بفتح “ملف خاشقجي”.. هل يحتاج بايدن للسعودية في طريقه إلى الاتفاق مع طهران؟

حجم الخط
0

تعدّ لائحة اتهام سرية الصفحات التي تُفصل النتائج التي توصلت إليها أجهزة المخابرات الأمريكية في موضوع قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. للوهلة الأولى، تحدد هذه الصفحات أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، عرف وصادق على قتل الصحافي. ولكن المسدس المدخن يصاغ بصورة تترك مجالاً للهرب: “منذ العام 2017 وولي العهد يسيطر بشكل مطلق على الأجهزة الأمنية والمخابرات، الأمر الذي يجعل من إمكانية تنفيذ مسؤولين سعوديين مثل هذه العملية بدون موافقته، أمراً غير معقول بدرجة عالية.

قد يكون في التقرير الكامل المزيد من الحقائق التي تؤكد الاشتباه، وربما تكون هناك معلومات تحدد بأن الملك سلمان قد عرف أيضاً عن عملية القتل. ولكن عندما تنشر الإدارة الأمريكية استنتاجات تستند إلى “احتمالية عالية جداً” وإلى إدراك مكانة محمد بن سلمان السياسية دون طرح أي دليل استخباري مثل تسجيلات أو مراسلات في البريد الإلكتروني، وطالما أنها غير مستعدة لكشف كل المعلومات، فمن الصعب تقديم بن سلمان للمحاكمة على تنفيذ عملية قتل.

والنتيجة أن ملخص الاستنتاجات لا يختلف كثيراً عما كان معروفاً، أو عما تم تقديره، منذ مرحلة التحقيق الأولى في عملية القتل، وربما يكون هذا هو سبب قرار الرئيس بايدن بعدم فرض عقوبات شخصية على بن سلمان، بل فقط-وحسب المعلومات-  على من شاركوا فعلياً في القتل وبالإشراف المباشر عليه، مثل مساعد بن سلمان وأمين أسراره، سعود القحطاني، الذي كان رئيس هيئة الاتصالات في زمن عملية القتل.

“استنتاجات” أمريكية مستندة إلى “احتمالية عالية” بضلوع بن سلمان.. والسعودية تنفي قائلة: “يرقد بسلام”!

سارعت السعودية كما هو متوقع إلى النفي وإدانة التقرير، مدعية أن الولايات المتحدة تحاول التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة والمس بمصداقية جهاز القضاء فيها، الذي حقق وقدم للمحاكمة عدداً من المتورطين. “حوكم الأشخاص المتورطون في محاكم السعودية، واستقبل الحكم بمباركة أبناء عائلة خاشقجي، الذي يرقد بسلام”. من المشكوك فيه إذا كان مصطلح “استقبل بالمباركة” يناسب وصف رد أبناء عائلة خاشقجي، الذين استخدمت عليهم ضغوط شديدة، إضافة إلى دفع تعويضات سخية لهم. أما بخصوص “يرقد بسلام” فلن يتحقق هذا إلا عندما يوافق السعوديون على ذكر موقع قبره وأين وزعوا أعضاءه المقطعة.

أثار القتل أزمة عميقة في العلاقات بين السعودية والجمهور الأمريكي والكونغرس، لكنه لم يضر بعلاقات المملكة مع الرئيس السابق ترامب الذي منع نشر تقرير المخابرات وحمى بن سلمان. بسبب القتل وتورط السعودية في حرب اليمن، فرض الكونغرس حظراً على بيع السلاح للسعودية، الذي تجاوزه ترامب أيضاً بعد إعلانه بأن الأمر يتعلق بشؤون الأمن القومي وفرض الفيتو على القرار. في الوقت نفسه، امتنع ترامب عن دعوة بن سلمان إلى البيت الأبيض مدة سنتين. وهي خطوة لم تزعج وجود علاقة حميمية مع بن سلمان، خاصة عبر صهر ترامب، جاريد كوشنر.

إرث معقد

         إن بايدن الذي اعتبر السعودية “دولة مشينة” في أثناء فترة عملية القتل، ورث قضية خاشقجي إلى جانب مواصلة إجراء علاقات وثيقة مع المملكة. هذه الضرورة تملي على الرئيس محاولة رسم خط فاصل بين العلاقة مع المملكة والملك سلمان وبين العلاقة مع ابنه. ولكنه خط فصل غير متواصل: بقي بن سلمان صاحب السلطة والصلاحية لتحديد السياسة الداخلية والخارجية والاستراتيجية العسكرية للسعودية، في حين أن والده آخذ في الضمور بسبب سنه ومرضه.

أعلنت المتحدثة بلسان البيض الأبيض، جين ساكي، مؤخراً، أن بايدن ينوي “إعادة معايرة” علاقاته مع المملكة، وأن الاتصال مع القيادة في السعودية سيتم على مستوى النظراء المتساوين في مكانتهم، أي رئيس دولة أمام رئيس دولة. ولكن ليس لهذا التعريف أهمية كبيرة، لأن وزير الدفاع الأمريكي سيرغب في التحدث مباشرة مع بن سلمان الذي يتولى، ضمن أمور أخرى، منصب وزير الدفاع في السعودية، أو عندما سيجد الرئيس بايدن نفسه في مؤتمرات دولية يشارك فيها بن سلمان.

قريباً، سيكون هناك الكثير من الأمور التي سيتحدثان عنها، وعليهما التحدث عن إنهاء الحرب في اليمن التي تقلق بايدن، والتي تحولت إلى موضوع رئيسي في قضية بيع السلاح للسعودية. ولكن لا يقل عن ذلك أهمية أن عليهما مناقشة استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي مع إيران. سيضطر بايدن الآن إلى رسم مسار ذهبي بين اتهام بن سلمان بالقتل والحاجة إلى خدمات السعودية في ساحة الشرق الأوسط والساحة الدولية.

السعي إلى اتفاق مع إيران يحبس بايدن في دائرة سياسية ملتوية تكبح رغبته بشكل ما، إذا كانت هناك رغبة كهذه، في فرض عقوبات على السعودية أو على بن سلمان نفسه. من الصعب تخيل وضع تقوم فيه الولايات المتحدة برفع العقوبات عن إيران، وهي الخطوة الضرورية لتحقيق طموحات بايدن في إحياء الاتفاق النووي، وفي الوقت نفسه يعاقب السعودية التي يعدّ دعمها مطلوباً لدعم العملية الأمريكية.

يمكن التقدير بأن التحالف غير الرسمي بين السعودية والإمارات وإسرائيل ضد إيران في هذه الأثناء يعتبر عاملاً مزعجاً في واشنطن. وإذا نجحت واشنطن في تحييد أحد هذه الرؤوس على الأقل والتقليل من وزن معارضة الاتفاق النووي مع إيران، عندها لا تكون مطالبة بالرد على اتهامها بركل حلفائها واحتضان إيران، مثلما تم اتهام الرئيس أوباما في حينه.

تظهر السعودية اليوم كدولة “سهلة” لاستخدام الضغوط الأمريكية عليها. ومن هنا تأتي الحاجة إلى عدم تطبيق القانون على بن سلمان أو على المملكة. وسيحاول بايدن الحصول  على دينه من السعودية في قضية قتل خاشقجي، بعملة تحسين حقوق الإنسان في المملكة وإطلاق سراح سجناء سياسيين، الذين هم في الأصل مشمولون في رزمة الإصلاحات التي أعلن بن سلمان عنها في هذا الشهر.

بقلمتسفي برئيل

 هآرتس 28/2/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية