص، ساعدت في تبلور حركة الاستقلال ضد سلطات الإمبراطورية البريطانية.

ولكن كما قلنا، رغم التشابهات الكثيرة بين الأوبئة المعروفة، لا يظهر أن وباء كورونا سيحدث تغييراً نموذجياً عميقاً في النظام الاجتماعي والسياسي. بهذا المعنى، ثمة افتراض بأنه مثلما اقتضت الحرب العالمية الثانية العودة إلى الاقتصاد الكنزي لإعادة بناء أوروبا من دمارها، فإن الانهيار الاقتصادي لأيام كورونا ومستويات البطالة المخيفة التي تسببت بها ستقتضي تدخلات حكومية مكثفة، ولو من أجل الدفاع عن النظام السياسي والاجتماعي من الغضب الشعبي المتراكم.

لن تستطيع الحكومات في المستقبل القريب العودة إلى الميزانيات المتواضعة والخصومات التي اتبعت في العقود الأخيرة، والتي خلفت وراءها في الحالة الأوروبية عام 2008 جيلاً ضائعاً من الشباب العاطل عن العمل وعديم الأفق. الحرب العالمية قادت أيضاً إلى خلق دولة الرفاه الحديثة، ذلك أن الأرثوذكسية النيوليبرالية ضربتها بدون شفقة. وسيكون مطلوباً توازنات وتكيفات امتنعت الحكومات عن القيام بها -كما في إسرائيل في عهد نتنياهو، حتى في أعقاب الاحتجاج الاجتماعي في 2011 – لصالح إنجازات على مستوى الاقتصاد الكلي وتحقيق توقعات شركات تصنيف الاعتماد الدولية. ما زالت إسرائيل على رأس لائحة عدم المساواة في دول الـ OECD.

ربما سيتم إجراء تعديلات، لكن هناك شك كبير في تغيّر المقاربة التي ورثها وباء كورونا من الوباء المالي لسنة 2008. مبالغ المساعدة الضخمة التي ضختها الولايات المتحدة وأوروبا بعد 2008 استخدمت لإنقاذ أرباب المال في وول ستريت والبنوك والشركات الكبرى، وليس لإنقاذ اقتصاد الشارع الرئيسي. تم هذا باسم المبدأ الحديدي النيوليبرالي للانزلاق: فكرة أن ثمار النمو ستنقط باتجاه الأسفل. وهي فكرة لن تتحق يوماً ما.

وإلا فإن ترامب لم يكن ليجلس في البيت الأبيض على أكتاف ملايين أصحاب الياقات الزرقاء الذين تخلت عنهم العولمة النيوليبرالية. ولكن ترامب هجين لشخص متمرد على العولمة، وفي الوقت نفسه يقدس العنصر النيوليبرالي لها، بالتأكيد داخل حدود الولايات المتحدة. تخفيف الضرائب لأغنياء أمريكا والجشع في مراكمة رأس المال وعدم المساواة، وصلت في أمريكا إلى أبعاد مخجلة.

أما بايدن، إذا فاز بالرئاسة، فلن تستطيع ولايته اختراق الحصن الدفاعي للمؤمنين بالأخلاقيات الليبرالية الأمريكية، التي اعتبر الإصلاح الصحي المعتدل لبراك اوباما من قبلهم وكأنه ثورة شيوعية، ليحفظنا الله.

الأرثوذكسية النيوليبرالية لن تهزم في أوروبا حتى ولو أظهرت درجة أكبر من الحساسية الاجتماعية والتضامن بين أعضاء الاتحاد. دول مثل هولندا وألمانيا والشمال البروتستانتي بمجمله مع ثقافة ضبط النفس في الموازنة التي تميزه، سيواصلون إدارة معركة صد ضد الجنوب الكاثوليكي الذي قال عنه رئيس مجموعة وزراء المالية لكتلة اليورو، يارون ديسلبلوان الهولندي، في 2017، بأن سكانه “يبذرون أموالهم على الكحول والنساء، وبعد ذلك يأتون لطلب المساعدة”. في أزمة كورونا اضطر رئيس لومبارديا، اتيلي فونتانا، إلى تعزية نفسه بمساعدة من الصين وروسيا وحتى كوبا.

