بكتف مائلة وعرج خفيف

حجم الخط
0

بكتف مائلة وعرج خفيف

عناية جابربكتف مائلة وعرج خفيفترقد صديقتي في المستشفي جراء عملية استئصال ورم خبيث في الصدر. صديقتي ذات نمط خاص في تعذيبي، ترقد هناك في الدعة والدفء والألم، وقلبي تالف.تتدافع الكلمات من تلقائها، مع انني لست راغبة حتي في الكتابة. جسدي مصدع، ومصابة لا بد بمرض عقلي خطير، ولا اكف عن التدخين، والقهوة، وفي صدري تعبق رائحة الفورمول كما لو اعيش في مشرحة. طبعا، ليس المرض ما يستهويني.ببساطة أحب ان استلقي الآن مثل صديقتي، علي ملاءتي البيضاء ووسادتي البيضاء واحسب ان اي تفسير لن يزيد الامر الا غموضا.الطقس في الخارج بديع، مع ذلك البث في ركني الضيق والمعتم، انفاسي ونبضي وهيجان اوردتي، افكر في ما لا يحصي من الامور، التافهة وغير التافهة، مناشف الحمام، جينزي، فستاني، كتبي وكرات اوراق الكلينكس مكومة عند قدمي. طبقة من الكعك الهش مكسوة بقشدة كثيفة عليها نصفا ثمرة كرز في الصحن امامي. احلم لو انني استطيع التخلص من اشياء الحياة كلها في مستوعب قمامة ضخم، واحيا في مثل خفة لمعان البللور، اتخلص من الثياب المكومة وصحن الكاتو، والاصدقاء، والاعداء، والانترنت، والمجلي المتسخ، والمقالات التي يجب ان انجزها، وخصوصا حقيقة ان صديقة لي خضعت للجراحة جراء مرض السرطان، وترقد الآن في المستشفي، فيما مستلقية أنا ومرعوبة، ولا اجرؤ علي زيارتها.لا بد ان الجانب الاعلي المستأصل من صدرها، كان منتفخا ولم يلبث الجراح ان نخره بسنان مبضع فانشق. هل ارتعدت يده المكسوة بقفاز اللاتكس وهو يسحب الورم من عميق الوجع الذي برّح صديقتي. الأرجح ان استئصال الصدر والدم الذي انبجس عن نصل المبضع، والطقس البديع في الخارج واكوام النفايات من حولي، والكلمات التي تتدافع من تلقائها، تحرمني شيئا اتشبث به.هكذا تحضر صديقتي الي موعدنا بعد اليوم، بصدر واحد، وبضجة دموعها الرطبة، وبعرج خفيف جراء قطعة اللحم الناقصة التي انتزعت من صدرها الي الابد، تحضر الي موعدنا بكتف مائلة، ويتسلل برد فظيع الآن عبر فتحة كم منامتي لجهة الصدر الذي اقتطعوه من صديقتي.الدموع تعيش في مكان ما وراء عيوني، واستطيع سماع دبيبها قادما كجيش من القطرات، فأحبس المد الدافيء، امنع هطول الماء المالح وما يسببه من راحة خفيفة. لا بد انها تسترخي الان علي سريرها، ضاغطة باحدي يديها علي قلبها تحت الصدر المنتزع. قلبها المتعثر وتفوته بعض الضربات. ثمة التقلص القابض علي الجرح. صديقتي تحتاج وجودي قربها، وانا في الألم حتي لم اعد اعرف ان كان هذا لا يزال الما ام ماذا؟ الامكنة المألوفة التي نعرف غدت نائية جدا، واجهل ان كنا نعود معا الي وجودنا الذي كان. افكر بها كثيرا، مريضة وقريبة من الموت. قبل ان تمرض كانت موجودة بوفرة، فلم تكن من حاجة بي الي التفكير فيها.عندما ادارت وجهها جهة صوتي، كنت واقفة في غرفتها في المستشفي انظر اليها كأنما منذ الأزل. تفحصت وجهها متأنية في محاولتي قياس مدي المها، شعرها، انفها، خديها، شحمتي اذنيها. ماذا ؟ ـ قلت لها ـ اشعر بوهن كما ترين، واشعر بضيق . كل شيء يكون علي ما يرام، سوف ترين، سوف تعتادين الأمر . هزت رأسها مثل طفلة. تقدمت نحوها وحاولت ان اتخيل جرحها فلا بد ان يكون من أثر للجراحة كثمرة حمراء قطفت للتو.بياض صديقتي الناصع كان مناسبا لكل شيء في الغرفة. جلست علي طرف سريرها فتشكلت ثنيات كأنها غضون حفرتها الريح. حسبت ان الزيارة تكون طويلة وقاسية، وأحكي لأمي عنها حين عودتي، وبدا ذلك وحشيا، فدفنت وجهي في وسادتها قرب رأسها، حابسة الشيء الذي في عمق عيني.الطبيب الذي دخل فجأة سألني ان اتبعه الي مكتبه ليشرح لي مضاعفات العملية، والكيفية التي يجب علي التعامل بها مع المريضة . جلسنا متقابلين نحن اللذين لم يُقتطع منا شيء، وشرع يشرح لي مضاعفات اقتطاع احد ثدييها، والاضرار النفسية التي تلحق بها جراء هذا الأمر، مرفقا المصطلحات الطبية بالانكليزية، بتفسير مقتضب ظن انه يُعينني علي الفهم. كنت احاول ان اتخيل آلية عيشها بثدي مقطوع وكيف عليها بعد اليوم ان تحشو سوتيانها بمنشفة صغيرة تشد الفراغ علي شكل أخرق.قد تنقضي الأيام كعادة الأيام، ولكن ليس من شأن حتمية تبدل الامر، ان تتغير. من شأن الوقت علي عادته، المباعدة بين الاشياء، غير ان صدرها يبقي يحتفظ بثمرة واحدة فحسب. ثمرة هشة وقابلة لان تذوي من وحدتها، ولن تذوق أنامل رجل.في بهو المستشفي قلت لرجل غريب ان صديقتي قد خضعت للتو لجراحة جراء اصابتها بالسرطان، بلا مبالاة غطّس عينيه علي بلوزتي ولم يرفعها الي شرحي الذي طال، كنت لأشعر بالاثارة لو كنت ارتدي قميصي الابيض بتكويرته الفاضحة، غير ان الرجل جائلا بعينيه علي بلوزتي المرتفعة العنق هذه، بقي علي حيرته في ما اذا كنت اخفي ثديين اثنين، او هو ثدي واحد لا غير.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية