‘بلاد المنافي’ لنجاة عبد الصمد: رواية – روايتان في المكان والزمان نفسه

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’: صدرت عن دار الكوكب (رياض الريس للكتب والنشر) رواية (بلاد المنافي) للأديبة والطبيبة نجاة عبد الصمد.

تحكي الرواية حكاية مجموعة من الناس تقيم في مدينة السويداء – حاضرة جبل العرب وريفها في أقصى جنوب سوريا.

بين دفتي الرواية مساران يمضيان بالتوازي:

الأول: على لسان الراوية التي للتو أنجزت كتابها وتوجهت تقصد دار نشرٍ تعود ملكيتها لشاعرٍ تجمعها به علاقةٌ ملتبسة بدأت منذ ربع قرن! تقول:’دأبت على يقين حضوره منذ جمعني به ـ صدفةً ـ درب الهوايات الآثمة التي تقتات براحة البالكنت بعد صغيرةً تدبّ على أعتاب المراهقة حاملةً ستة عشر ربيعاً على كتفيها، مثقلةً بالسذاجة وانعدام التجربة! كنت أكبر من شتلة الحبق الرهيفة بقليل، وكان أطول من أغصان الزنبق الميّاس بقليل. يكبرني بعدة أعوامٍ ولا يقل عن أضعافها في التجارب والخبرات، أنا التلميذة في الثانوية وهو طالب الجامعة دارس العلوم ناظم الشعر! كلانا كان مسكوناً بالكتابة، لكن عراك التماسيح في ميدانها أغراه قبل أن يغريني.’والثاني: مسار العمل الروائي نفسه بحيث تصير الرواية وكأنها روايتان لا رابط بينهما من حيث الشخوص والأحداث وإنما يجمعهما المكان نفسه والزمان نفسه: وهي الفترة الممتدة ما بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين. والأهم من الزمان والمكان هو الحدث الحاضر على طول السياق؛ ألا وهو الاغتراب القسري عن أرض الوطن طلباً للرزق أو للعلم! هذا الاغتراب الذي لا يقل عن كونه منفى إجبارياً يتوجه الجميع إليه صاغرين! منهم من يعود بقليلٍ من المال مثل (علي) الذي قدم أولاً من هضبة الجولان هرباً من بطش البيك قبل أن تصير الهضبة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ثم سافر إلى السعودية طلباً للعمل كي يستطيع إيفاء ديونه، ليمرض هناك، ويعيده كفيله إلى وطنه: ‘الطلاق البائن الثاني في حياته: الأول كان اختيارياً نقله إلى الحياة التي يريد، والثانيٌ يشبه طرداً مؤدباً لرجل لم يعد يتبين ما إذا كانت الحياة ما تزال تريده! ‘ . ليأتي دور ابنته ليلى تكمل من بعده حكايته.

ومنهم (سراج) الذي يوفده حزبه اليساري إلى موسكو ليدرس فيها الطب ويصير ‘الطفل المدلل في حضن الاشتراكية’ بعد أن تبين أنه طالبٌ متفوقٌ في ذهنه مخططاتٌ كبيرةٌ يحلم من خلالها أن ينقل بلاده إلى مصافي الحضارة والعدالة. سراج الذي يسافر وهو ما يزال على حب (ليلى) ابنة علي ووريثة همومه وتركته الثقيلة. ليلى التي تحتار: هل تنحاز لدعوة سراج بالسفر معه إلى موسكو على أن تترك خطيبها (كمال) الذي استبسل كي يعيش، وكي يتعلم وكي يبقى على حبها أيضاً! يظل السؤال معلقاً حتى الفصل الأخير في الرواية.’هل بوسعي أن أظلمه؟ أظلم سراج الذي يصعب علي مجرد تخيّل أنه سراجي أنا؛ سراج ليلى ابنة عليّ المتوفى؟! أيّ إرباكٍ أوقعني فيه، وشدّني من أذن قلبي ليطير إليه! سيحملني معه إلى موسكو!

ياإلهي!

سينتزعني من أرضٍ وعرةٍ ينتصب على ثراها كوخ أهلي الذي أراده أبي قصراً لسعادتنا أودعني وإخوتي فيه، وتركنا صغاراً، وترك الأرض من حولنا تميد.’عبر صفحات الرواية تتباين كذلك مصائر (عارف) الهارب إلى فنزويللا، و(محسن) المسافر إلى ليبيا، ومنير المسافر إلى (لبنان)، والراوية التي أقامت في باريس وتبادلت من هناك رسائل حميمةً مع الشاعر المسافر إلى صوفيا. منهم من يعود ببعض المال وبعض حصيلة العلم، ومنهم من يضيع ولا يعود، ومنهم من يعود جسداً وتظل روحه مسافرةً بين الوطن والمنفى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية