بيروت- «القدس العربي» : على الرغم من محاولة الحكومة اللبنانية تهدئة حركة الاضرابات والاعتصامات الاستباقية لقرارتها بالمسّ بالرواتب أو بتغيير العلاقة القانونية بين وزارة المال ومصرف لبنان المركزي، إلا أن الاضرابات المفتوحة تكبر ككرة ثلج بدءاً من موظفي مصرف لبنان، إلى اساتذة الجامعة اللبنانية، إلى إعتكاف القضاة إلى المؤسسات العامة والمصالح المستقلة ومرفأ بيروت و«الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» و«هيئة أوجيرو».
ومرة جديدة خرج وزير الاعلام جمال الجرّاح ليوضح بعد جلسة مجلس الوزراء ان «الاضرابات جرت بمعظمها بناء على معلومات خاطئة وبنيت على معطيات لم يتمّ التطرق اليها اساساً على طاولة الحكومة «.
ودعا «الموظفين إلى الالتزام بمذكرة رئيس الحكومة سعد الحريري وعدم الأخذ بالشائعات»، وقال «الحريري وجميع الوزراء أبوابهم مفتوحة للحوار المسؤول لايضاح ما هو ملتبس».
الإضرابات تتحول إلى كرة ثلج رغم محاولة الحكومة تهدئة الشارع
وأكد الجراح ان «الحكومة حريصة على استقلالية مصرف لبنان ولا ترغب تحت اي ذريعة في التدخل بقراراته وسياساته «، موضحاً «أن مقاربة مجلس الوزراء المالية والاقتصادية تتطلب مشاركة الجميع بالحلول وهو بصدد اقرار جملة اصلاحات بنيوية».
ولفت إلى « تأجيل البحث حول المادة 60 التي تقول بمصادقة وزارة المال على موازنات المؤسسات العامة والتي سبّبت أشكالاً في مسألة ميزانية المصرف المركزي «.
وغرّد وزير المال علي حسن خليل عبر حسابه على موقع «تويتر» قائلاً «ان كل الحديث حول مشروع لتغيير في العلاقة القانونية بين وزارة المال والمصرف المركزي محض اختلاق ولا أساس له وجزء من حملة ضخ المعلومات المغلوطة والمشبوهة للتشويش على إقرار الميزانية».
وكان موظفو مصرف لبنان أعلنوا «الاضراب المفتوح اعتباراً من الإثنين استنكاراً للهجمة الشرسة غير المبررة التي يتعرض لها المصرف وموظفوه ورفضاً للمحاولات التي تهدف إلى وضع اليد عليه، الأمر المخالف لكل القوانين والاعراف الدولية «.
وقد شغل هذا الاضراب الأوساط الشعبية وتسبّب ببلبلة نظراً لتداعياته السلبية على حرمة السوق المالية والسيولة وارتفاع المخاوف من عدم توافر الاموال في المصارف. وحذّرت مصادر مصرفية من ان استمرار الاضراب لاكثر من اسبوع ستكون له عواقب وخيمة.
وأعلن موظفو المصرف المركزي أنه «استكمالاً للخطوات التي تتابعها نقابة موظفي مصرف لبنان، وبعد تقييم الوضع وانتهاء اليومين من الإضراب والإقفال التام من قبل موظفي المصرف، ونظراً لعدم وجود أي تجاوب من قبل السلطات المعنية واستمرارها بالإصرار على تضمين مشروع الميزانية البنود التي تتعلق بضرب حقوق الموظفين ووضع اليد على مصرف لبنان الذي يتمتع كسلطة نقدية بإستقلالية ادارية ومالية كما نص عليه قانون النقد والتسليف، وكما هو معتمد ومتعارف عليه في الدول المتقدمة. وبناء عليه، عقدت نقابة موظفي مصرف لبنان جمعية عامة …واتخذت قراراً بالاجماع بإعلان الإضراب المفتوح… وحمّلت السلطات المعنية مسؤولية الشلل الذي سيصيب حركة العمل في البلاد، واكدت انها على تنسيق تام مع الاتحاد العمالي العام وكل النقابات وممثلي موظفي الادارات المتضررة من الإجراءات المنوي تنفيذها التي تحرمهم من حقوقهم».
تزامن ذلك مع تعليق بورصة بيروت تداولاتها حتّى إشعار آخر. وأصدرت قراراً حمل الرقم 481/2019، معلنة فيه وقفاً إضطرارياً للتداول في بورصة بيروت.
وجاء في نص التعميم «نظراً للإضراب المفتوح المعلن من قبل موظفي مصرف لبنان، وبما أن عمليات التداول في البورصة لا تكتمل بشكل سليم وآمن إلا من خلال مقاصة وتسوية هذه العمليات، وكون عمليات التسوية والمقاصة غير ممكنة من قبل شركة ميدكلير بفعل هذا الإضراب وفقاً لتأكيدها وحماية لحقوق المستثمرين في البورصة، قررت بورصة بيروت وقف التداول في أسواقها لحين زوال الأسباب المشار اليها وحتى إشعار آخر من قبلها».
وفي اطار الشائعات التي تفاقم من الانعكاسات السلبية على القطاعين المالي والاقتصادي، إطلاق شائعة حول استقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من منصبه، وهو خبر نفاه مصدر مقرّب منه نفياً قاطعاً، مؤكّداً أنّه غير مطروح أبداً وهو لم يفكّر يوماً باتّخاذ هذه الخطوة، بل هو مستمرّ في إدارة هذا القطاع وتحمّل مسؤوليّاته كاملةً، مشدّداً على ضرورة عدم انجرار المواطنين إلى هذه الشائعات التي تضرّ بلبنان وسمعته ومصالح أبنائه، خصوصاً أنّ الأزمة التي يشهدها لبنان ما تزال «تحت السيطرة».
وفي تطور متصل عقد سلامة، الذي يعارض الإضراب، اجتماعا مع موظفي البنك المركزي حيث جرى الاتفاق على فتح عمليات تسعير الليرة اللبنانية مقابل العملات الأجنبية وإعادة فتح التحويلات المالية، حسبما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام. وسعر الليرة اللبنانية مربوط بالدولار الأمريكي.
وقال مروان مخايل، كبير الاقتصاديين في بنك الاستثمار «بلوم إنفِست» ان البنوك مازالت قادرة على تدبير السيولة من خلال سوق ما بين البنوك، لكن عمليات مقاصة الشيكات توقفت.
على صعيد آخر قال وزير المالية علي حسن خليل ان مسودة الميزانية تتضمن تخفيضات كبيرة في الإنفاق نظرا للحاجة إلى إجراءات تقشف استثنائية. وتقترح الميزانية إلغاء حوافز مرتبطة بالأداء في بعض المؤسسات المالية التي تديرها الدولة من بينها البنك المركزي، وتصل في بعض الحالات لصرف أجور عدة شهور إضافية سنويا.
وشدد مسؤولون حكوميون من شتى الأحزاب السياسية اللبنانية على الحاجة إلى إصلاحات فورية للحيلولة دون أزمة اقتصادية.
وتعادل ديون لبنان نحو 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وهو أحد أعلى المعدلات في العالم.
ونفى وزير المالية اللبناني حسن خليل استهداف البنك المركزي والموظفين في ميزانية 2019 . وقال في تصريح صحافي أمس «هناك قوانين تحكم العلاقة بين المصرف المركزي ووزارة المال، وهو لا يخضع إلى مرسوم إنشاء المؤسسات العامة، إنما له نظام خاص يتبع لقانون النقد والتسليف وبالتالي إثارة الموضوع ليس سوى كلام سخيف «ز
وفي وقت سابق أكد وزير المالية ان الحكومة اللبنانية تصر على زيادة الضريبة على الفوائد إلى عشرة في المئة من سبعة في المئة، مشيرا إلى أنها «جزء أساسي» من مشروع الميزانية العامة لسنة 2019.
ونقل بيان لوزارة المالية عن الوزير قوله للصحافيين إنه فيما يخص «زيادة الضريبة على الفوائد من سبعة إلى عشرة في المئة، نصر عليها، وهي جزء أساسي من ترتيب الميزانية وتوازنها».
وفي الأسبوع الماضي، حذر رئيس جمعية مصارف لبنان جوزيف طربيه من أن الزيادة المقترحة للضريبة على دخل الفائدة ستؤثر على تدفقات رأس المال إلى لبنان وستُضعف قدرة البنوك على الاضطلاع بدورها التمويلي في الاقتصاد وستعرقل النمو.
وظل دخل الفائدة معفيا من الضرائب حتى فُرضت الضريبة بنسبة سبعة في المئة في العام الماضي.
كان خليل أبلغ رويترز بأن مشروع الميزانية الذي تناقشه حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري يهدف إلى خفض العجز لأقل من تسعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2019، من 11.2 في المئة في 2018.
وتعهد المجتمع الدولي في مؤتمر «سيدر» لدعم لبنان الذي انعقد في باريس في نيسان/أبريل 2018، بتقديم 11 ملياراً ونصف مليار دولار على شكل قروض وهبات إلى لبنان، شرط إقدام الحكومة على إجراء إصلاحات اقتصادية بنيوية وتأهيل البنى التحتية وخفض النفقات العامة وإعادة تأهيل قطاع الكهرباء.
ولا يتجاوز نمو الاقتصاد اللبناني نسبة واحد في المئة بينما تصل نسبة الدين العام إلى 141% من إجمالي الناتج المحلي، وهي من أعلى النسب في العالم. وفي كانون الثاني/يناير، خفضت وكالة «موديز» للتصنيف الإئتماني تصنيف لبنان الطويل الأجل للديون من «بي-3» إلى «سي ايه ايه -1»، مشيرة إلى «المخاوف من ارتفاع كبير في الدين».