بغداد… لا تشكو ولا تعاتب

من بعد كل الحكايا تعود شهرزاد لكتابة قصة نديمتها (جنائن) التي سبقت أبجدية وجود ألف ليلة وليلة…
شهرزاد: يوم تعارفنا (جنائن) كانت تحمل اسم حقيقتها (بستان الرجل)، كانت حرة من غير أسوار ولا أصفاد، ولم تظفر صفحات التأريخ من اعتقالها، ولا الحروب من إدراجها على لائحة عناوين مدنها المدمرة.
أشرقت حياة (جنائن) على حب كبير حين انساب نهر جميل يستبيح بأمواجه كيانها، ونسجت تعاريجه في تضاريس الفاتنة فصولاً من الأسطورة. روح الموسيقى وشدو ألحان سيمفونية (متتابعة شهرزاد) للملحن الروسي كورساكوف، وبعزفها تعود رائحة الشرق الهاربة من الفوضى لتتصالح مع التأمل. تسرد البارعة شهرزاد إيقاعات رحلة السندباد، وصخب الخليج، ثم تعزف لحناً راقصاً بالسعادة، وإيقاعاً آخر منشداً (ألف ليلة وليلة) همس شهرزاد وأوتار (الهارب) يقر بأن طالع (جنائن)… صدق الإحساس في الحركة الرابعة نسج (جنائن – بغداد) الملونة بتعدد التنقلات… مثل تحطم السفينة، وغرق بغداد في إيقاع الدهشة.
وتنشد المغنية والعازفة الاسترالية (تينا أرينا) بغداد لا تشكو ولا تعاتب أحداً غير صديقتها شهرزاد، التي تناستها في هذه المحنة، ولم تعد تتفقدها.. آلاف الخلفاء تزاحموا ليشاهدوا رقصي، كانوا يسمونني مدينة الحضارة، يا إلهي كيف يمضي الزمن… يمضي الزمن وبغداد تبتهل إلى الصمت ألا يغادرها، وإلى ظل الريح ألا يقبض على أنفاسها.. بغداد تعاني الخذلان المزمن، ولكنها لا تستجدي نظرات الطارئين، ولا تهتم لعبث العابثين، ولا تبعث برسائل شكوى، ولكنها لا تخفي عن شهرزاد نبض قلبها..
يا شهرزاد لمَ تناسيتِ بغداد؟

بغداد تتطلع لمغادرة إيقاع الدهشة. من وسط الفوضى ستشرق عازفة الزمن الأول على هيئة ساحرة تعزف على آلة الكمان (السوبرانو) تنطق ألحانه قيام مدينة الحضارة.. فبغداد عصية على الرحيل.

شهرزاد: انغمر صوتي تحت ركام الفوضى، وتحولت إلى كتاب مفتوح تأوي إلى صفحاته كل الكلمات المشردة.. وها هي الكلمات المشردة والهاربة من الصخب، وطبول الحرب تجدها ساجدة في محراب حكايا ألف ليلة وليلة. قد تكون محاولة تطويع الأفكار، وتحويلها إلى كلمات هادئة نوعاً من الترف، ومن ثم يتحول إلى ظلم حين نتجنب المرور فوق خرائط وجه بغداد الذي شوهته محارث العابثين منذ ألف عام.. ولكن بغداد لا تود تدوين تفاصيل جراحها وأحزانها. من جديد عادت مخارز الكوابيس توخز نصوص التعويذة… وتسللت غيوم الحرب.. فمنذ طفولتي وأنا مدمن على مشاهدة تعاظم تجاعيد الغيوم التي تسبق إعلان كل حرب وعيتها.. مع طالع كل حرب كان مصير غابات الأسطورة النحر كأضاحي أعياد لأصنام أقوام الجاهلية.. ومرارا ذروا الرماد في عينيها.. وهي صامتة لا تشكو ولا تعاتب أحداً غير شهرزاد التي عادت كتاباً مفتوحاً تحتضن صفحاته ولادة كل كلمة موؤدة..
أسمحي لي يا سيدة شهرزاد أن أرسم حكايتي في إحدى زوايا صفحات كتابك المفتوح..
بخطواتي المتعثرة فوق جبال من وحل غبار أزمنتك يا بغداد.. منذ طفولتي، وأنا أحتفظ بـ«كوابيس» قاموس مواعيد أحزانك يا بغداد.. فقد سلمتني جدتي ذلك الطلسم العتيق.. حقيقة الحروب والعواصف والخذلان.. وخيال الشعر والموسيقى وسحر مدينة المدائن.. ها هي الصفحات تقلب تحت عناية ظل الريح، عشر أزمنة مارست نحت تزاحمها في وجودك يا بغداد.. قاموس مواعيدك يا سيدتي زرع في مواسم حياتي كل فصول الأحزان، وحصد تأريخ عشر أزمنة مضت. ما وعيته من تعابير بأن هناك حقائق عن ألف حرب وألف سيف وألف رمح، وألف قذيفة.. كلها سبقت يوم ميلادي، ولكن حضرت أشباحها في كل مناماتي، والتهمت كوابيسها كل أحلامي.. عند شرفات أزمنتك الغابرة وعيت هدم أساطير مجدك، وتابعت مواكب كل الخلفاء والغرباء ما بين مغادر وآخر قادم.
أعتذر يا سيدتي لمجيء ثرثرتي متأخرة في هذه اللحظة البخيلة التي حجبت عنك وجه السماء، واغفري لحروفي الثملة خطاياها الكثيرة. ألوانك البهية يا مولاتي قادرة على التعبير عن نفسها في رحاب قبابك الذهبية، ومجد تراتيل كنائسك، وأساطير متاحفك، وضجيج أسواقك، وظل نخيلك، وجنان شطآنك، وعبير (الرازقي) من أزهارك.. بغداد تتطلع لمغادرة إيقاع الدهشة. من وسط الفوضى ستشرق عازفة الزمن الأول على هيئة ساحرة تعزف على آلة الكمان (السوبرانو) تنطق ألحانه قيام مدينة الحضارة.. فبغداد عصية على الرحيل.
٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية