سليم عزوز قضيت إجازة العيد في الصعيد، كم هي جميلة الحياة بعيداً عن إزعاج الفضائيات ما ظهر منها وما بطن، إذ كان بالقرب منا توجد حالة وفاة، فتم إبعاد أجهزة التلفزيون عن أيدي غير المبالين بالعادات والتقاليد، وعلى أيامنا كان الحداد بعدم أكل اللحوم وبإغلاق الراديو والتلفزيون، لمدة أربعين يوماً، وعدم ‘مص’ أعواد القصب، وحتى ‘يربعن’ الفقيد، وقد تم اتهام الرئيس محمد مرسي بالفشل قبل أن ‘يربعن’ في السلطة، بل ومن قبل أن يدخل القصر الجمهوري!أهل الميت قد يستمر حدادهم لمدة حول كامل، بحسب السن والمكانة، وهناك من يموتون فيضيق قومه بالحداد عليه ولو لمدة يوم، لأنه يكون في الغالب قد عاش أكثر مما ينبغي كحسني مبارك. وأنا أقاطع التلفزيون عندما أسافر الى مسقط رأسي بالصعيد الجواني، وفي هذه المرة قاطعت الإعلام عموما، فلم اقرأ صحفاً ولم أتابع الأخبار، وقد أردتها إجازة انقطع فيها عن العالم، لكن العالم جاء إلينا، فالناس لا حديث لهم الا عما تبثه الفضائيات.. وفي أيام الثورة كنت أسأل هل وصلت الثورة الى الصعيد وكانت الردود بالنفي، لكني بعد هذا سافرت لمدة ثلاثة أيام وعدت من هناك اطمئن الذين يبدون تخوفاً من ان يعود الفلول الى البرلمان بفعل أهل الصعيد، بأن أهلنا سيلقنون الفلول درساً لن ينسوه، وقد كان. وفي الانتخابات الرئاسية تفوق الدكتور محمد مرسي على مرشح النظام القديم في الصعيد، ولا يبدو إن هذا أو ذاك لديهم اهتماماً بأي قدر به، إلا في الخطب والكلام الإنشائي، وقد كان المخلوع يتحدث في كل خطاباته عن تنمية الصعيد، ومع هذا فان النظرة الخاطفة من جانب حكمه للصعيد كانت بسبب الإرهاب، ولأن كثيرا من أبناء التنظيمات الدينية كانوا من الجنوب!يحسب للفضائيات انها نقلت الثورة بتجلياتها وتداعياتها الى كل مكان، فكانت السياسة حديث الناس، وقومي قبل الثورة لم تكن قد ظهرت عليهم اهتمامات سياسية، لكن السياسة صارت لهم بفضلها كالماء والهواء.. أحدهم سألني: لماذا لم نعد نراك في التلفزيون؟ ورد عليه احدهم بأنني ظهرت بالامس على النيل للأخبار. وقد ذهبت للأستوديو قبل سفري مباشرة، لكي أملأ الفراغ.. فمن هذا الذي يتفرج على برنامج سياسي والمسلسلات المختلفة في حلقاتها الأخيرة، وقد فوجئت بأن كثيرين قد شاهدوا البرنامج، ربما لأن المشاهدين عزفوا عن مشاهدة المسلسلات، لأن مشاهدتها تبعث على الملل، فعمليات التطويل هي القاسم المشترك في كل المسلسلات، والعمل الذي لا يستحق أكثر من سبع حلقات تم النفخ فيه ليصبح ثلاثين حلقة، لأن الحساب يتم بالكيلو متر وليس وفق حسابات الجودة.هذا فضلا عن أن مشاهدة حلقة واحدة قد تكون سبباً في أن ‘يطب’ المرء ساكتاً بفعل السكتة الدماغية، فالحلقة تتخللها فواصل إعلانية لأكثر من نصف ساعة وفي مرات كثيرة أنسى أنني أشاهد المسلسل والذي لا أتذكره إلا عندما يعود بعد غياب، وبعض المسلسلات كنت أشاهد حلقة وأتجاهل ثلاث أو أربع حلقات، وعندما أعود أكتشف انه لم يفتني شيء من أحداثها للبطء و’للمط والتطويل’.ومشاهدة بعض الإعلانات عندي أهم من مشاهدة العمل الفني، فاعلانات لواحدة من شركات المحمول أكثر جاذبية من كثير من الأعمال الدرامية، ومن يعرف مخرج هذه الإعلانات يبلغه تحياتي!عندما سألني لماذا لم نعد نشاهدك في التلفزيون؟.. ورد احد الحاضرين بأنه شاهدني قبل يوم في ‘النيل للأخبار’ اعترف السائل بأنه في حالة ‘قرف عام’ من التلفزيون ولهذا فانه يقاطعه، فقد كانت برامجه السياسية سبباً في إصابته بالهلع، وعباد الله الصعايدة على درجة عالية من الحساسية، على عكس مما تصورهم الدراما التلفزيونية عنهم، وأحد الذين اهتموا بهذا اللون من الدراما وجري التعامل معه على أنه خبير، هو وان كان من الصعيد فقد ولد وعاش بمحافظة الإسكندرية، وقد كون رؤيته عنه ‘سماعي’، وربما جاءت أول زيارة له لمسقط رأسه بعد ان اشتهر بكتابة الدراما الصعيدية.