سوق شعبي في ساحة في وسط مدينة بوسطن البريطانية
بوسطن – د ب أ: تبدو في الأفق الحقول الخضراء، كما تبدو من بعد حانة قديمة، بينما تطل مياه بحر الشمال على المكان من مسافة بضعة كيلومترات، والقطار الذي يتوقف عند محطة صغيرة للسكك الحديدية مكون من عربة واحدة تغفو أعين الركاب قليلا في داخلها .
والمحطة التي يتوقف فيها القطار هي بلدة بوسطن البريطانية، التي تبعد بمسافة نحو 180 كيلومترا من شمالي لندن، وهي كائنة في ناحية مقاطعة لينكولنشاير تماما في منتصف ما يوصف «بحديقة الخضروات البريطانية».
ويقوم كثير من العمال المهاجرين في هذه البلدة بمهمة شاقة وهي جني المحاصيل مقابل أجور زهيدة. ومع ذلك صوت ما يقرب من 76% من أهالي بلدة بوسطن في صالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكسيت»، وذلك في الاستفتاء الذي أجرى عام 2016، مما يعد نسبة قياسية في الموافقة على الخروج على مستوى جميع المناطق البريطانية.
وفي ذلك الحين كان معظم السكان المحليين بالبلدة يشعرون بالاستياء من جراء وجود عدد مرتفع من المهاجرين، الذين قدموا من بولندا ورومانيا ولاتفيا ليعملوا في المزارع والمصانع المحلية.
ومع اقتراب موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المقرر له 29 مارس/آذار المقبل، يدور تساؤل حول المشاعر السائدة بين أهالي بلدة بوسطن، وسط موجة من عدم اليقين حول مستقبل هذا الخروج ومساره.
ويقول آلان رازولبور وهو مواطن بريطاني ينحدر من أصل كردي ويعمل بائعا في متجر لبيع الأطعمة يعلن عن أن مبيعاته من «المنتجات الأوروبية»، إن «أصدقائي البولنديين غادروا البلدة عائدين إلى بلدهم بسبب الخروج من الاتحاد الأوروبي».
ويضيف أنه في حالة قرر المتجر بيع المنتجات البريطانية فقط فسيواجه صعوبة في تحقيق الربح، ويلاحظ أن كثيرا من الرومانيين حلوا محل البولنديين في العمل.
وعندما سئل رازولبور الذ جاء إلى إنكلترا منذ 18 عاما عن رأيه في «بريكسيت»، اتسم رده بالتحفظ وقال «إن نواب البرلمان أكثر دراية وبراعة ويتعين عليهم اتخاذ القرار الملائم، ويجب علينا أن نتبع قواعد هذا البلد إذا أردنا أن نعيش فيها».
وخلال التجول في أنحاء بلدة بوسطن يمكن أن يتكون انطباع لدى المرء بأنه موجود في أوروبا الشرقية، فهنا توجد عدة لغات يتحدث بها الشارع كما تتباين ملابس المارة وأساليب تصفيف الشعر وأنواع المتاجر، وكل هذه المظاهر لا تبدو أنها قريبة الشبه من الهوية البريطانية.
وكان تدفق المهاجرين بقوة على بريطانيا قضية ساخنة أثناء حملة الاستفتاء للخروج من الاتحاد الأوروبي. وفي بلدة بوسطن اتهم الأهالي المهاجرين بأنهم يرتضون العمل مقابل أجور منخفضة، وبالتالي يجردون السكان المحليين من فرص العمل في المزارع والمصانع.
كما تم توجيه الاتهام إلى المهاجرين القادمين من أوروبا الشرقية بأنهم يحصلون على أماكن في المدارس وأسرة المستشفيات، الأمر الذي يعني استنزافهم للضرائب التي يدفعها السكان من أجل الحصول على الخدمات الاجتماعية، إلى جانب اتهامهم بالمسؤولية عن ارتفاع معدلات الجرائم العنيفة في البلدة.
ووصفت بعض تقارير وسائل الإعلام البريطانية بوسطن بأنها «بلدة القتل»، وأيضا بأنها «أكثر بلدة في بريطانية تنتمي إلى أوروبا الشرقية».
ولا يشعر بائع بلغاري في أحد المتاجر بالرضا إزاء هذه الاتهامات، حيث يرى الأمور من منظور مختلف، ورفض هذا البائع أن يكشف عن اسمه أو أن يتم تصويره.
وقال الرجل «إن البريطانيين يتسمون بالكسل الشديد ولذلك لا يقبلون العمل مقابل الحد الأدنى من الأجور، ولكننا نحب العمل». ويبيع الرجل منتجات بلغارية لأبناء بلده الذين يعيشون في بوسطن، ويلقى المتجر الذي يعمل به إقبالا متواصلا من الزبائن، وكل المنتجات التي يبيعها اعتبارا من عبوات السكر إلى عبوات الحساء مرورا بالشامبو قادمة من بلغاريا.
ويتهم رجل يدعى بيل (50 عاما) ويعمل في متجر للأقفال والمفاتيح الأجانب بعدم الاندماج في المجتمع البريطاني. ويقول ان «المهاجرين يميلون إلى العيش داخل تجمعات منغلقة، وهم لا يتحدثون بلغتنا»، ويضف إن كثيرا من المهاجرين غادروا المكان بالفعل بسبب البركسِت».
وظلت بلدة بوسطن ولوقت طويل معتمدة على الأيدي العاملة القادمة من أماكن أخرى، وفي البداية كان العمال يأتون من وسط إنكلترا، ثم جاء بعدهم عمال من البرتغال في التسعينيات من القرن الماضي، وهؤلاء بدورهم حل محلهم عمال من بولندا ولاتفيا ومن دول أخرى، وبعد ذلك تدفق عمال من بلغاريا ورومانيا ليعملوا في المزارع والمصانع.
ويعتقد البروفسور إيان بارنيز في جامعة لينكولن، التي تبعد عن بلدة بوسطن بمسافة 50 كيلومترا، أن الناخبين في بوسطن وضعوا أنفسهم في موقف صعب بالحماس الذي أبدوه في ترك الاتحاد الأوروبي.
ويرى بارينز الخبير في الاندماج الاقتصادي الأوروبي أن «بوسطن تعد بلدة مزدهرة في مقاطعة لينكولنشاير، ويمثل المهاجرون ما نسبته نحو 25% من قوة العمل فيها، وفي حالة عودة جميع المهاجرين إلى بلادهم فستظهر مشكلة خطيرة تتمثل في نقص الأيدي العاملة، وستتعرض الأنشطة الاقتصادية للمتاعب».
كما يعتقد أن معظم أرباب العمل بالبلدة يدركون أن المهاجرين يعملون بمعدلات أكثر جدية مقارنة بالعمال المحليين، كما أنهم أقل شكوى من ظروف العمل.
ويضيف بارينز إنه سيتعين مستقبلا أن يعمل مزيد من العمال البريطانيين في مزارع البطاطس والجزر والقمح. ويتابع ان «سعر بعض الخضروات سيرتفع بالطبع، كما سيتم نقل زراعة بعض المحاصيل إلى أماكن أخرى».
وبالإضافة إلى العمل في المزارع يقوم المهاجرون أيضا بمهام في قطاع الخدمات مثل رعاية المرضى والمسنين.
ومن النادر أن تجد شخصا بريطانيا في بلدة بوسطن يذكر المهاجرين بكلمة خير، غير أن السيدة جاكي باترسون تعد من هذه الفئة النادرة، فهي تشعر أن الأجانب شكلوا «طوائف مجتمعية جميلة» ساعدت على تحديث البلدة.
وتنحدر السيدة باترسون من بلدة لوتون الكائنة شمالي لندن، وعاشت عدة أعوام في بوسطن، وهي تعارض «بريكسيت،» وتتمنى أن يتم إجراء استفتاء ثان حول الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وردا على سؤال بشأن ما إذا كانت تعتزم البقاء في بوسطن التي يوجد بها الكثير من المؤيدين لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أكدت أنها لن تبقى فيها وأعربت عن استيائها من حدوث هذا التطور المحتمل. وهي تبدو على استعداد لمغادرة البلدة، مثلها في ذلك مثل كثير من أبناء أوروبا الشرقية.