بلا أسف!
أمجد ناصربلا أسف!حتي لو كان الزرقاوي وراء ثلاثة أرباع العمليات التي تطال قوات الاحتلال الامريكي في العراق، فإنه ليس بطلاً، وخسارته مكسب.للبطل مواصفات أخري.بل للرجل، في العرف البدوي الذي يفترض أن الزرقاوي تربي عليه، مواصفات أخري.فالرجل لا يغدر.والرجل لا يقتل طفلاً ولا امرأة ولا رجلاً بريئا، ولا يستقوي بعضلاته، علي الضعفاء.الرجل لا يفعل ذلك، بل البلطجي.والزرقاوي بدأ بلطجياً، كما يؤكد كاتبو سيرته، وانتهي ارهابياً، ولا فرق بين البطلجة والارهاب، فكلاهما قائمان علي إثارة الرعب وانتهاك العرف، واستخدام القوة في غير محلها، والعمل في الظلام.ولا ندري، بالتأكيد، إن كان خبر مقتله ساراً للامريكيين أم لا، ولكنه بالتأكيد، ينبغي ان يكون خبرا سارا للمقاومة الوطنية العراقية، التي لم تستطع، للأسف (حتي الآن علي الأقل) أن تميز نفسها عن الزرقاوي في فكره التكفيري، الإقصائي، وأساليبه العشوائية.نتساءل، بحذر، إن كان مقتل الزرقاوي يشكل خبراً ساراً للامريكيين وذلك بسبب الانطباع الشعبي السائد أن ظاهرة الزرقاوي تطيل من أمد وجود القوات الامريكية في العراق. طبعاً هناك من يذهب، في الشارع العربي (وهم كثرة) إلي الاعتقاد ان الزرقاوي صناعة امريكية مئة بالمئة، وهناك من يظن أنه شبح لا وجود له!بصرف النظر عن خرافات الشارع العربي وتأصل نظرية المؤامرة، علي نحو يثير الرثاء، في عقله، فالمؤكد ان غياب الزرقاوي عن ساحة الصراع في العراق هو خبر سار للعراق والعراقيين والأردن والأردنيين، حتي لو كان غيابه عرساً للاحتلال الامريكي والمتعاونين معه في العراق وخارجه.من شبه المؤكد، أولاً، أن العمليات العسكرية الموجعة لقوات الاحتلال الامريكي ليست من فعل الزرقاوي وجماعته، فمقابل عملية واحدة (وهذا حساب افتراضي) تقوم بها جماعة الزرقاوي ضد قوات الاحتلال الامريكية وحلفائها في العراق، هناك عشر عمليات انتحارية مرعبة تستهدف المدنيين العراقيين في أمكنة حياتهم اليومية: الشارع، المقهي، السوق، الجامع، المدرسة، ولا نظن أن أهدافاً كهذه تضير قوات الاحتلال الامريكي في شيء إن لم يكن العكس، فهي تدعم، علي نحو خبيث، الفرضية الامريكية القائلة، ان من يريد الموت للعراقيين هم رافعو راية الجهاد وليس المحتلين الذين جاءوا كـ(محررين).الأمر الأخطر في ظاهرة الزرقاوي، عراقياً، انها عملت بدأب فظيع علي تعميق الانقسام الطائفي في العراق وأفتت، بتعصب وجهل، بتكفير نصف الشعب العراقي.لم يستخدم العراقيون من قبل، علي حد علمي، تعبير (الرافضة) في وصف الشيعة، فهذا تعبير نعرف مصدره الصحراوي تماماً، ولم يلغ العراقيون، علي رغم وجود احتقان طائفي في ظل النظام السابق، في دم بعضهم البعض، ولم يقدموا انفسهم للعالم من خلال هوياتهم الطائفية. فالاصطفاف الطائفي وتعريف الذات انطلاقا من الطائفة وليس الوطن عـــــمل بدأه الامريكــــيون الذين اتبعوا التوصيفة البريطانية (الاستشراقية) البائسة وأكلمه، بنجاح منقطع النظير، أبو مصعب الزرقاوي ومجموعته من الجهلة في أمر الدنيا والدين.وحتي لو ان النخبة السياسية للطائفة الشيعية في العراق مشت في ركاب المحتل ومالأته من اجل مآرب سياسية محددة، فليس من مصلحة صاحب المشروع التحرري في العراق استعداء الطائفة الأكبر في البلد والتي كان لها، دائماً، مواقف مشرفة في الوطنية. ولماذا، اصلا، يستبعد المتعصبون وقاصرو النظر الطائفة الشيعية برمتها من مسعي النضال الوطني ضد الاحتلال؟وهل الشيعة العراقيون هم كذلك فعلا ام ان التواطؤ مع الاحتلال عمل قامت به بعض نخبتهم السياسية والدينية؟أبو مصعب الزرقاوي وفكره القادم من جفاف الصحراء المريع (أو من الفقه البدوي علي حد تعبير الشيخ الغزالي) ركز معظم نشاطه علي تعميق الانقسام الطائفي في العراق، لأنه، بذلك، يستطيع أن يجد له، في ظل هذا الانقسام، حاضنة اجتماعية لعمله.وللأسف، فقد نجحت خطته إلي حد بعيد، من خلال استجابات مماثلة في الطرف الشيعي الذي لم يخل، هو أيضاً، من وجود زرقاويين علي طريقتهم الخاصة.فما هي (فرق الموت) سوي كونها الوجه الآخر للزرقاوي؟إنها مثله، مقنّعة، ومجهولة الهوية، متعصبة وثأرية.أما الخبر السار للأردنيين فهو في زوال أشهر اسم أردني سلبي من صدارة الاخبار كل يوم.أنا أردني وزرقاوي أيضاً وعشت في بيئة مشابهة تماماً لبيئة (أبي مصعب) وشببت علي المظالم الاجتماعية وضياع فلسطين وهزائم الانظمة العربية وأديت (بقدر ما استطيع) قسطي في النضال الوطني ولكنه نضال، لم ينطلق، في أوج تأججه ضد الانظمة والامبريالية الامريكية، من رؤي شوفينية سواء كانت وطنية ام قومية ام دينية بل كان باعثه ( الطوباوي ربما) العدل والمساواة بين الناس وجعل هذه الارض مكانا افضل لكائناتها الشقية.غياب اسم الزرقاوي سيريح الاردن والاردنيين من جريرة افعاله التي لم (تقصر) بحقهم بل طالتهم من حيث ظنوا انهم آمنون وفرحون (تفجيرات الفنادق التي حولت عرسا الي مأتم)، فهناك، للأسف عراقيون (وربما عرب واجانب) يماهون بين الاردن كبلد وبين الزرقاوي كشخص، ولم يسلم كاتب هذه الكلمات من بعض المواقع العراقية الموتورة التي كالت لي سبابا مقذعا يفضح جهلها (او سوء نيتها) بتاريخي المتواضع في الدفاع عن قضية الحرية في العراق في الوقت الذي لم يكن (اخو اختو) يفتح فمه بأمر من ذلك النوع، مشكلتي، وربما مشكلة بعض المثقفين العرب، مع النخبة الثقافية والسياسية في العراق انني انتقد صمت معظمهم (خصوصا التقدميين منهم!) علي ما يجري في بلادهم واستجابتهم المحزنة للتخندق الطائفي، فتتم اعادتي، بكل سهولة، من مثقف عربي له رأي في ما يجري في عالمه، الي اردني من بلد الزرقاوي!الآن ذهب الزرقاوي فلعل الزرقاء مدينة الفقراء والحالمين بالرغيف والماء تستعيد اسمها المخطوف.0