«بلاد فارس»… في ظل الثورة الإسلامية

حجم الخط
2

القاهرة ــ «القدس العربي» ــ من محمد عبد الرحيم: من خلال برنامج الأفلام (سينما أرت اللوا) التابع لمركز «أرت اللوا» الثقافي بالقاهرة، عُرض مؤخراً الفيلم الإيراني الفرنسي Persepolis أو «بلاد فارس» لمؤلفة الكوميكس والمخرجة الإيرانية «Marjane Satrapi»، بالاشتراك مع المخرج وكاتب السيناريو «Vincent Paronnaud». والفيلم إنتاج فرنسي أمريكي مشترك عام 2007.
ويحكي ما يُشبه السيرة الذاتية للمخرجة التي هربت من جحيم الثورة الإيرانية، خاصة بعد نجاح الثورة ومُطاردتها لكل مَن خالفها، وبالأخص اليسار الإيراني، الذي ساند الخميني وثورته نكاية في دولة الشاة القمعية، ليستيقظوا على نظام أشد قمعاً ودموية من نظام الشاة. يُذكر أن الفيلم بالكامل ينتمي لفئة الرسوم المُتحركة، وهو بالأبيض والأسود، وقد نال العديد من الجوائز العالمية، منها … جائزة معهد الأفلام البريطاني، جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان كان عام 2007، كما رُشِح لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم رسوم متحركة عام 2008. وقام بالأداء الصوتي كل من … كاترين دو نوف، كيارا ماستورياني، وجينا رولاند.

الشاه وعهده

ولدت «ساترابي» في العام 1969 في ظِل حُكم الشاة، وتربت داخل أسرة معظمها ينتمي إلى اليسار الإيراني، وبالتالي نشأت في جو ثقافي مُتحرر، واستمدت تعاليمها الأولى من مناخ التحرر الذي تتنفسه الأسرة، خاصة وأن شقيق والدها رجل ثوري عاني من الاعتقال في سجون الشاة 8 سنوات، فالجميع كان يكره نظام الشاة القمعي ويحلم بالثوة والقضاء على هذا النظام. فالطفلة تفتح وعيها وعايش الأمل في الثورة، وفي غضون عشر سنوات تحقق هذا الحلم الذي شارك فيه الجميع ــ ومنهم العم الثوري بالطبع ــ وقامت الثورة الإيرانية.

سيرة النظام الإيراني

تبدأ الفتاة في ملاحظة التغيرات الحادثة بعد الثورة، من خلال أحاديث أقاربها وأصدقاء الأسرة، خاصة العم الذي يأتي لزيارتهم والتحدث مع الطفلة، حتى اختفى تماماً بعد ذلك، لتعلم أنه أصبح في سجون النظام الجديد، بل وينتظر الحُكم بالإعدام لأنه من مُعارضي الثورة ونظام الدولة الجديد. يطلب العم لقاء الطفلة قبل موته، ويحاول أن يبث فيها روح المقاومة وعدم الاستسلام لطبيعة القطيع، الذين يخافون على حياتهم وسُبل عيشهم اليومي. ليحاول وعي الفتاة أن يعقد المقارنات، وتبدأ في مراقبة التغيرات الطارئة على المجتمع، حيث أصبحت النساء تسير مُستترات خلف حجابهن وملابسهن السوداء الفضفاضة، إضافة إلى ملاحقة المُعارضين، أو حتى المختلفين من قِبل الشرطة الدينية. ففي أحد المشاهد نجد مجموعة من الشباب يحتفلون في شقة خاصة، يعزفون الموسيقى ويغنون، فإذا بالشرطة الدينية تداهمهم، فيهربون إلى سطح المبنى، ويحاولون الفرار بالقفز إلى سطح مبنى مُجاور، ما عدا أحدهم جَمّده الخوف والتردد، ولما تأكد من رجال الشرطة خلفه، قفز من السطح ليلقى مصرعه في الحال.

الرحلة الخائبة

لم تستطع الفتاة التأقلم مع هذا المناخ الجديد، خاصة وأنها أصبحت تسبب الكثير من المشكلات لأسرتها، ففي قاعة الدرس وجدت معلمتها تردد كالببغاء ما تمليه عليها الدولة، فتقول «بلادنا هي بلاد الديمقراطية و الحرية و المساواة»، فما من الفتاة إلا الرد عليها في حِدة قائلة «في زمن الشاه كان يبلغ عدد المعارضين المعتقلين ثلاثة آلاف، و اليوم صاروا ثلاثمائة ألف… أين هي الحرية و الديمقراطية؟». ولم تملك إدارة المدرسة إلا الاتصال بأسرتها وتوبيخ الأب والأم لحديث ابنتهما بمثل هذه الأفكار الهدامة! فلم تجد الأسرة إلا إرسالها إلى أحد الأصدقاء بالنمسا، لتعاني من اغتراب تام مع حريات مُفرطة لم تكن تحلم بها أو مؤهلة تماماً لها، فتقرر العودة مرّة أخرى إلى إيران، كمحاولة أخيرة للتأقلم، لكنها تفشل مرّة أخرى، وترحل نهائياً إلى فرنسا.

بعيداً عن الدين

مشكلة «ساترابي» لم تكن أبداً مع الدين، بل مع رجال السلطة والنظام السلطوي، الذي أصبح أشد قسوة في ظِل الدولة الدينية عنه في دولة الشاة، التي وإن كانت تكتفي باعتقال المُعارضين، فإن الدولة الدينية تنهي حياتهم في لحظات.
ولعل المشهد الذي أثار الجدل وتم منع الفيلم بسببه في العديد من الدول العربية والإسلامية ــ على رأسهم إيران بالطبع ــ هو مشهد حديث الطفلة مع (الله) في توسل منها لإنقاذه عمها من حكم الإعدام، وكيف أصبحت الحياة كذلك.
فالمشهد من عين وعقل طفلة، لن تتورع في الحديث مباشرة مع الله، القادر على كل شيء، والذي تضع أحلامها وأمنياتها تحت مظلة رحمته. فالمشهد درامياً في غاية الشاعرية والقوة (طفلة تُحادِث الله)، وبما أن تكنيك الرسوم المتحركة هو الذي يتم من خلاله سرد الحكاية، فكان من السهل جداً تصوير المشهد بالكامل، دون الإيحاء به كما في الفيلم الذي يعتمد على الأشخاص الطبيعيين.

أحادية وجهة النظر

المشكلة في الفيلم رغم تميزه في العديد من مفرداته … الأداء الصوتي، الموسيقى والكادرات بالطبع وطريقة التحريك والخيال الخصب، هو أحادية الرؤية ووجهة النظر التي سيطرت على الفيلم بالكامل. الأمر الذي أدى إلى الإحساس في عدة مشاهد أنه عبارة عن رد فعل من وجهة نظر متطرفة تماماً، فغابت الموضوعية، أو حتى الإيحاء بها، كوجود شخصية تمثل وجهة النظر الأخرى، وتفنيد رأيها وردّه في النهاية، الأمر أشبه بمجموعة تجلس في الظلام ــ كالخلايا الثورية ــ يرددون ما يؤمنون به أمام بعضهم البعض، حتى يؤكدون أنهم على طريق الصواب دائماً، لكنهم بمعزل عن الواقع، وإن كانوا نتيجة له ولأفعاله المأسوية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية