الناصرة-“القدس العربي”:لم تكتف إسرائيل باحتلال الجغرافيا فحسب بل سعت وما زالت لاحتلال التاريخ ضمن الحرب المفتوحة على الرواية مع الشعب الفلسطيني وبما يتعلق بالمواطنين العرب الفلسطينيين فيها والمعروفين بـ “فلسطينيي الداخل” فهي حرصت منذ نكبة 1948 على ترويضهم واحتلال وعيهم بمخططات أسرلة تتم حتى اليوم بعدة وسائل، أخطرها المدارس ومناهج تعليم باللغة العربية مضمونها يحّدده خبراء يهود شرقيون اعتباراتهم سياسية أكثر منها تربوية. وعلى المستوى العام ومقابل كل الشعب الفلسطيني طالما راهنت إسرائيل على موت الكبار ونسيان الصغار كي يّسلم الفلسطينيون بالأمر الواقع ويتبنون روايتها وربما يشعرون بالاغتراب حيال وطنهم في ظل تغيير ملامحه ومشاهد طبيعته وتسمياته. بهذا الهاجس زرت هذا الأسبوع بلدة حطين وهي قرية فلسطينية مدمرة تقع في قضاء الناصرة داخل أراضي 48. في حطين لم ينج من يد الهدم الإسرائيلية غير المسجد وقبور دارسة وكروم زيتون تكابد الهجران والتخريب من قبل أبقار المستوطنة المجاورة “كفار حطيم” التي ورثت الأرض والتسمية. في مقدمة المسجد علقت لافتة على سياج محيط به تدعو الزائرين للحفاظ على النظافة وعلى عدم المساس بالأبقار. لافتة كتبها المستوطنون الجدد تدعو للاهتمام بالحيوان دون ذكر للإنسان صاحب المكان الذي تم طرده من موطنه، وفي لافتة أخرى حذروا بالعبرية “الغرباء” من الدخول!

الجد والحفيد
في هذه الزيارة دفعني الهاجس المذكور لمحاولة نقل الرواية الفلسطينية لحفيدي الذي يحمل اسمي، وهو لم يبلغ السنة ونصف السنة بعد. هو الهاجس المهيمنّ في خاطري الذي دفعني لاصطحاب من لن يدرك أي معنى حول المكان وهويته سوى الاستمتاع بالمشاهد الجديدة الريفية مقابل بحيرة طبرية المدهشة، خاصة أنه هو الآخر عالق منذ شهرين في البيت بسبب إغلاقات كورونا. لكن ليس هذا فحسب، فقد اصطحب الجد الجديد كاتب هذه السطور، حفيده ليغلق دائرة تاريخية. ففي حطين مسجد مهجور قام جد والدي المدعو محمود دخيل عواودة بإعادة بنائه في مطلع فترة الاستعمار البريطاني للبلاد فهو بناء بارع للعمارة الفلسطينية خاصة أبنية العقد والأنبوب وقد سمي والد وولد كاتب هذه الكلمات باسمه محمود. تتكرر الأسماء ويحافظ الفلسطينيون والعرب بشكل عام عليها فكيف لا ينقلون روايتهم التاريخية من جيل لجيل على أمل أن يتحقق هذا على أرض الواقع بشكل واسع ودقيق ومفيد.
نبعة ماء تواسي مئذنة المسجد
يبدو مسجد حطين حزينا ومئذنته يتيمة محرومة وصماء بعدما توقف صوت المؤذن منذ عقود عن اعتلاء درجها الداخلي الموصل لقمتها وهي محاطة بكروم زيتون والكثير من الهشير اليابس الأصفر، وربما تجد السلوان في نبعة مياه تنبع من جوارها تبّدد مللها ووحدتها بصوت خرير مياهها المتدفقة تذكرّها بصوت أهالي حطين المشتتين في بقاع الوطن والعالم وتبقى على أمل عودتهم. اعتليت سطح المسجد ووقفت أتمعن بمئذنته المطلة على سهل حطين الخصب وعلى كروم الزيتون تنتشر على مد النظر حتى صفد في الأفق البعيد وفي سري استذكر قول محمود درويش “لو عرف الزيتون غارسه لصار الزيت دمعا”.
رفع الآذان للمرة الأولى منذ 1948
تمعنت في عمارة المسجد الأسير المحاط بالأسلاك وشجرة التوت الناجية من الاقتلاع في فنائه، وفي سري تدفقت ودافعت أسئلة كثيرة فقلت كم مرة تناول الحاج محمود دخيل من ثمار التوت والتين وهو يبني هذا المسجد؟ وهل خطر في باله أن يرحل أهالي حطين وتهدم بيوتهم وينجو فقط ما بناه هو؟ وهل خطر بباله أن حفيده الخامس سيقف على أطلال هذا المسجد المشحون برمزية المكان حيث الخط الفاصل بين أهالي البلاد وبين المستوطنين القدامى يوم هزموا فيه عام 1987؟ وهل الصليبيون الجدد سينالون مصيرا مختلفتا كما يتساءل مؤرخون إسرائيليون أيضا أمثال بني موريس وغيرها من الأسئلة. اشتعلت الأسئلة والذكريات في رأس الجد فيما كان الحفيد مندهشا فرحا بهذا المشهد الجديد المطل على عوالم لم يرها من قبل سيما وهو خارج للتو من “سجنه” داخل البيت طيلة فترة الإغلاق. من يعلم ربما يروي أحفاده نقلا عنه هذه الزيارة بعد عقود وقد عاد أصحاب حطين إلى ديارهم ورفع صوت الآذان من جديد! بهذا السياق يذكر أن عبد شبيطة ابن حطين المهجر والمقيم في حيفا قد رفع قبل عشر سنوات آذان الظهر للمرة الأولى منذ النكبة، وفي ذكراها السنوية صلى الأهالي فيه رغم إحاطته بالأسلاك الشائكة. ووقتها قال شبايطة لـ “القدس العربي”: “كدت أطير فرحا وأنا أرفع الآذان في مسجد حطين الأسير فطالما راودني هذا الحلم وفاء لوصية والدي قبل وفاته”.