أعرف واحداً من أهل الصعيد ظل يشاهد برنامج ‘رئيس التحرير’ لحمدي قنديل ويتأثر به، وكان ان تعرض لأزمة قلبية وأجري له على أثرها عملية ‘القلب المفتوح’ وقد نصحه الطبيب ان يتوقف تماماً عن مشاهدة هذا البرنامج وانه ان فعلها فعليه ان يقطع علاقته بعيادته ولا يراجعه مرة أخرى!برنامج حمدي قنديلويأسف المرء لأن عودة حمدي قنديل للتلفزيون المصري ليست مطروحة على جدول الأعمال بعد الثورة، وكان من الطبيعي ألا يعود في الفترة السابقة، لأن العسكر الذين حكموا البلاد لمدة عام ونصف العام كانوا جزءا من نظام مبارك وليست لهم أدنى صلة بالثورة ومطالبها، ولهذا جاءت اختياراتهم على نفس القواعد التي كان المخلوع يختار على أساسها، وقد دهشت لأن رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وأحد مخلفات عهد ما قبل الثورة، ومن عينه المجلس العسكري في هذا المنصب الرفيع، لا يزال في موقعه، وقد وقفت على هذا في دعوة للإفطار دعا إليها وزير الإعلام الجديد صلاح عبد المقصود رؤساء تحرير الصحف، وعددا من مقدمي برامج ‘ التوك شو’، وقد طلب الوزير فيها من الصحافيين هدنة من النقد، وانبرى أحدهم يؤكد على عظمة الوزير ومدى سعادته لأن يكون وزير الإعلام زميلا له، وانه وبالنيابة عن جميع الحضور سيقف بجانب الوزير!قبل شهر من هذا اللقاء الطيب المبارك وقف نفس الزميل وقد تمدد بالحرارة وانكمش بالبرودة وقال للرئيس محمد مرسي نحن لا نخاف منك، فالصحافة هي السلطة الرابعة، والسلطة لا تخاف، ولا نريد ضمانات منك، وكانت مخاطبة الرئيس بـ ‘ أنت’ ومخاطبة صلاح عبد المقصود بـ ‘معالي الوزير’، مع أن ألسنة كثيرين لم تكن مدربة على ان تناديه بمعالي الوزير فسبق البعض اسمه بلقب ‘ الأستاذ’ كما كانوا يخاطبونه وهو وكيل نقابة الصحافيين.في المسافة ما بين الحدة والمرونة، وبين ‘أنت’ و’معالي الوزير’، سقط حكم العسكر، وذهب المشير الى أهله يتمطي، والمتابع لا يحتاج الى مزيد من الجهد ليقف على ان العسكر هم من كانوا يقفون وراء حملة الإبادة الإعلامية التي تستهدف ‘استهياف’ الرئيس.النظام الساقط منع برنامج حمدي قنديل وطارده: زنقة زنقة.. فضائية فضائية، وإذا كان طبيعياً ألا يعود في ظل حكم العسكر باعتبار ان حكمهم هو الامتداد الطبيعي لحكم مبارك، فان المرء يأسف لأن أحداً لم يعد يهتم بعودته الآن، ووزير الإعلام محسوب على الثورة.. ولا شأن لمثلي بتصنيفات جماعات التكفير والهجرة الثورية التي لا تحسب الإخوان ضمن قوي الثورة، فهؤلاء لو اتبعنا أهواءهم للنهاية لقاموا بحسابنا جميعاً على الفلول.في حفل إفطار الوزير غاب حمدي قنديل وقفت هناك على ان ذات الشخص الذي تفاخر ذات يوم بأنه من منع برنامج قنديل من التلفزيون المصري لا يزال حتى وقتنا هذا رئيساً لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، وكان حينها رئيساً لقطاع الأخبار وقد اصطفاه الرائد متقاعد صفوت الشريف وقربه، ولأننا في هذه المرحلة كنا نعرف نوعاً من المعارضة التي يقوم عليها الخدم في البيوت، فقد قبل رئيس القطاع ان يتحمل التهمة نيابة عن الوزير، وكما هو حاصل في عالم الجريمة عندما ينبري احد صبيان المعلم، تاجر المخدرات، ليعلن بالنيابة عن سيده انه من يقوم بارتكاب جريمتي: الترويج والتعاطي، وهو ما ذكرناه في حينه.