بعد أدوار سابقة حقق فيها النجم السينمائي ليوناردو دي كابريو شهرة واسعة بفضل اللمسات الجمالية للمخرج الأمريكي من أصل إيطالي مارتن سكورسيزي صاحب التحف السينمائية أليس لم تعد تعيش هنا 1974، سائق التاكسي 1976، الثور الهائج 1980، ملك الكوميديا 1983، لون المال1986، الإغراء الأخير للسيد المسيح 1988، الأصدقاء الطيبون 1990، عصرالبراءة 1993، كازينو1995،عصابات نيويورك2002، أفياتور2004، المغادرون 2006، جزيرة المصراع 2010، هيوغو2011.
ليوناردو دي كابريو يعود إلى الشاشة الكبرى من خلال فيلم يحمل عنوان ‘ذئب وول ستريت’2013 توقيع الألمعي مارتن سكورسيزي الذي تربطه علاقات جيدة بالنجم روبرت دينيرو من خلال أفلام تحمل توقيع سكورسيزي وأداء روبرت دينيرو من خلال أفلام ‘سائق التاكسي’ و’الثور الهائج’ و’كازينو’.
وتدور أحداث فيلم ذئب وول ستريت ‘The Wolf of Wall Street’ حول سيرة شخصية حقيقية، ويتعلق الأمر بجوردن بلفورت الذي استطاع بدهائه في ثمانينيات القرن الماضي من تكوين ثروة طائلة تقدر بـ 100 مليون دولار وهو في العشرينات من عمره من خلال عمله في بورصة وول ستريت.
الفيلم يرصد هذه الشخصية ومكرها في إيقاع الضحايا حتى من الأصدقاء .فيلم تتداخل فيه عوامل مرتبطة بالجنس، والعقار، والمخدرات، وصراع الأباطرة في بورصة وول ستريت. هذا الفيلم أهّل ليوناردو دي كابريو للحصول على جائزة غولدن غلوب في فئة أفضل ممثل، نتيجة لأدائه الباهر في هذا الفيلم خاصة في مشهد جلسة بالمنزل تقدم على نحو ساخر ودرامي طرائق تعاطي جوردن للمخدرات، فضلا عن المشهد القوي الذي يصور تعرض جوردن لشلل دماغي مؤقت، يجبره على الزحف من كابينة الهاتف إلى سيارته وقيادتها إلى بيته.
البطل ضحية الجشع والاستغلال وصراع المال والربح غير المشروع، إنه إدانة للراسمالية المتوحشة والانعدام الكلي للقيم. وهو أمر يمكن للمشاهد تلمسه مند اللقطات الاولى للفيلم من خلال عمل جوردن بلفورت شركة سمسرة في وول ستريت، الفيلم قائم على بلاغة الإقناع كوسيلة للنصب على الضحايا، إقناع الضحية بالربح السريع والمرتفع في سوق الاسهم ارتباطا بخبرة ودهاء جوردن الذي استوعب دروس أستاذه روتشيلد.
ولم يكن فيلم ذئب وول ستريت لمارتن سكورسيزي بطولة ليوناردو دي كابريو في دور جوردن، وجونا هيل، وجون دوجردان، وماثيو ماكونهي، ومارغوت روبي، وجون فافروو، وكايل تشاندلر، ليبلغ قيمته الفنية الكبيرة بدون حنكة السيناريست تريسي وينتر الذي جعل من مذكرات الرجل الثري جوردن بلفورت عملا فنيا يتساوق ونوعية الفيلم، ونقصد بذلك الكوميديا السوداء التي استطاعت أن تجمع بين الخداع وبين السخرية في فيلم يمتد لثلاث ساعات كاملة وهو تحد زمني نجح مارتن سكورسيزي في ضمان حركية ودينامية متواصلة لمتواليات مشهدية تستثمر ترقب المشاهد لنتائج المكائد التي لا تنتهي حتى يتوقف زمن فيلم ‘The Wolf of Wall Street الحافل بمظاهر الصناعة الفيلمية الدقيقة والمبهرة بداية من الديكور لفضاءات الفيلم، سواء تعلق الأمر بالفضاء المغلق مثل البيت واليخت، والحانة، ومقر الشركة، أو بالفضاء المفتوح مثل الشارع، وسطح اليخت، والبحر. وصناعة لحظات الفرح والإنتشاء، وفي المقابل مشاهد الألم، والسخرية من المرأة والجنس، وحتى من المال من خلال رميه بسلة المهملات.. وواضح قوة بصمة المخرج مارتن سكورسيزي في العناية بأدق التفاصيل مثل الملابس الداخلية ونوعيتها، والفناجين، والسجائر، والستائر، والأرائك، نوعية اللقطات، وزوايا النظر المتعددة واللقطات السريعة، وطبيعة الخدع السينمائية الممزوجة بمؤثرات صوتية قوية، فضلا عن مشاهد السخرية التي تجعل نفس المشاهد يكاد ينقطع خاصة في دخول جوردن شركته برفقة صديقه القرد الذكي. ومشاهد الرقص، والجنس. وهنا يبرز الأداء الباهر ليوناردو دي كابريو في مشهد دخول الشركة وانحناءة الرأس تماما كما يفعل الذئب وهو يتربص بفريسته، لينقلب إلى وحش كاسر وهوة يلقي خطابه المؤثر. ويعمل مارتن سكورسيزي في هذا الفيلم على المزج بين اللقطة الرئيسة من خلال التركيز على شخصية جوردن بلفورت في أداء عمله بالشركة وبورصة وول ستريت. واللقطة الثنائية التي تعمل على تتبعه الآليات الإقناعية الخطابية التي وظفها جوردن للإيقاع بضحاياه، واللقطة القريبة المكبرة التي تظهر القوة التعبيرية لليوناردو دي كابريو وهو يتقمص دور جوردن، خاصة في المشاهد الكوميدية، وهي لقطات سمحت لنا بمشاهدة ما لم نألفه في أداء دي كابريو خاصة في حركات، العين، والفم، والحاجبين. فضلا عن اللقطة المتوسطة لمشاهد باذخة مثل اليخت. وتكتمل جماليات هذه اللقطات بالمناظر الاستعراضية وبحركات الكاميرا أفقيا وعموديا. وهو أمر تعمد المخرج مارتن سكورسيزي تقديمه حتى في مشاهد الجنس مما جعل العديد من دور العرض تحذف تلك اللقطات الملتهبة.
فيلم ‘ذئب وول ستريت’ يعيد طرح علاقة السينما بالكتابة من خلال فن السيرة الذاتية، هي العلاقة التي تنتج عنها أعمال فنية رفيعة، خاصة إذا ارتبط الآمر بسيناريست يعرف كيف ينقل الحياة النصية على حوارات حيويةـ وبمخرج يمتلك سحر الصورة.علاقة الكتابة بالسينما تطرح أسئلة عميقة ترتبط بطبيعة مكونات كل منهما وأدواته الجمالية، وبدرجات التخييل التي تحققها الكتابة السردية، وبدرجات التمثل التي تخلقها مشاهد الفيلم السينمائي. فضلا عن أعمال أخرى من قبيل فيلم ‘الآمال الكبيرة’ للمخرج ديفيد لين عن رواية بالاسم نفسه لتشارلز ديكنز. أسئلة تحتاج الى مقاربات أدبية وجمالية تستوعب طبيعة العلاقة بين الأدب والسينما، والإحراجات الجمالية التي يتمخض عنها انتقال العمل الأدبي بسياقاته المتعددة إلى مجال آخر له سياقاته المخصوصة وأدواته الإقناعية والتأثيرية. وفي هذا الإطار ينبغي أن نتذكر أن الروائي الأمريكي ارنست هيمنغواي شاهد روايته الشهيرة ‘العجوز والبحر’ التي تحولت إلى فيلم سينمائي، فأخد يصرخ في قاعة السينما ‘ليست هذه قصتي’، وخرج دون أن يكمل مشاهدة الفيلم. فيلم ‘ذئب وول ستريت’ يشير على قضايا تتصل بالفساد المال، وصراع سوق الأوراق المالية،وغسل الأموال. وقد وجد السيناريست تريسي وينتر في سيرة جورن التوثيقية لمرحلة مهمة من تاريخ بورصة وول ستريت وماعرفته من أزمات مالية ناتجة عن المضاربات غير الشرعية في سوق البرصة، بيد ان نشر مثل هذه الملابسات التي كانت سرية يمثل تحولا في ما يمكن تسميته بسيرة وول ستريت، وتعميم هذه السيرة على فئة واسعة من عشاق الفن السابع، خاصة وان اللمسات الجمالية للعبقري مارتن سكورسيزي ورغبته في تقديم مرارة هذه السيرة بلغة سينمائية تطبعها السخرية السوداء يجعل من هذا العمل وثيقة مشهدية لتحولات وول ستريت من خلال سيرة جوردن الخاصة الذي انتهى به الأمر الى الإفلاس الكلي. ولعل هذا الامر هو مايبرر المنافسة القوية بين براد بيت و ليوناردو دي كابريو من أجل الحصول على حقوق مذكرات ‘ذئب وول ستريت’ لجوردن بلفورت المولود فيحي برونكس في عائلة من الطبقة المتوسطة، ولقد برهن هذا المحتال حسب سياق الفيلم مند سن المراهقة على طاقته الكبرى في الاحتيال مند محاولاته المبكرة للحصول على تمويل لدراسته الجامعية. امتهن مهنا ذات أجر هزيل لا ترضي طموحه، فانخرط في أعمال التجارة، بدأ مسيرته في عالم جراد البحر المجمدة و شرائح اللحم. لكنه بعد أزمات متعددة سيجد ضالته في وول ستريت وجهته المثالية. إن الأداء المذهل لليوناردو دي كابريو جعلنا نتلمس مشهديا سيرة رجل عصامي بدأ أسفل السلم في الامبراطورية المالية، ليرتقي بسرعة بعد تجارته غير المشروعة. اليوم في مذكراته، يقول انه في أول يوم له في العمل، رئيسه يقدم له الكحول والكوكايين، للحفاظ على توازن الذات مقابل ضغوطات العمل والتعامل مع أشكال متعددة من الناس. لكن الرحلة الحقيقية لذئب في وول ستريت ستبدأ بعد تأسيسه ستراتون أوكمونت التي ستصبح واحدة من أكبر شركات الوساطة المالية في نيويورك.لكنها بنهجها للاستثمار المصطنع، ولاشكال لا قانونية تتمثل في الضغط العملاء عن طريق الهاتف من أجل بيع أسهمهم. ‘يشتري العميل أو يموت’. هذا الأمر المبهج والجذاب سيؤدي إلى أفول هذه الإمبراطورية المالية بشكل سريع. بشكل يذكرنا برحلة مايكل دوغلاس في وول ستريت . ليوناردو دي كابريو في ذئب وول ستريت يحمل أسماء اخرى مثل دون كورليوني أو جوردن الذي يسقط في شرك الوكالة الفدرالية المسؤولة عن تنظيم الأسواق المالية بتهمة الاحتيال، ولقد تم التوصل إلى حل سريع عبر صفقة بين محاميه وبين مكتب التحقيقات الفيدرالي يتمثل بدفع الشركة غرامة قدرها 2.5 مليون دولار وسجن جورن لمدة 36 شهراً. بعد أن دمر بشكل نهائي المعاشات المتواضعة وصغار المساهمين الذين لديهم ديون كبيرة.إن ترشيح فيلم ذئب وول ستريت لنيل جائزة الأوسكار في فئة أفضل فيلم، أفضل مخرج، أفضل سيناريو، أفضل ممثل ‘ليوناردو دي كابريو’، أفضل ممثل في دور مساعد ‘جونا هيل’. يرتبط بالأداء الجيد للفنانين دي كابريو، وجونا هيل، وجون دوجردان، وماثيو ماكونهي، ومارغرغوت روبي، وجونفافرو، وكايل تشاندلر. ونجاح المخرج في تقديم الأمكنة في حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بحيويتها وعنفوانها. بيد ان المشهدية العامة المتسمة بالبهجة لا تلغي الأحاسيس والمشاعر الخاصة سواء الفرح، أو الحزن. ولا ينبغي نسيان مكونات الفيلم الأخرى وأقصد بذلك جودة المونطاج، والإضاءة المتوازنة والمبهرة. غير أن تلمس النسق الإشاري للفيلم لا يتم إلا من خلال تساوق السيرة الذاتية لجوردون، والمتتاليات الفيلمية التي لا تتوخى تحقيق التواصل مع المشاهد، ولكن الرغبة في دخوله حياة جوردون ومقاسمته مغامراته المالية والغرامية وحتى الإجرامية. وهو أمر لم يكن ليتم لولا الأداء الاحترافي للطاقم المساهم في صناعة فيلم ‘ ذئب وول ستريت’ وقدرته الاقناعية اعتمادا على بلاغة المكر في الخطاب السير ذاتي.
*شاعر وباحث في جماليات التعبير