ملخص الأمر هو أن النظام النيوليبرالي تلقى من وباء كورونا ضربة خفيفة في الجناح، ولا يلوح في الأفق تغيير نموذجي عميق ومتواصل للنظام الاشتراكي – الديمقراطي. على العالم ألا يستهين بقوة الاستمرارية أو بقوة السياسة في قدرتها على صرف انتباه الجمهور عن احتياجاته الحقيقية وتحويلها إلى الاستمتاع بعظمة الزعيم، ومحاربة الأعداء الحقيقيين والمتخيلين من الداخل والخارج. وحتى الثورة الفرنسية الوثنية (التي كان لها دين بديل خاص بها) سقطت في النهاية في أيدي إمبراطور تم ترسيمه على يد بابا. “الدين”، قال نابليون، “هو الأمر الذي يحافظ على الجمهور هادئاً ويمنع الفقراء من قتل الأغنياء”، فقد اعتبر الدين سر النظام الاجتماعي وليس سر التجلي.

 وكما تطور النظام العالمي الليبرالي في أعقاب الصدع الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية، فقد استهدف أيضاً التخفيف من مركزية الدولة القومية عن طريق إنشاء أجسام فوق قومية مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ومنظمة الصحة العالمية، ومجموعة الفولاد والفحم الأوروبية التي تحولت بعد ذلك إلى الاتحاد الأوروبي. وفي العام 2000، كتعبير آخر عن سيطرة الإنسانية الليبرالية الغربية، تم إنشاء محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. إن سقوط الاتحاد السوفييتي في العام 1989 جاء في موازاة الإعلان عن “إجماع واشنطن” الذي يسود العالم في مركزه منطق بشأن الاقتصاد النيوليبرالي. ظهر العالم في حينه كمن يدخل في عملية خطية غير قابلة للوقف، إلى داخل العولمة.

في أزمة كورونا ظهرت العولمة على صورة حرة لانتشار الفيروس في أرجاء العالم، بل وتآكلت مبادئها الأساسية بدرجة كبيرة حتى قبل الوباء. العمليات اللامركزية (المضادة للعولمة) التي راكمت الزخم مع انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقات التجارة الدولية ومن اتفاق باريس لمحاربة التغيرات المناخية، تبدت أيضاً في تآكل التضامن بين أعضاء الاتحاد الأوروبي في أزمة 2008، كذلك في الحدود التي أقامها الإرهاب في قلب أوروبا خلافاً لميثاق شنغن، وبالقومية القروية للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.

لا يدور الحديث فقط عن دفع أوروبا الخاوة الوطنية للولايات المتحدة، فقد لعبت الصين دائماً دوراً مزدوجاً مع العولمة باحتلالها أسواق العالم وغلق أسواقها. لم يخطئ ترامب في تشخيصه لها، بل أخطأ بافتراض أنه إذا أوقف الاستيراد من الصين فسيعزز الإنتاج المحلي. العجز التجاري في الولايات المتحدة بقي على حاله، لأن المشتريات الأمريكية أصلاً تمت من دول أخرى.

لهذه العملية لاعبون رئيسيون آخرون مثل الهند ذات القومية المتطرفة، وروسيا التنقيحية، والبرازيل، والديمقراطيات غير الليبرالية والدول الأوروبية المشكوك فيها في شرق أوروبا. هذه، والتحدي الكبير جداً للنظام الليبرالي، وثقافة العولمة التي تمثل حركات مثل “البديل لألمانيا”، و”الجبهة الوطنية لمارين لوبن” في فرنسا، وحركات مماثلة في كل دول القارة (أوروبا)… يكملون صورة الاندفاع سريعاً للعودة إلى النظام العالمي الوستفالياني الذي في مركزه دولة القومية وميزان قوى عسكري واقتصادي.

