أحمد محمد أمين
فتحتُ عينيّ وأنا لم أزل في الفراش فوجدتُ الصبحَ تعمّه فوضي وجلبة، أناسٌ يدخلون بيتي ويخرجون، بعضهم يحمل بعضَ متاع البيت، وآخرون يجولون داخل الغرف فيأخذون ما تقع عليه أيديهم من دون خجل أو حياء، حتي غطائي الذي تدثرتُ به ليلاً اختفي. كان الداخلون والخارجون غير مكترثين بيَ كما لو كنتُ لا شيء، وأنا أيضاً لم تكُ لديّ رغبةٌ في السؤال عمّا يجري في بيتي، ربما ثمة قوّةٌ غامضة لجمت مداركي. تركتُ فراشي بكسل ولامبالاة، وكنتُ لا أزال أرتدي منامتي، توجهتُ نحو المغسلة، كان الماءُ شحيحاً ثمّ إنقطع، ووجدتُ باب البيت مشرّعاً علي مصراعيه، وسألتُ نفسي: تري ما الذي يحدث الآن هنا وفي الخارج؟/ كان البعض ما فتئوا يدخلون ويخرجون حاملين ما تيسر لهم من متاع البيت من دون حرج. ورأيتُ بعض حاجاتي الشخصية في أيديهم، غشيني خوف مجهول، وتساءلتُ بيني وبين نفسي: – ماذا حدث حتي يتعرض بيتي الي النهب والسلب وفي وضح النهار؟/ وحين دخلتُ الي الغرفة الثانية وجدتُ دولاب ملابسي فارغاً وأحذيتي غير موجودة، واحترتُ: كيف سأذهبُ الي العمل، وأُواجه الناس؟.
دخلتُ الي المطبخ فوجدته خالياً لم يبق فيه شيءٌ، لا الطباخ ولا صحون الطعام ولا جهاز الميكرو، ما عدا سطلاً بلاستيكياً مركوناً في الزاوية، حملته ورميتُ قامتي خارج البيت. كانت المحلة هادئة ووددت طرق باب جاري علي يسار بيتي، أطلب إليه أن يملأ سطلي بالماء وأستفسر منه عمّا يحدث هنا في محلتنا، فهل اقتحم الأغراب بيته مثلما عكروا صباحي ونهبوا أثاث بيتي، انفرج الباب وما أن رآني جاري حتي أوصد الباب في وجهي من دون أن ينبس بكلمة. وان تصرفه نمّ عن عدوانية مقيتة، يا إلهي، لمَ هذا التصرف الشائن؟. فهل أسأتُ اليه؟
، انتظرتُ هنيهة لعلّه يغيّر رأيه ويندم علي تصرفه. إلا أن انتظاري لم يجدِ نفعاً لذلك توجهت نحو باب جاري المقابل لبيتي، وطرقته، ُ وفي نفسي جذوة من أمل، الا أن الباب لم يُفتح أبداً، حين عدتُ أدراجي رأيتُ شخصين يحملان سريري وما عليه من فراش، والغريب أن فمي كان مقفلاً ومتصحراً فلم أستطع أن أعترض أو أسأل عما دفعهما لنهب بيتي من دون سائر بيوت المحلة. كان البيت قاحلاً كما لو عصفت بفنائه وغرفه عاصفة أو زوبعة عاتية فكنستا كلّ ما فيه. بعد وقت وفيما كنتُ أجلس علي إحدي الدرجات التي تفضي الي السطح إذ بمجموعة من الرعاع يدخلون حاملين فؤوساً ومعاول وأسياخاً متينة فقلعوا الأبواب وأُطرها والنوافذ والمغاسل ومربعات الكاشي التي تغطي بلاط البيت. كما قام بعضهم بإنزال المصابيح والمراوح حملوها كلها وخرجوا متجاهلين إياي كما لو لم أكن موجوداً. حتي باب البيت الثقيل قلعوه وحملوه. أمّا الحديقة المجاورة لبيتي والتي يمكن الدخول إليها عبر فتحة في الجدار العالي فقد قطفوا ثمارها من تفاح وإجاص ومشمش ثم