بعيدا عن الثأر.. قريبا من الثورة

حجم الخط
0

فؤاد أبو حجلةفي روايته الأهم والأكثر انتشارا ‘الحب في زمن الكوليرا’ يقدم غابرييل غارسيا ماركيز خلاصة رؤيته للحب كقدر لا فكاك منه في جملة واحدة لحظها النقاد النبهاء الذين استطاعوا وضع أول كلمتين في الرواية مع آخر كلمتين فيها في جملة واحدة تقول ‘لا مناص.. الى الأبد’. كان في هذه الجملة سر الكتاب وسحره، ولكل كتاب سره الخاص الذي يخبئه الكاتب المحترف بمهارة تلقائية بين ثنايا اللغة، سردية كانت أم شعرية. وإذا كان الروائي يستطيع اللجوء الى خياله لرسم نهايات الحكاية، فإن الرواي المحكوم بصدقية السرد يلجأ الى خدعة اللغة ليقدم رؤيته الخاصة في عنوان كتابه. ولعل هذا ما فعله نبيل عمرو في كتابه ‘ياسر عرفات.. جنون الجغرافيا’، فقد أراد الكاتب أن يبتعد عن المألوف في هذا النوع من السرد، وأن يستعين بذاكرة عينيه وأذنيه ليقدم قراءته الخاصة لتجربة معقدة بقدر عبقرية صاحبها، الرجل الذي لم يمت سحره بموته المفاجىء.في الجزء الأول من هذا التوثيق لتجربة عرفات، يقدم نبيل عمرو نصا سهلا ممتنعا يغلف الوقائع بالتفسير الذاتي لدوافعها، ويجمع في هذا العمل بين موهبة الكاتب المحترف واستنتاجات السياسي المحترف في تناغم طبيعي بعيد عن التصنع، متحررا من الشيزوفرانيا التي هيمنت على المنتج الكتابي للكثيرين من أقرانه.كنت ممن قرأوا مسودة الكتاب قبل صدوره، وقد انتابتني هواجس ومخاوف من خروج نبيل في هذا الكتاب عن أسلوبه المعهود في الكتابة واستسلامه لنوازع السياسي الخارج من معارك كسر العظم بمرارات لا يشعر ببعضها الا من عايشوا تجربته السياسية، ولو فعل لكان ذلك مفهوما ومبررا وإن لم يكن مقبولا. لكنه آثر الالتزام بدور الراوي ـ السياسي ـ الواقعي، مبتعدا عن أسطرة ذاته، ومنسجما مع حقيقة أن الكتاب ليس سيرة ذاتية بل قراءة لمرحلة توزع أبطالها على امتداد جغرافيا العمل الفلسطيني. ولعلني أعترف في ذات السياق بأنني أحاول تمثل إحساسه في الكتابة لأتحرر في هذا العرض من انحيازي له ككاتب وكسياسي وكمناضل.حاول نبيل أن يتحدث عن عرفات من خلال جنون القائد التاريخي بالجغرافيا، وكان في هذا السرد يتحدث عن الآخرين من أبطال الدراما الفلسطينية، فلسطينيين كانوا أم عربا، من خلال جغرافية الجنون، وهي مساحة الفعل السياسي في مرحلة كان فيها كل شيء متطرفا في شرق قيل لنا إنه ‘أوسط’.هكذا مارس الكاتب حرفيته السياسية من خلال اللعب على اللغة، في وصفه للمرحلة وفي تفسير بعض محطاتها المحيرة، وكأنه يريد القول إن المنطق ينبغي أن يغيب تماما عن قراءة الفعل ورده في زمن الجنون، لكن هذا الاستنتاج جاء مكثفا في سرد منطقي! وهنا يكمن سر الجمع بين الكاتب والسياسي في نص واحد.ولأنني أعرف الكاتب عن قرب، فإنني أوقن أنه لا يتصنع هذا الجمع ولا يحاول الايحاء برزانة غير أصيلة في النص وفي النفس، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعترف في استهلاله للكتاب بأن ما يقدمه هو انطباعات شخصية تولدت لديه من خلال معايشة القائد عن قرب في لحظاته الحلوة والمرة.بطريقة أو بأخرى كان نبيل عمرو في أجزاء كثيرة من هذا السرد التوثيقي يكتب عن تجربته الذاتية من خلال الآخرين، وكان أيضا يكتب عن تجارب الآخرين من خلال رؤيته الخاصة التي يعترف بأنها تحتكم الى العقل أكثر مما تحتكم الى الحواس، فلم ينزع الى المبالغة في الوصف رغم إغواء المبالغة في وصف لحظات تختزل قدرا كبيرا من الدهشة حين تقدم الموت الفردي وكأنه تفصيل صغير في مشهد الموت الجماعي الذي بدا وكأنه قدر الفلسطيني في حله وفي ترحاله.هكذا، وبلغة سهلة يصف نبيل مثلا نجاة القائد العام من الموت الصعب في بيروت، وفي أقل من مائة كلمة ينتقل الكاتب من وصف مغادرة ‘أبو عمار’ بسيارة مقاتل فتحاوي منطقة استهدفها الطيران الاسرائيلي قرب فرن ساقية الجنزير إلى وصف فلسفة القائد في الصمود، قبل أن ينتقل وبسلاسة لا تخلو من الدراما الى وصف الموقف الدولي من صمود القائد عبر رسالة قرأها عرفات أمامه في ملاذ آمن.استوقفتني رواية نبيل لتلك الحادثة، وحرصه على نقل حوار قصير بين القائد العام ومواطن كان واقفا في طابور الخبز وسأل عرفات: إلى أين بعد بيروت؟ فرد القائد: إلى فلسطين. بالطبع، كان رد القائد على هذا السؤال قد تحول إلى شعار لعرفات، ولم يكن نبيل بعقله الاستراتيجي مغرما بالشعارات التي يراها مجافية للواقع، لكنه استعاد هذا الحوار ليوصلنا من دون أن يفصح عن ذلك مباشرة إلى حقيقة أن الشعار ليس دائما خياليا، فقد عاد عرفات إلى فلسطين.. وعاد معه نبيل.في موقف آخر وموقع آخر يستعيد الكاتب ما قاله القائد عن الخروج من بيروت تحت ضغط دولي: ‘لقد أبلغت المجتمعين بقراري مغادرة بيروت، ورجوتهم إمهالي بعض الوقت كي أتدبر أمر الخروج بصورة لائقة. كم تمنيت لو أن بيروت مدينة فلسطينية، فلو أنها كانت كذلك، لما غادرتها أبدا’. وفي هذه الاستعادة يبدو الكاتب وكأنه يعود إلى البدايات.. بداياته في فتح والمقاومة، حين كان ما يسمى الآن مغامرة غير محسوبة يعتبر حكمة ثورية.وفي الكتاب استعادات أخرى لوقائع يبدو الكاتب من خلالها وكأنه يستعيد شبابه ويحن بوعي السياسي والمثقف والكاتب صاحب نموذج النضوج النضالي إلى فتوة الموقف الثوري الذي تأسس عليه هذا الوعي.بتفكيك النص يمكن الوصول إلى خلاصات كثيرة يستدل القارىء منها على أن المآلات لم تكن قدرا بقدر ما هي نتائج منطقية لسياسات وقرارات صنعت في لحظات صعبة، وكان صاحبها يقف على حواف النهايات ليضع أقدامه على عتبات بدايات جديدة في جغرافيا كانت تضيق وتتسع لتمنحه حرية الحركة لكنها كانت دائما تحرمه من التأصل فيها، فيرنو بعينيه وقلبه وقراره إلى أم الجغرافيا.. فلسطين.وفي فلسطين التي غادرها عرفات ‘شهيدا حيا’، يكتب نبيل عن ما مضى متحررا من حصار المرارة.. بعيدا عن الثأر قريبا إلى الثورة.*كاتب وصحافي من الاردنqadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية