لا يختلف «المفهوم» بوصفه إشكالا نظريا، عن رمزية طائر الفينيق، من حيث قابليته للانبعاث، فور تجديد تصورنا لدلالاته ولآليات اشتغاله. وعلى ضوء هذه القابلية، تعيش المفاهيم الموظفة في الخطابات الفكرية والإبداعية تجددها المنتظم، محققة بذلك، حظوة استمراريتها، في الأمكنة والأزمنة. وانسجاما مع هذا التصور، يمكن تناول إشكالية «الغامض» التي تعنينا في هذا السياق، من زاوية محايثة، يمكن توصيفها بزاوية «المحتجب» باعتبار أن احتجاب بعض ملامح الشيء، يلعب دورا أساسيا في «تغميضه» تماما مثلما يحدث خلال عملية الحذف، البتر، أو المحو، حيث لا تلبث هوية الشيء، أن تتحول إلى أخرى مغايرة، لا تخلو من التباساتها فور فقدانها لبعض مقوماتها. وكما ترى فإن الشيء المرتجف أمامك الآن، والشبيه بريش الهواء، قد بدا غامضا نسبيا أو كليا، حتى إنه أمسى عصيا على الفهم والتفسير، نتيجة تعرض بعض سماته للحذف، للتحوير، أو المحو. ومن أجل تصويب صورته وإعادتها إلى طبيعتها الأولى، سيكون علينا تفقد تفاصيل شريط تكوينه من نقطة البداية إلى ما هو عليه الآن، قصد الوقوف على ما اعترى الشيء من تحريف، والتعرف على العوامل المؤدية إلى التباسه وتغميضه. غير أن العائق الذي سيواجهنا هنا، هو أن بداية تشكل الشيء، لا تكون بالضرورة معلنة. كما أن الإقرار بعدم معرفتنا بمكانها أو زمانها، لا يعني عدم وجودها، بقدر ما يعني أننا لم نكن هناك لحظة انطلاقها. ما فوت علينا فرصة معاينة لحظة التشكل الأولى، لذلك، فإن كل ما نحن بصدد الشروع فيه الآن أو غدا، ليس في الواقع سوى لحظة تالية لبداية غير معلنة، سبق لها أن مارست حضورها الغامض في مكان وزمان غير الذي نحن فيه. كما أن الهيئة التي يتمظهر عليها ما هو معروض تحت بصرنا أو بصيرتنا، ليس في الواقع سوى الامتداد الطبيعي لتشكل الشيء، انطلاقا من تلك اللحظة الغامضة الواقعة خارج مجال إدراكنا.
إن الاختلاف هنا كما سنلاحظ، ذو طبيعة نظرية، وقائم أولا بين طرف معني فقط برؤية ما هو معلن، حيث لا مكان بالنسبة له لإشكال دلالي يحمل اسم الغامض، مقتصرا في تعامله معه على الظاهر منه، وغير مستعد لبذل أي مجهود – يبدو من وجهة نظره، عبثيا – في تقفي أثر ما لا وجود له. إنه تبعا لذلك، يعتبر الغامض عتبة مفضية الى المجهول. والمجهول يندرج عادة في حكم العدم، بما يعنيه العدم هنا من خروج الشيء عن حقل الاهتمام، وعن حقل الضرورة، ليصبح البحث عنه في نهاية المطاف، ضربا من هدر الجهد والوقت.
أما الطرف الثاني، فيتعامل مع سؤال الغامض بوصفه سؤال «ما لم تكتمل بعد ملامحه». ما يساهم في تأجيل حضوره إلى حين توافر شروط الاكتمال. وبالتالي، فإن قراءة ما لم يكتمل بعد، تقتضي وجوب تدارك ما يتخلله من نقصان، بغية العمل على ملئه، بما تفيده عملية التدارك هذه، من احتمال إضافة ما لا علاقة له ببنيته الأصلية. وفي ذلك تحوير وتحويل مبيت وممنهج لأصل الشيء، وإنطاق له بغير لغته، فضلا عن كونه تدخلا ضمنيا في عملية الخلق.
يطرح إشكال الاحتجاب، في بعده الملتبس، حيث يعتبر من منظور الرؤية المحافظة أمرا موكولا لعالم الغيب، شأنه في ذلك شأن التخفي، ما يجعله متعاليا عن أي اختراق. إنه منغلق على ذاته، ووقف على خالقه ومبدعه الأصلي.
وهنا تحديدا، يطرح إشكال الاحتجاب، في بعده الملتبس، حيث يعتبر من منظور الرؤية المحافظة أمرا موكولا لعالم الغيب، شأنه في ذلك شأن التخفي، ما يجعله متعاليا عن أي اختراق. إنه منغلق على ذاته، ووقف على خالقه ومبدعه الأصلي. وأيضا وقف على كل ما له صلة به، كما أن ممارسة فعل التخفي، تندرج ضمن محاولة التماهي مع صفات المتعالي، ولو بصيغة جمالية وإبداعية، كشكل من أشكال التعبير عن الوجه المضاد للإطار الذي يتموضع فيه المتعالي المحفوف عادة بأضداده.
إن المتخفي هو الذي يمتلك الحق في أن يكون غامضا، ليس بفعل نقصان كامن فيه، لكن بفعل نقصان كامن في القراءة، تلك التي لن يكون بوسعها رؤية ما يتجاوز حدود العين. وفي حالة إدراجنا للنص، ضمن الامتدادات الرمزية التي يتميز بها الأصل /الغامض بتعاليه، فإننا سنجد فيه حتما الوجه الآخر لمبدعه، الذي يعتبر نفسه هو أيضا، ظلا للمتعالي. إنه الظل السعيد بانتمائه إلى المحتجب، والمستجيب تلقائيا لنداء خاصية الاحتجاب الكامنة فيه، عبر ما يبدعه من نصوص. ولعل الأمر يتعلق بحاجة باطنية لتحقيق التماهي، مدعمة بقناعة فكرية تتمظهر في الجنوح إلى التغميض، بما هو احتجاب، وبما هو تلذذ بتخف، يعتبر امتدادا لهوية أصل ما، يستشعر حضوره دون أن يراه.
هكذا إذن، سيتأتى لنا تأطير الغموض النصي داخل فكرة الاحتجاب، المساهمة في تكونه، باعتباره وجودا ممكنا، إن لم نقل حتميا، بالنظر إلى أن التفكير في الشيء، هو خطوة تمهيدية لخلقه وإبداعه، ذلك أن تصورنا له، حتى إن لم يكن موجودا، سيكون كافيا ليجعله حاضرا بيننا. ما يعني أن الفكرة شئنا أم أبينا، هي الرحم الأساسي لخلق الشيء، ولو في حدود تصور ممكن ومحتمل لما يمكن أن يكونه. علما بأن المحتجب يظل من بين أهم الإواليات المحرضة للفكرة على الاشتغال، من خلال نسجها لتعاقدات جد متنوعة، وجد متعددة مع أشياء العالم. إنه الخلفية السرية التي تنهض منها دوامات التشكيك والحيرة والقلق واللامنتظر، الطارئ والمباغت. وهو إلى جانب ذلك، النواة التي يتشكل فيها التوجس والحذر والأمل. أيضا احتمال أن ينبجس من قلب الاحتجاب نعيم ما أو جحيم.
إنه حمال أوجه.. حمال صفات، وحمال تأويلات. علما بأن المؤول يحمل في ذاته أكثر من بنية، ويمتلك أكثر من مسار. فبين المحتجب الأول، ثم بين كل ما يمتلكه من امتدادات وتحولات، تمتد مسافات لا نهاية، تتخذ لها في كل تجل من تجلياتها لبوسا مختلفة عن سابقاتها. كما هو الشأن بالنسبة للمحتجب المقترن بالحياة اليومية البسيطة والعامة، وبين شبيهه المقترن بالحياة الفكرية والروحية، حيث تتسع هوة لا قرار لها من الفوارق والاختلافات. لأنه عبر تحفيزنا على اللعب معه، يستطيع أن يتحكم في توجيه سيرورة الكائن، وهو في الوقت نفسه، ما تعمى عن رؤيته العين التسطيحية، سجينة الواضح والمكشوف. إنه في الآن ذاته، مرئي بعين العقيدة، أي على مستوى يقين جد متعال، لا مجال فيه لأي حوار أو نقاش. كما هو مرئي بعين التوافقات المجتمعية، التي تستنكر كل نفي له، بوصفه دليلا على الكفر والجحود.
والواقع أن هذا اليقين المتعالي، مبطن بنزعته التهديدية، حيث تنهض أمامنا تلك المفارقة الكبرى، المجسدة في إكراه الغامض على التمظهر، دون أن يتخذ أي شكل واضح وصريح، ولو على سبيل استيهام خال من أي حس عقلاني. ما يعني استحداث صورة عشوائية ومتواطئة، لغامض يوغل أبد الدهر في تخفيه، إلا أنها، شئنا أم أبينا، الصورة المختلقة وفق استيهامات مؤسسة على معايير ينهض النص من رماد تأويلاتها المحترقة.
شاعر وكاتب مغربي