تهاوت فؤوسهم علي جذوع الشجر، وخلال نصف ساعة لم تبق فيها شجرة واحدة، جاؤوا كأسراب الدبي مسحوا كلّ شيء. وأبقوا لي ركاماً من الحزن والأسي ومزيداً من الأسئلة العصيّة التي لم أستطع أنا ولا أيّ أحد الإجابة عليها. وخلال خروجي من البيت وولوجي الأزقة كانت أفضية المحلة قاحلة خالية وجاري تجاهلني عن سبق إصرار. فجأةً التقتني امرأة عجوز، كانت تتردد بين حين وآخر علي بيتي أُكلفها بتنظيفه وغسل ملابسي، أمسكت بمحبة بيدي وسمعتها تهمس في أُذني: تعالَ، ينبغي أن تقوم بعمل ما، فأعطتني سكيناً وكمية من اللوبياء الخضراء وطلبت اليّ أن أثرمها وأضعها في الإناء الكبير، أنجزتُ مهمتي علي أفضل وجه، ثمّ غادرتُ المكان بهدوء، وغشيني حزن أثقل من جبل الجليد، حين وقعت عيناي علي الأفضية التي كانت في السابق خضراء تشعّ بالرواء وقد غدت جرداء كما لو ضربها وباء ضارٍ، وخلال خروجي من محلتنا وقع نظري علي صنبور ماء نحاسي يلمع تحت ضياء الشمس، اقتربتُ منه وأقعيتُ لصقه، فتحته، قلتُ في نفسي: سوف أغسل يديّ ووجهي وأشرب قليلاً من الماء، بدءاً سقطت بضعُ قطرات ثم انقطعت، ساورني حزن يائس لا سابقة لي به، إذاً سأهيم علي وجهي بعد أن تحوّل بيتي الي حطام، وسرق الرعاع حتي أحجار الجدران، وحين مررتُ أمامه كانت فوهة الباب مفتوحة تبين ما وراءها: الفناء المتصحر وفتحات أبواب الغرف المشوهة، كان الخراب يعول فيه فإلي أين أذهبُ وكيف سأعيش بقية حياتي من دون مأوي؟
؟. إذاً عليّ أن أجد حلاً عاجلاً لمصيبتي، جلتُ في أحشاء المدينة، كانت خالية مهجورة، تُري أأنا في دوّامة حلم أم في فضاء جنون؟. وإن أُغادر هذا المكان فأيّ مكان آخر سيؤويني؟
، كنتُ تعباً، جائعاً، بائساً، ذليلاً، ليس بوسعي أن أسترد حقي، يبدو أن قوةً باطشة غامضة، غير مرئية، سلطها عليّ قدرٌ أحمق يختار ضحاياه بروية هي التي تقف وراء الكواليس وتدير جريان المسرح. ثمّ وجدتني خارج المدينة، داخل مرأي حجريّ أصعد هضبة ناتئة وأهبط، وكان من حولي أناس قادرون علي المضي واجتياز الحواجز وكنتُ عاجزاً عن تسلق الصخور، لذلك حاولتُ إيجاد طريق بديل، وحالفني الحظ الي حدٍ ما، وكنتُ اسبق الآخرين وأتقدم عليهم. غبئذٍ صرتُ مع رهط من الناس في مكان ما، فأعطاني أحدهم قميصاً وحباني ثانٍ سروالاً وحظيتُ من امرأة طيبة رصينة بزوج حذاء وجوربين، ارتديتُ ملابسي علي عجل ورميت منامتي في زاوية، لستُ أدري أكان ما يجري هنا من حسن حظي أم من سوئه؟. فقد رأيتُ كلّ أثاث بيتي في هذا المنزل الغريب، وكان عدد من الأشخاص يضعونه في الأماكن المناسبة داخل الغرف، مكتبتي علي يسار الصالة، وسريري في الغرفة التي علي يساري، وعجّ المطبخ بأغراض مطبخي. ولم يبق سوي الصحن الكبير الذي كان ينقل لتلفازي المركون في زاوية الصالة ما تبثه الفضائيات من البرامج المنوعة، بعد