المعارضة المسموح لها بالعمل في عهد مبارك كانت تقوم بتحييد الرئيس وتحييد مراكز القوى في نظامه وتعليق التهم في رقاب كبار صغار الموظفين، فهذا الوزير أخطأ عندما فعل كذا، ‘ونحن على ثقة بأن الرئيس لن يرضيه هذا’.. ولأن منع برنامج حمدي قنديل كان أمراً إذاً حينئذ، فقد وجد المعارضون الذين تربوا في ‘حظائر النظام’ في ادعاء ثروت مكي انه من فعلها ما يرفع عنهم الحرج، ليهاجموا الصبي ويتركون المعلم، فلم يكن بمقدور احد إلا العبد الفقير الى الله أن يقترب من رحاب الرائد المذكور بشطر كلمة، ولم يكن مقبولاً أن يسكتوا على منع برنامج ‘رئيس التحرير’ وهم يحسبون أنفسهم على المعارضة، لذا فقد صبوا جام غضبهم على ثروت مكي رئيس قطاع الأخبار بالتلفزيون، فهو من اعترف بأنه منع برنامج ‘رئيس التحرير’ مع أن الجنين في بطن أمه يعلم أن الرجل يظلم نفسه ولاءً لسيده!ثروت مكي تم ابعاده بعد ذلك وجيء بعبد اللطيف المناوي الأقدر على نقل رسالة التوريث للرأي العام، وبلعها مكي ولم يشك، وفي ظل حكم العسكر ترقي ليكون رئيساً لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، وقد نسيته وتذكرت وجوده عندما ذكر وزير الإعلام اسمه في حفل الإفطار، ومن عجب ان اسمه لم يمثل للحاضرين مشكلة!تغييرات تلفزيونيةلا بأس فقد قرأت للوزير تصريحات تفيد ان تغييرات ستحدث قريبا داخل اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وتم طرح اسم القائم على قناة ‘مصر 25’ الاخوانية ليكون رئيساً لقطاع الأخبار، ربما تكريماً له على النجاح الغير مسبوق في فضائية الإخوان، وربما اعتبر البعض ان ما فعله فيها إنما يمثل انجازاً عبقرياً، فقد نجح بحول الله في أن يحول الأنظار عنها فلم يكن بمقدور احد ان يتحدث عن ان الإخوان يملكون فضائية في مصر، وسيصبح بالتالي جلبه من هناك مفيداً لأنه عندما يصرف الأنظار بشكل تام عن تلفزيون الريادة الإعلامية لا يكون في مقدور احد ان يقرر ان الوزير فشل في مهمته، وقد نفي الوزير في وقت لاحق الاستعانة بعبقري ‘ مصر 25’ وأكد على ان التغيير قادم لا ريب فيه.يقال ان الإخوان وبعد فشل ‘مصر 25’ قرروا إنشاء فضائية جديدة وبالاستعانة بوضاح خنفر المدير العام المقال للجزيرة، وهو شخصية اخوانية، استلم عملاً ناجحاً وظل يعبث فيه ولا يُري العاملين معه إلا ما يرى، وطرد الكفاءات، وكان يهتم بمن يشاهدونه فيهرولون الى مصلى القناة، فالتقييم كان على الولاء الذي يحدده كثرة الخُطى الى الزاوية، ولو صح هذا لصرنا أمام مشكلة مركبة فخيرت الشاطر ليس مؤهلا بالفطرة للتعامل مع النجوم وقد صفى الجماعة منهم، وحرض غير المعروفين على تخطي الرقاب، على نحو جعل رئاسة مجلس الشورى من حظ ونصيب من لم نسمع باسمه من قبل وجاء به من المجهول، بعد أن أبطأ بالمنافس عمله وأسرع بالمختار نسبه، يقولون انه صهر سعد الكتاتني الذي اختير من قبل الشاطر رئيساً لمجلس الشعب مع أن كلا من عصام العريان ومحمد البلتاجي اعضاء في البرلمان. جانب من المشكلة مرده الى أمر غيبي، وأنا مؤمن بالغيبيات، فكل من غادر الجزيرة لم يوفق في مكان آخر، والأمر مرده عندي الى انه قد تم دفن ‘عمل سفلي’ تحت عتبتها، وكل من مر عليه كتب له النجاح داخلها وعدمه خارجها، والوحيدة التي ستمثل استثناء من هذه القاعدة هي جمانة نمور التي جرى اختيارها مذيعة بقناة ‘الغد’، فهي كانت تدخل وتخرج من باب جانبي فلم تمر من فوق ‘العمل السفلي’!ما علينا، فما اكتشفته في مسقط رأسي ان البعض تأثر ببرامج ‘التوك شو’ وما يثار فيها، والي حد ان صاحب قناة ‘الفراعين’ الذي كنا نشاهده على قاعدة ان القلوب تمل، صار مؤثراً وهناك من يرددون كلامه وهو في كامل الجدية، والبعض يستكثر على الرئيس القرار المهم في تاريخ مصر الثورة وهو انهاء حكم العسكر، فيقول استناداً الى هذه البرامج ان قرار العزل تم بالتراضي بين كافة الأطراف.لقد ظللت أربعة أيام في بلدتي أدافع عن محمد مرسي كما لو كنت من شيعته مع اني من ‘الناس التانيين’ على رأي عادل إمام، لكن عندما تكون الثورة المضادة في مواجهة الرئيس فأنا مضطر لأكون معه.. مجبر انا لا بطل.صحافي من مصر[email protected]