ألمانيا، محرك المشروع الأوروبي، تغلبت بصورة تثير التقدير على الميراث القاسي لكراهية الآخر في عهد النازية. ولكنه السبب في فتح الأبواب لإعادة الازدهار للبديل النازي الجديد. مليون مهاجر مسلم كانوا هدية المستشارة أنغيلا ميركل لليمين المتطرف في بلادها. التناقض المفاهيمي في أزمة كورونا، وباء عالمي في عالم تنفتح فيه الحدود وتعالج بصورة حصرية على أيدي دول القومية، كل واحدة على حدة – يعكس صورة العالم الذي ولد داخله هذا الوباء بل وترسخه. دعوة لتقليل الاعتماد على سلسلة التجارة العالمية، التي سمعت قبل الوباء، تجد صحتها في هذه الأيام. دولة القومية عادت لتكون – هي دائماً كانت هكذا – المدافع الفوري والنهائي للمدنيين الخائفين حتى الموت.

لقد تم تحويل تعددية الأطراف المستنيرة إلى صراع جامح لا هوادة فيه للحصول على المعدات الطبية لشعبنا، حتى لو كان على حساب شعبهم. أيضاً “الهرب من الحرية” الذي كتب عنها اريك فروم – تفضيل الحياة والأمن على الحرية الشخصية – الذي وجد تعبيره قبل الوباء في صعود حركات وأنظمة ديكتاتورية.. يتم استغلاله جيداً من قبل زعماء، ليس فقط في الصين وروسيا، من أجل تقليص حرية المواطن ولمزيد من تقويض أسس الديمقراطية.

“رأسمالية المتابعة”، تأسيس عمالقة التكنولوجيا يعطي أدوات هائلة لمهمة السيطرة على المواطنين. في إسرائيل وصل خداع الخوف من الفيروس إلى أبعاد خطيرة عن طريق رئيس الحكومة الفعلي، حتى أنه وصف نفسه بـ “الشخص الفريد” – مثل ما فعل موسوليني والعديد من أمثاله – ويستخدم أدوات السيطرة هذه من أجل التجسس على مواطنيه، ربما نقول رعاياه. تحت غطاء كورونا هو هدد بعصيان مدني إذا تجرأت المحكمة على منعه من تشكيل حكومة، ولكن كما قلنا.. نتنياهو نسخة محلية من ظاهرة آخذة في الانتشار.

حربان عالميتان في القرن العشرين أثبتتا أن النظام العالمي المبني على المركزيات الوطنية، لا يستقيم مع التطلع الطبيعي للسلام والأمن. الاتحاد الأوروبي ولد من خلال هذه العبرة، ولو أن زعماء أوروبا في مؤتمر السلام في فرساي كانوا أصغوا لنصيحة جون ماينرد كينز، التي قد نجدها في مقالته القصيرة في 1919 “تداعيات السلام الاقتصادية”، لكانوا منعوا اندلاع الحرب العالمية الثانية. لقد توسل إليهم لدمج ألمانيا بدلاً من الانتقام منها، والتركيز على بناء اقتصاد أوروبي مشترك حيث إن الوطنية المتزايدة والمحاسبة القومية-شرح لهم-  هما مستشاران سيئان لعصر السلام.

لم يتعلم طلاب جادون، الدرس إلا بعد الحرب العالمية الثانية الرهيبة، التي أزهقت أرواح عشرات القتلى، ومن بينهم كل يهود أوروبا تقريباً. لم يكن الاتحاد الأوروبي ينوي إلغاء دولة القومية، بل تحويلها إلى قوة حميدة، خلية داخل نظام إقليمي مبني على التعاون وعلى شطب خيار الحرب من جدول الأعمال.

ما زال هذا التوازن المراقب حيوياً اليوم أكثر من أي وقت مضى من أجل بقاء الحضارة، وفي الحقيقة بقاء وجود هذا الكوكب الذي خربناه بأيدينا. أجل، لا توجد طريقة أخرى عدا عن التعاون ما فوق القومي من أجل محاربة الخطر الأفظع من كل وباء – كارثة تغير المناخ، التي تحظى براحة في أيام كورونا هذه بفضل الانغلاق المذعور للإنسان في البيت. باختصار، الطبيعة ليست بحاجة إلى الإنسان كي توجد، بل الإنسان هو الذي بحاجة إلى الطبيعة لبقائه. وسينتصر في المعركة إذا لم يصر على استنساخ طريقه في محاربة كورونا- التمترس خلف الأسوار الحامية لدولة القومية، وكذلك في النضال ضد تغير المناخ.

بقلمشلومو بن عامي

هآرتس 8/5/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية