لتُبارك محلات الطعام، التي تبقى مفتوحة في رام الله والبيرة حتى ساعات متأخرة من الليل، الامر الذي يعفي من ترك الكتابة في البيت. يمكن تأجيل شراء الخبز والخضار حتى تهب رياح باردة، ويا ليت شركة الكهرباء والمياه والانترنت تسلك في أعقاب بائع الخضار وتعمل حتى منتصف الليل في العاصمة المؤقتة التي تزداد عاصميتها تجذرا.
لقد انعطفنا انعطافا غير مخطط، بائع الخضار هو هدفنا، ومعه اثنين من زواره. في احدى الأمسيات شربوا معه الشاي حول طاولة مليئة بالصناديق، وكالعادة اقترح علي الانضمام لشرب الشاي، وعلى عكس العادة رفضت اقتراحه بسبب الزاوية البعيدة عن المدخل الذي فيه هواء بارد. «كيف حالك» سألني بائع الخضار بلغة عبرية ركيكة. فهو دائما يستخدم في حديثه كلمات من لغة المحتل، كي يعرف الزبائن أن عنده زبائن من أولاد العم (اليهود)، واذا لم يكن أبناء عم، فعلى الأقل إبنة عم واحدة دائمة.
كالعادة حصل نقاش حول الخضار والفواكه ومنشأها. وقد قال «هذا بلدي»، بقدونس، جرجير، عنب وتين. وهذا «للعدو» (البطيخ). وهو يعرف أن زبونته إبنة العم تفضل المنتوجات المحلية وتحاول عدم شراء فاكهة العدو. ولكن قبل المخاطرة والتعرض لقضايا التعويض بسبب تفضيل البقدونس الفلسطيني على البقدونس اليهودي، قبل المخاطرة سأواصل التقدم باتجاه الموضوع الجوهري وهو الزوار.
«هاذان الاثنان من غزة»، أشار بائع الخضار إلى زواره وكأنهم نوعية خاصة من البشر أو معروضات متحف نادرة. وقبل أن تبدأ الموقعة أدناه في امطارهم بالاسئلة فهمت أن الاثنين يمكثان في رام الله بدون إذن من العدو. من أكثر تجاوزات قوانين المحتل المحببة، تواجد الغزيين في الضفة الغربية، بدون توقيع ضابط إسرائيلي (درزي أو يهودي). ولتوضيح ذلك أشير إلى أن تجاوزات اخرى لمحظورات المحتل تدفيء قلوبنا: حفر آبار تجميع مياه الامطار والذهاب إلى البحر والمسجد الاقصى والعمل بدون تصريح وصفائح الطاقة الشمسية واكتظاظ الناس فيما يسمى مناطق عسكرية مغلقة وبناء مسجد أو مدرسة بدون موافقة مجلس التخطيط الاعلى في الادارة المدنية. ايضا المظاهرات في النبي صالح وبلعين وكفر قدوم غالية على قلوبنا، بسبب جرأة الناس في وجه الجيش الاكثر تسليحا في المنطقة. ولم يبق سوى تمني الاخلالات الجماعية الشعبية المتواصلة لقانون الاغلاق والفصل ومنع البناء.
ما هو محبذ أكثر من الاخلالات، المُخلين أنفسهم. وها نحن نتجاوز مرة اخرى، وقد نكون تورطنا في شكوى من عجائز التلال. لهذا سنعود إلى الاخلال المحبذ أكثر وهو وقاحة الغزيين المتواجدين في الضفة الغربية.
نظرا لأن حماس لم تجد بعد الوقت لصنع طائرات تساعد الغزيين على السفر من فوق الجدار وحواجز الرقابة في الليل، فلا مناص من الاستنتاج أن الاثنين وصلا عن طريق البر، في أعقاب تصريح مؤقت من العدو، ولم يعودا. «لماذا نعود إلى السجن الذي سجانيه هم حماس وإسرائيل؟». لقد أكدا نظريتي: الهرب من السجن الذي على شاطيء البحر أدخلهما إلى سجن آخر حدوده رام الله والبيره، وهما لا يستطيعان تجاوز هذه الحدود حتى لا يصطادهما الإسرائيليون ويطردوهما إلى سجن غزة. هل هذا أفضل؟. «هناك لا نستطيع التطور»، قال أحدهما، حيث أنه فتح في سجن رام الله محلا يناسب مهنته ومهاراته الابداعية. والثاني يكسب بشكل لا بأس به. هذه شهادة اخرى على ثبات وتصميم الغزيين، لو مُنحت لهم الفرصة.
عرفت على الفور من أسمائهما أسماء القرى التي جاءا منها في حدود 1948. لن أذكر القرى كي لا يطاردهما أحد من الانظمة الثلاثة، رغم أن عدم ذكر الاسماء يؤثر على الرواية والطريقة التي اكتشفنا فيها معارف مشتركين وجيران في مخيم اللاجئين.
سألت أحدهما عن عدم ذهابه إلى وزارة الشؤون المدنية للحصول على تصريح. أجاب: «إنهم مجرد متحدثين باسم الادارة المدنية». وبعد صمت أضاف: هنا توجد طبقتان هم طبقة والشعب طبقة اخرى. هل سمعت عن الثورة الفرنسية؟ إنهم الطبقة التي لا تهتم بنا. وهكذا استمر الحديث. ثم سأل: هل أنت من اليسار؟ فأجبته: صباح الخير الياهو.
هآرتس 24/8/2015
عميره هاس