بعيداً عن الحرية قريباً من الحب

حجم الخط
0

‘القمر البعيد من حريتي’ عنوان مجموعة شعرية جديدة للشاعر والناقد السوري لقمان محمود، نشرت عن دار سردم للطباعة والنشر في السليمانية إقليم كردستان العراق عام 2012.
في هذه المجموعة التي زادت قصائدها عن الأربعين قصيدة يواصل الشاعر لقمان
مسيرته الشعرية التي بدأها منذ مجموعته الأولى ‘أفراح حزينة’ التي صدرت في دمشق عام 1990.
ويبدو أنه وفي مع أدواته الشعرية وعالمه الخاص الذي بناه بالاتكاء على حب مغدور
سرعان ما أصبح تيمة لم تغادر قاموس الشاعر في أي من مجموعاته اللاحقة.
ففي هذه المجموعة أيضاً يتداخل السرد مع الإيقاع الشعري فيبدو الشاعر وكأنه يحكي قصة كما في قصيدته ‘سلالم لصعود الموتى’ :محتشداً بالموت أصعد سلالم الغيبوبة لأخبر أمي كي لا تنتظر سنابلها.
بعد هذه البداية التي تنذر بكارثة وشيكة تنزلق القصيدة، وربما تصعد، إلى سرد قصصي بلغة تعبيرية جميلة يحكي فيها الشاعر قصته مع أمه التي كانت تراقبه في لحظات الكتابة:
‘كانت أمي واقفة تحدق في أصابعي’.
ورويداً رويداً نجد أنفسنا وقد استسلمنا لإغراء السرد ودخلنا عوالمه السريالية
التي تختلط بالذاكرة المشتعلة التي تكاد تصر على الحضور في كل النصوص التي كتبها شعراء عامودا، أقصد حادثة حريق سينما عامودا في بداية ستينيات القرن الماضي.
في قصائده الأخرى التي غاب عنها السرد القصصي، نجد لقمان محمود مهتماً
بالابتكار، ابتكار الصورة الشعرية من كلمات بسيطة بساطة الماء، ويصطدم المرء
بهذه القدرة الكبيرة في كثافة التعبير:
باب غرفتي ما زال بانتظاري الجدار ما زال يتأمل في الجدار المقابل
فقط السقف-على غير عادته – منهمك في امتصاص العتمة.
من قصيدة ‘سيرة الليل’ وتتلامس كثافة التعبير هذه حدود الوجد الصوفي أحياناً فنجد الشاعر منجذباً إلى قاموس العشق الإلهي مستعيراً مفرداته:
تحترق الفراشة إذا تعبت في جناحيها النار.
***
كل عري له ما يستره إلا العارُ: لباسُهُ موته.
من قصيدة ‘قالت دلشا’.
وللحب في شعر لقمان مساحة واسعة منذ البدايات الشعرية، الحب في قصائده انعكاس لتجربة عشق حقيقية أشعلت بين يديه جذوة الشعر التي أحرقت كل أصابع قلبه ولم يتركها، لقد صاغته تلك التجرية شاعراً من طينة جديدة قوامها الألم والحزن
والخيبة والانكسار وانتظار السنوات الطويلة لعودة الحب. ولعل مفردة ‘قشرني
الحب’ التي استخدمها الشاعر في قصيدة ‘أسرار الشتاء، بعض أسراري’ ما يدل على أن الحب كشفه للألم وعرَّاه وسرق منه قلبه :
حينما قشَّرني الحب وأنا مراهق كانت أمي بمثابة قلبي.
وحين يوغل الشاعر لقمان محمود في سرد محنته وقصة حبه، يشعرنا أن ثمة من أراد أن يدمر هذا الحب لكنه أصبح خالداً:
دلشا، الأيدي الباردة للأصدقاء لم تخجل من دفء هذا الحب ضحكة الطعنات لم تخجل من حزن هذا الجرح كل ما حصل :أن هذا الحب صار أكثر خلوداً.
وفي قصيدة ‘مسافة عذراء’ التي تختصر كل ألمه وحزنه نجد هذه الجملة الشعرية
المفعمة بالقسوة والأسى:
من كثرة الحنين نبتت في أضلعي الأجنحة ستصلك أنقاضي لتعانق فيك الخراب.
هو هكذا، الحزن يخالط حبه، يعيده اليأس ليقتات بالذاكرة فلعلها تمنحه بعضاً من
القوة لمواجهة الذبول:
إذن، لا شيء يثير الحب في هذا الزمان لا شيء يا إلهي سوى وردة ذابلة لا تتيبس تدعى الذاكرة.
من قصيدة ‘عشاق.’
هكذا نعود إلى النقطة التي بدأنا منها:
لقمان محمود سليل الحرف الناري، يكتب الشعر كما لو أنه بالفعل يسرد قصصاً لن
يصدقها أحد سواه وسوى حبيبته التي عرفت معه معنى الانتظار المر المديد، وعرفت معه معنى أن يتحول الحرف المنسي إلى جمر يحرق روح حامله ليتحول إلى رماد مشتعل إسمه الشعر في زمن تحالف فيه الكل لوأد الشعر وإبادة الشعراء..

القمر البعيد من حريتي
لقمان محمود- شعر
دار سردم 2012
السليمانية إقليم كردستان العراق.
لقمان محمود

-عضو اتحاد الأدباء الكرد فرع
السليمانية.
-عضو نقابة الصحفيين الكرد في اقليم
كردستان.
-يعمل محررا في مجلة سردم العربي.
مؤلفاته:
-أفراح حزينة. شعر، دار دانية. دمشق 1990
-خطوات تستنشق المسافة: عندما كانت لآدم أقدام. شعر. منشورات النسر الأبيض. بيروت 1996 .
دلشاستان. شعر. دار الحداثة، المغرب 2001.
إشراقات كردية. كتاب نقدي. السليمانية. كردستان. 2009
مراتب الجمال. كتاب نقدي. دار سردم. السليمانية إقليم كردستان.
ترويض المصادفة. كتاب نقدي. منشورات كتاب بلا حدود. العراق. 2011
-شرارة الاناشيد القومية في الغناء الكردي. من منشورات اتحاد الادباء الكرد في السليمانية عام 2012.
-اتابع حريتي (شعر) من منشورات اتحاد الادباء الكرد المركز/هولير 2013
-تحولات النص الادبي. دار مارغريت، السليمانية.
-البهجة السرية: انطولوجيا الشعر الكردي في غرب كردستان. منشورات سردم للطباعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية