برلين ـ «القدس العربي»: في فيلمه «بفضل الله»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي (7 إلى 17 فبراير/شباط الجاري) يقدم المخرج الفرنسي فرانسوا أوزون فيلما يمس عصبا حيويا، ويعالج قضية آنية وذات حساسية بالغة، وهي الاعتداء على الأطفال في الكنيسة الكاثوليكية. يتناول الفيلم المبني على قصة حقيقية، وعلى قضية لا تزال تُنظر أمام القضاء الفرنسي، بتعاطف كبير، مساعي الضحايا مقاضاة كبير أساقفة مدينة ليون الفرنسية فيليب بارباران، صاحب النفوذ الكبير، للتستر على ما تعرض له أطفال وصبية من اعتداء وتحرش من قبل قس مسؤول عن جماعة الكشافة في إحدى المدارس التابعة للكنيسة في ليون.

هو فيلم عن المسكوت عنه، عن الألم المقموع، عن الذكريات التي يخشى الضحايا الرجوع إليها والمثول أمامها، فهم رجال الآن، والمجتمع يطالب الرجال بألا يصابوا بالعطب والوهن إزاء ما حل بهم من تعدٍ واعتداء. حين يقف الضحايا لمواجهة من اعتدى عليهم، هم في المقام الأول يواجهون ماضيهم وذكرياتهم الأليمة، والخلل النفسي والجسدي الذي كبتوه على مدى أعوام. وهم أيضا يواجهون مؤسسة متغلغلة في المجتمع وذات نفوذ واسع وسطوة روحية بالغة: الكنيسة الكاثوليكية بكل ما تملك من قوة وسلطان.
يدعو الفيلم لمقارنة حتمية مع فيلم «سبوتلايت» (2015) للأمريكي توم مكارثي عن التحقيقات الموسعة المتعمقة التي أجرتها صحيفة «بوسطن غلوب» لكشف التحرش والاعتداء على الأطفال والقُصّر، من قساوسة في بوسطن، ولكن «سبوتلايت» يجعل من جهود الصحافة لكشف الحقيقة مركزه، بينما جوهر «بفضل الله» هو الضحايا ذاتهم ورحلتهم للتصدي لأشباح ماضيهم، ولمن تسبب لهم في الألم النفسي الجم، من القساوسة ومن المؤسسة الكنسية ذاتها.
يصبح صوت الفيلم هو صوت فرانسوا الغاضب ورغبته في محاكمة الكنيسة لتسترها على التحرش والاعتداءات الجنسية على الأطفال وسط قساوستها.
يبدأ الفيلم في صباح عادي في حياة ألكسندر (ميلفيل بوبو)، الأربعيني الوسيم الأنيق، المسؤول المصرفي والزوج والأب لخمسة أبناء. يبدو لنا هادئا رزينا، لا توحي قسماته بأي معاناة سابقة، ثم يفاجأ ألكسندر على شاشة التلفاز بصورة الأب برنار برينا وسط مجموعة من الأطفال في مدينته ليون. ويبدأ فيض من الألم والذكريات ومواجهة ما حاول تناسيه على مدى أعوام. ما زال ألكسندر مؤمنا متدينا ويحافظ على الذهاب إلى الكنيسة مع أسرته، ويسعى إلى تنشئة أبنائه ككاثوليك صالحين، وهو حتى يحافظ على ثباته الديني قرر أن يكبت ذكرياته عما تعرض له في صباه من الأب برينا، الذي كان مشرفاً على الجماعة الكشفية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات عندما كان ألكسندر طفلاً. لكن رؤية ألكسندر لبرينا (برنار فارلي) وسط الأطفال، بعد أن ظن أنه ابتعد عنهم وخوفه أن يواجه أبناؤه وغيرهم من الأطفال ما واجهه صغيرا، وغضبه إزاء بقائه مكتوف اليدين طوال هذه الأعوام، يجعله يرسل خطابا لرئيس أساقفة ليون، الكاردينال بارباران (فرانسوا مارتوريه) عما تعرض له. تعامل مهذب من الكنيسة وإصرار من مستشارة بارباران على أن الكنيسة لن تتوانى في التعامل مع ما تعرض له، واعتذار بعيد عن أعين الإعلام، وكلمات مزينة، ولكن المتحرش يبقى في موقعه الكنسي ولا يشلح ويبقى في عمله مع الأطفال.
إثر ذلك يصر ألكسندر على إبلاغ الشرطة عما جرى له في صباه، ويطلب فتح تحقيق رسمي بالأمر. وتتوالى الشهادات والقصص الشخصية للضحايا. يصر بارباران في بادئ الأمر على أن الكنيسة لم تكن على علم بما يتعرض له الصبية من اعتداء وتحرش على يد الأب برينا. علّ الأمر الرئيسي الذي يحسب للفيلم ولتناول أوزون للقضية الشائكة هو تعدد الأصوات في الفيلم، ومنح وقت وإعطاء صوت للعديد من الضحايا، فألكسندر ليس محور الفيلم بمفرده، فهو من بدأ خيط التحقيق، وهو الصوت الأهدأ والأكثر رزانة، هو المسيحي الذي ما زال محتفظا بإيمانه رغم الألم. غضبه يعتمل داخليا ولا تخالج إيمانه الشكوك، بل يرى أن المعتدي عليه خلل وسط مؤسسة يُجلها ويؤمن بها.
تتحول نبرة الفيلم إلى المزيد من الغضب والراديكالية مـــــع فرانسوا (دوني مينوشيه)، الملحد الذي جعله التحرش الذي تعرض له يفقد ثقته في المؤسسة الكنسية بأكملها، وفي العقيدة بكاملها، ويصبح صوت الفيلم هو صوت فرانسوا الغاضب ورغبته في محاكمة الكنيسة لتسترها على التحرش والاعتداءات الجنسية على الأطفال وسط قساوستها.