بغداد ونهاية التاريخ

حجم الخط
0

حين كتب فوكوياما مقاله الشهير (نهاية التاريخ) هوجم الرجل من أقطاب الدنيا الأربعة.. الماركسيين، القوميين، الأنظمة الشمولية، التيارات السياسية ـ الدينية.. هؤلاء من المختلفين عقائدياً وفكرياً وتطلعات نحو مستقبل العالم، اتفقوا بلحظة واحدة علي مهاجمة فوكوياما بوصفه (نبياً) كاذباً.. ولكل أسبابه المختلفة عن الآخر.

وإن كنت لست في معرض الدفاع عن (فوكوياما) لكن من المفيد التنويه إلي أن الرجل لم يقل أكثر من أن الإنسان الليبرالي.. انتصر علي كل خصومه.. وبما تعنيه المنظومة الفكرية الليبرالية من علمانية وحريات عامة وسيادة القانون والديمقراطية تحت لواء مفهوم (المواطنة) الحقيقية.

بما معناه أن التيارات الشمولية فشلت في قيادتها الأمم والدول.. وأودت بمجتمعاتها نحو صراعات ما قبل قومية: عرقية، طائفية، مذهبية.. والأهم عادت بالإنسان من فرديته الحرة إلي (جماعيته) القهرية القائمة علي اضطهاد الأيديولوجيا للفكرة والحلم الوطني المتعانق أممياً في فضاءات العالم أجمع.. ربما لم يبتعد فوكوياما عن ذهني منذ سقوط بغداد.

ورغم ما كتبه (هنتنغتون) وبريجنسكي إلا أن فوكوياما ظل أكثرهم وضوحاً وشفافية في طرح أفكاره.. وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الاحتلال في بغداد و(بازار) التيارات والعقائد والأيديولوجيات السياسية والدينية.. وبعد أكثر من نصف مليون قتيل عراقي راح معظمهم بايد عراقية وسط أمواج الذبح المذهبي.. وبعد اقتتال (الإخوة) الفتحاويين والحماسيين.. وبعد عودة أجواء الحرب الأهلية إلي شوارع بيروت وغيومها الرمادية لتغطي مساحاتنا المشرقية.. يعود فوكوياما ليذكرنا بالإنسان الليبرالي.. الحر، تحت لافتة واســعة تدعي العلمانية والمواطنة.

رب قائل إن فوكوياما هو النظري الألمع للإدارة المحافظة في البيت الأبيض.. تلك الادارة الغارقة إلي ما فوق أذنيها في مأساتنا الشرق أوسطية إن كان في القدس أو بيروت أو بغداد.. ولا شك أنه اعتراض صحيح.. لكننا بالمقابل نري نهاية التاريخ تزحف نحو عالمنا بكل ما يحمله من عقائد وأفكار وعمليات سياسية جارية.. ولا أدري إن كان هناك نهاية للتاريخ في عالمنا أفظع من رؤية القدس وهي تنهار مذبحة تلو مذبحة، مرة بأيدي الإسرائيليين وأخري بأيدي أهل البلد (المقاومين). وأن نري بيروت بكل عظمة الحرية والثقافة والشعر والأنوثة التي ميزت شوارعها تعود إليها جحافل الميليشيات وأجواء الحرب الأهلية المرعبة.

والأفظع أن تري بغداد ينهشها الغزاة من اليمين الامبريالي إلي اليمين السلفي في حين تخوض شوارعها بــــدماء أبــنائها.. القتلي بخناجر (أبنائها) ورصاصهم.

مأساة سقوط بغداد عام 2003 أعادتنا إلي مأساة سقوطها عام 1258. وكفر الذبح الطائفي في شوارع بغداد اليوم أعادنا إلي كفر الذبح الظلامي حين كانت تعلق الرؤوس علي البوابات وتقطع الأعضاء بشفرات التكفير الهمجي.. نهاية تاريخ الأيديولوجيات والعقائد أوضح من شرحها.. فقط حين يسقط الوطن والمواطن ينتهي التاريخ.. ليبدأ آخر.. والآخر ما زال غامضاً.

فخر الدين فايد[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية