ليس كل شيء شراً في الحرب بسوريا، ثمة من يربحون جيداً بل وأصبحوا أصحاب مليارات بفضل تلك الحرب التي لا تنتهي. أحدهم رامي مخلوف، ابن عمة الرئيس الأسد. فرغم العقوبات التي فرضت عليه بشكل شخصي من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، يواصل تطوير أعماله التجارية، بل أقام شركة تجارية جديدة تحمل اسمه، باستثمار نحو 5 مليون دولار.
مخلوف، الذي يعدّ الرجل الأكثر ثراء في سوريا، يعمل مدير أعمال لعائلة الأسد، وبحكم ذلك يسيطر على سياقات اتخاذ القرارات الاقتصادية في النظام أكثر من وزراء الاقتصاد القائمين. وقد جمع ماله ويجمعه من خلال الامتيازات الكثيرة التي يحوزها في مجال البناء، واستيراد البضائع، والصحف ووسائل الإعلام، وكذا شركة سيرياتل للاتصالات الخلوية، التي يرأسها. كما أنه يمثل مؤخراً شركات إيرانية حكومية وخاصة حصلت على تراخيص من الحكم للاستثمار في سوريا، كجزء من المقابل الذي يدفعه الأسد للإيرانيين لقاء المساعدة العسكرية والاقتصادية التي منحوها له.
غير أن لمخلوف منافساً تجارياً قوياً، رجل الأعمال سامر الفوز الذي يحمل جنسية تركية ومقرب جداً من محافل الاستخبارات في الحكم. الفوز، الذي فرضت العقوبات الشخصية عليه أيضاً، جمع ماله عندما اشترى أجزاء من بنوك إسلامية عملت في سوريا، ومن خلالها أدار شبكة تمويل ناجعة تجاوزت العقوبات التي فرضت على سوريا.
الفوز، مسلم سني، أقام شركات وهمية خارج سوريا عملت على نقل الأموال وتمويل استثمارات مقربي النظام ممن لم يكن بوسعهم تلقي مساعدات مالية من مؤسسات تمويلية وبنوك بشكل شخصي.
إلى جانب هذين الثريين، يبرز رجال أعمال يشكلون حزاماً أمنياً اقتصادياً للنظام، لا سيما لعائلة الأسد، منهم محمد حمشو، صديق ماهر الأسد، شقيق الرئيس. وكان حمشو مسؤولاً قبل نحو عقدين عن تبييض الأموال لنظام صدام حسين في العراق، وعن التوقيع على اتفاقات النفط بين العراق وسوريا في الفترة التي كان فيها العراق خاضعاً لنظام العقوبات الدولية قبل حرب الخليج.
حسام قطرجي، الذي تتركز علاقاته بشمال سوريا وفي المناطق الكردية، هو رجل أعمال آخر خدم النظام – فقد أقام شبكة تهريب للنفط وشراء النفط من تنظيم داعش، الذي سيطر على آبار النفط في سوريا. وأقام قطرجي المفارقة التي يشتري فيها النظام النفط الذي يعود له من داعش مقابل أسعار أقل بكثير من أسعار السوق، وهكذا ساعد على تمويل داعش.
هؤلاء هم البارزون والأغنياء الذين يعملون كي يمولوا بيت الأسد، وهم أيضاً رجال الأعمال الذين سيتمتعون بأكبر الأرباح حين يبدأ إعمار سوريا. ولكن حتى ذلك الوقت، لا تنقص الفرص لجمع مزيد من الثراء في ظل استمرار الحرب. مثال على ذلك هو التدفق الكبير للمواطنين السوريين إلى المناطق التي تعتبر آمنة وأكثر هدوءاً شمال الدولة. فمئات آلاف النازحين وصلوا إلى المحافظات في شمال مدينة إدلب والمناطق الكردية، ويجدون صعوبة في إيجاد أماكن سكن بأسعار معقولة.
أصحاب البيوت الذين يجبون أجر الشقق الذي ارتفع بعشرات وأحياناً مئات في المئة، هم المستفيدون الفوريون من تيار النازحين هذا، ولكن الحكومة وشركات البناء لمقربي النظام يسارعون هم أيضاً إلى عقد الصفقات. والمشروع الأخير هو بناء آلاف وحدات السكن في المناطق التي تحاذي تركيا، بأسعار منخفضة وبشروط تمويل مرنة. ثمن الشقة من غرفتين سيكون نحو 5 آلاف دولار، وعلى الشاري أن يدفع ألف دولار سلفة والباقي يدفعه بدفعات بنحو 150 دولار في الشهر – كلفة بدل الإيجار المتبعة في المنطقة.
تبدو هذه المبالغ للمواطن الإسرائيلي سخيفة، ولكن لمن يكسب 150 – 200 دولار في الشهر، فإن حتى هذه الشروط المريحة ليست في متناول اليد. والنتيجة ستكون أن أصحاب المداخيل العالية نسبياً سيتمكنون من شراء مثل هذه الشقق، ولاحقاً تأجيرها إلى النازحين الذين لا يتمكنون من الإيفاء بتمويل الشراء. هكذا ستنشأ “نخب” جديدة لديها أكثر بقليل مما لجيرانها، حين يكون الجميع، أصحاب الشقق الجديدة والمستأجرون، يواصلون كونهم متعلقين بشركات البناء التي تمول المشاريع. وهذه بدورها ستكون مدينة للنظام السوري بأرباحها. هذه هي الطريقة المتبعة في سوريا قبل الحرب أيضاً، باستثناء أن الزبائن تغيروا.
ليس رجال الأعمال السوريون وحدهم هم الرابحون من الحرب، بل شركات ورجال أعمال روس فازوا بنصيب من السيطرة، ولكن هؤلاء يمثلون دولاً تعتبر حليفة للنظام. أما تركيا فتعتبر كقوة احتلال يطالب النظام السوري بإخراج قواتها وبالتأكيد لا يعتزم نقل المشاريع الحكومية لها.
غير أن لتركيا رافعة اقتصادية أخرى. فقد احتلت مدينة عفرين في شمال سوريا وتسيطر على مناطق في شمال وسط سوريا على طول أجزاء من الحدود. ووصل إلى عفرين في السنة الماضية عشرات آلاف النازحين السوريين بتشجيع من تركيا، التي ترى في حركة الهجرة هذه وسيلة ناجعة لإذابة التجمعات السكانية الكردية التي ترى فيها تركيا جهة معادية. وهؤلاء السكان الجدد يتمتعون بالأمن النسبي وبالدعم الاقتصادي التركي، ويبدو أن الشركات التركية قريباً ستبدأ ببناء البيوت للنازحين لتشجيع بقائهم.
إن هذه الأعمال التجارية واستغلال أزمة النازحين واللاجئين، والسيطرة على العقارات للمواطنين الذين فروا والمافيات التي تدير البنى التحتية للخدمات، جعلت سوريا بلاد الفرص، التي تحتل مكان التخطيط المرتب الذي يستوجب إعمار الدولة.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس/ذي ماركر 11/7/2019