ايهود اولمرت يعيش علي زمن مستقطع. وحتي لو نجح مؤقتا في قمع التمرد في حزبه، من غير المعقول أن يجتاز التقرير النهائي للجنة فينوغراد في الصيف، والذي من المتوقع ان يكون اشد من التقرير المرحلي بل وربما ان يوصي صراحة بتنحيته. وقبل ذلك تنتظره أحداث غير سهلة، مثل الانتخابات لحزب العمل في نهاية الشهر، والكفيلة بأن تؤدي الي انسحاب الحزب من الحكومة وفقدان الاغلبية الائتلافية. في افضل الاحوال، إذن، يوجد لاولمرت بضعة اشهر معدودة اخري كرئيس وزراء لاسرائيل. فما الذي يمكن لرئيس وزراء تبقي له عدة اشهر فقط في الحكم أن يفعله؟ ما هو الجدير به ان يفعله، من ناحيته الشخصية، كمن لديه الفرصة الاخيرة للتأثير علي الشكل الذي سيذكر فيه في التاريخ، ومن ناحية مصلحة الدولة؟ هل ينبغي له أن يركز علي معارك النجاة الشخصية الاخيرة كي يكسب بضعة ايام او اسابيع اخري؟ أم من الافضل له أن يغامر بكل الصندوق وان يحاول املاء جدول أعمال وخطوات علي نطاق دراماتيكي واسع؟
اذا اراد اولمرت أن يفعل الشيء الصحيح، سواء من أجله أم من اجل اسرائيل، فان الاجوبة تنتظر في مكانين: دمشق والرياض. بثلاثة أشهر، لن يتمكن بالطبع من توقيع علي اتفاق مع بشار الاسد، او يؤدي الي انطلاقة درب مع الفلسطينيين. ولكن يمكنه أن ينفذ تقدما هاما، قد يكون غير قابل للتراجع، في احد هذين المسارين، وربما في كليهما. مع سورية، يمكن لاولمرت أن يحاول حث الاتصالات السرية الجوهرية، لتبدأ عملية اعداد تربة نحو اتفاق مستقبلي. حتي الان اولمرت امتنع عن ذلك، وعلي حد تعبيره بسبب معارضة الادارة الامريكية، ولكنه حرص علي التشديد علي أنه يفحص بجدية نوايا دمشق. وعليه، فان هذا هو الوقت ليس فقط للتصريح عن الفحص بل والفحص حقا، بكل الوسائل المحفوظة لدي رئيس الوزراء، للخيار السوري. من غير المعقول ان تستخدم الولايات المتحدة الفيتو اذا اصرت اسرائيل حقا علي التفاوض مع سورية. وحتي لو لم يشعر بوش بالراحة، فان الوضع السياسي العضال لاولمرت يقلل واجبه من مراعاة كل ما يقال في واشنطن.
امكانية اخري هي المسار الفلسطيني. ليس لاولمرت ما يكفي من الوقت كي يغير الوضع من أقصاه الي أقصاه، ولكن يمكنه أن يتمكن من القيام بعملين لا يجب التقليل من أهميتهما. الاول هو اجراءات بناء ثقة في المناطق، تساعد علي تغيير الاجواء وتسهل أمر الشروع في المفاوضات علي التسوية الدائمة: اخلاء المواقع الاستيطانية، ازالة مكثفة للحواجز، نقل اموال الضرائب، ومرونة في مسألة السجناء. الامر الاخر هو الاعلان عن قبول المبادرة السعودية كأساس للمفاوضات. عبدالله ملك الاردن او مبارك رئيس مصر سيسرهما بالتأكيد ان يسافر اولمرت الي عمان أو القاهرة ويعلن باحتفالية تبني المبادرة. مثل هذا التصريح كفيل بأن يمنح زخما للمسيرة السلمية وان يقرر حقائق علي الارض، لا يمكن لخلفائه أن يتجاهلوها.
كل خطوة سياسية لاولمرت في هذه الفترة، كأمر مسلم به، ستتهم فورا كمحاولة لصرف الاهتمام الجماهيري، والحصول علي مكانة “الاترجة” او تلطيف وصمة الحرب في لبنان من سيرته كرئيس للوزراء. كما أن النتائج السياسية ستكون شديدة: ليبرمان سينسحب من الائتلاف، شاس ستجد صعوبة في البقاء والمعارضة ستحظي بالقوة والزخم الايديولوجي. فهل خطوة سياسية خارجية هي إذن انتحار سياسي داخلي لاولمرت؟ هل سيقال انه يحاول صرف الاهتمام عن مشاكله؟ فليقولوا ما يريدون. هل سيحلون حكومته؟ فليحلوها. وبالذات لانه ليس لديه ما يخسره، فان لاولمرت لاول مرة توجد حرية. حرية نادرة ليفعل ما يريد، وما هو مهم حقا. رامي لفني(معاريف) ـ 13/5/2007