قليل ناولني أحدهم ذلك الصحن وطلب اليّ أن أثبته علي أرضية الشرفة. وبسرعة أنجزتُ عملي، ثم جلست الي جوارهم، وأنا لا أعرف أحداً منهم. حين فتح التلفاز كان المذيع يقرأ بياناً مقتضباً: لقد احتلوا (…….) من دون مقاومة تذكر، واستطاع المخلصون وضع أيديهم علي ممتلكات الحق العام، وفق مخطط ذكي. وأُعيد لكلّ ذي حق حقه، / لم أفهم شيئاً مما تفوه به المذيع. يا لغبائي؛ عمّ كان يتحدث، لقد نهبوا بيتي فمنْ هم هؤلاء؟. وها هي ذي أغراضي تكتظ بها أرجاء هذا البيت وهي لا تخصّني الآن، ولا أدري منْ يدير هذا المكان، بينما جئتُ الي هنا مصادفة، وقد تزوّدتُ بقليل من الطعام، والملبس، وغسلتُ يديّ ووجهي، عندئذ ولما أزل أُحرّك فكري وذاكرتي أملاً في الوصول الي الحقيقة، انطفأتِ الأنوار وعمّت السكينة ووجدتني ثانية في العراء، كنتُ وحيداً وضائعاً ومليئاً بالإحباط، لكن يأسي لم يبلغ درجة الموت، فثمةَ في نفسي بقية أمل، برغم أني فقدتُ زهو بيتي وأورثني اللصوص الخراب والمحل، وفقدتُ تراثي وانتمائي. لكن بوسع الزمن القابل المقرون بالصبر والمثابرة أن يعيد اليّ كلّ ما فقدت. بعد وقتٍ لا أعرفُ مداه ولا أعرف ما حصل خارج إطار ذاكرتي. كنتُ أجلس داخل دهليز جوار ساقية تخترق جدرانه دخولاً وخروجاً، ماء وفير عذب، أكاد أري جميع كائناته الملونة في قاعها الصافي، وسمعتُ خلفي وقع أقدام تهبط خلال عدة درجات، وإذ التفتُّ الي الوراء رأيتُ ابني يحمل طفلاً جميلاً عرفتُ بعدئذ أنه حفيدي. وقفتُ لأستقبلهما، مدّ الصغير يده يحاول الإمساك بوجهي، وضعتُ يده داخل كفي وجعلتُ أُقبلها، فصعدت كركرته الزنبقية، وكنتُ أحمل بيدي الثانية حزاماً جلدياً أروم وضعه حول سروالي، لكن حفيدي مدّ يده وقبض بكفه عليه والتقطه، وطلب ابني مني أن نخرج من هذا المكان، الي أين سنذهبُ؟ سألته، / الي البيت/ أنا لابيتَ ليَ وقد نهبوا أثاثه، وسلبوا أبوابه ونوافذه، / انتهي ذلك الزمن، تعالَ اُرك بيتك آهلاً بالأهل والمتاع، حتي الكتب والتحف التي جمعتها في سنوات حياتك أُعيدت الي بيتك، ولسوف تبهرك الحديقة بأزهارها المنوعة وأشجارها المثمرة. يتوسطها الحوض الدائري ذو الإطار المرمري، يسقسق من وسطه الماء، هلمّ نذهب وقد هيأ العيالُ الغداء، علينا أن نصل قبل أن يبرد الطعام، انهم جميعاً ينتظرونك، وما رأيته من كوابيس كان مجرد حلم عابر ثقيل، وعلينا منذ الآن أن نبقي حذرين، يقظين، موحدين حتي لا تمزقنا الظروف في لحظات الغفلة، ينبغي أن نحرس ملاذنا بالحرص والتضامن/ وحيث تكون رائحة الأهل وتتجاور القلوب يتلألأُ الزمنُ، فلن تستطيع أية قوة مهما تسلحت بأسباب البطش أن تسلب حق الإنسان، ولأني كنتُ بمنأي عن نبض القلوب، غائصاً في العزلة استسهلوا نهبي وسلبي بعد أن تخشب لساني وعقلي، وبتّ مخلوقاً يحاصرني الضعف. السويد