الخانقية الصلاحية
ويوضح الدكتور عبد الرازق متاني الخبير بالعمارة الإسلامية لـ”القدس العربي” أنه بخلاف ما يعرف حتى الآن فإن الحديث يدور عن خانقية وليس مجرد مسجد، منوها أن صلاح الدين الأيوبي أمر ببناء “الخانقية الصلاحية” في القدس وأخرى مثلها في حطين، وهي عبارة عن عمارة تشمل مسجدا وغرف تعليم للدين والعلوم ومنافع وحمامات. كما أوضح متاني أن “الخانقية الصلاحية” في حطين قد شهدت ثلاث عمليات ترميم منذ الفترة الأيوبية-المملوكية حتى 1948 ويقول إن قسمه الداخلي الجنوبي مبني على الطراز المعماري “النصف برميلي” مع محراب عميق كما يميز العمارة الأيوبية-المملوكية المبكرة. وفي القسم الشمالي هناك غرف صلاة واسعة: عقدان للصلاة وعقدان مجاوران في الجهة الجنوبية-الشرقية للمسجد حيث مدخله الذي يفضي لعين الماء المتدفقة والتي تم تسييرها في قناة أسفل المسجد من الجزء الجنوبي وتطل فوق الأرض في القسم الشمالي وتبلغ لمرافق الوضوء والحمامات. ومن الخارج هناك رواقان متصلان بكل العمارة ومئذنة هي جزء لا يتجزأ منها وتم ترميمها في الفترة العثمانية وهي تقوم على أسس عمرانية قديمة. ويشير أن ما يميز مسجد حطين عن بقية المساجد بكونه عمارة كاملة تضم غرفا للصلاة وغرفا للتعليم وحمامات داخلية.
وما لبث أن أضيفت لـ “خانقية صلاح الدين” ملاحق وخضع لترميمات كونه يقع قريبا جدا من ما يعرف بحفرة الانهدام الكبير مما يصبح عرضة للتصدعات نتيجة الزلازل. أما مئذنة مسجد حطين فهي مبنية على طراز “المآذن القلمية” ومشابهة جدا لمئذنتي المسجد الكبير في طبرية والمسجد الصغير في قيسارية، مثلما تشبه مئذنة مسجد الجزار في عكا لكنها أقصر. ويبدو أن لصوص الآثار قد استغلوا فترة الإغلاق في ظل كورونا للقيام بالعبث في المسجد، فهناك لوحة حجرية قد انتزعت منه وتم نبش أرضيته بحثا عن آثار أو كنوز. ويحمل الدكتور متاني سلطة الآثار الإسرائيلية مسؤولية حماية هذا الموقع التاريخي النادر المشحون بدلالة انتصار العرب والمسلمين على الصليبيين.
قرية حطين
وقتها استدرج صلاح الدين الأيوبي الصليبيين لسهل حطين في ذاك الصيف الحار فوصلوا من صفورية منهكين من الظمأ والمسير. وصل الصليبيون سطح جبل طبرية المشرف على سهل حطين، وهي هضبة لها قمتان أشبه بالقرنين لذلك أسماها العرب “قرون حطين” وقد حرص صلاح الدين أن يمنع الجنود الغزاة من الوصول إلى الماء في ذاك اليوم الحار ثم أمر بإحراق الأعشاب والأشوال التي تكسو الهضبة، وفي نفس الوقت فرض حصارا على الهضبة مطوقا جيش الفرنجة، وهكذا بدأ الهجوم الشامل عليهم هجوما كاسحا. ومن حطين استمر صلاح الدين تحريره للمدن الفلسطينية الأخرى بعد طبرية وتوّجه بتحرير القدس بذات العام كما أكد المؤرخ بروفيسور محمود يزبك لـ “القدس العربي”. مرجحا أن قرية حطين غربي طبرية التي تمتاز بموقعها الاستراتيجي على مفترق طرق قد قامت على موقع قرية “أصديم” الكنعانية التي اكتسبت في القرن الثالث قبل الميلاد اسم “حطين” (كفر الحنطة) وقد عرفت بـ “كفار حتايا” في العهد الروماني. قبيل نكبتها عام 1948 عدت حطين الفلسطينية نحو 600 نسمة وكانت تعتاش على القمح والحبوب والزيتون وأشجار الفواكه من الرمان إلى البرتقال، وقد شاركت مستعمرتا كفار زيتيم وأربيل بالسيطرة على أراضيها سوية مع مستعمرة “كفار حطيم” التي ورثت اسمها أيضا.
“جرف أربيل” جرف وادي الحمام
مقابل مسجد حطين يبرز جرف وادي الحمام الصخري الناجم عن خلع جيولوجي فريد، المطل على بحيرة طبرية والجولان وهو جبل شاهق ويحتوي على مئات المغاور المفتوحة من العصر الروماني وهو منظر يحبس الانفاس فعلا. وبوسع الزائرين خوض تجربة في النّزول إلى قلعة قديمة متآكلة في سفح الجبل بمساعدة الدّرج، الأوتاد والحبال المعدنيّة التي عُلّقَت في المكان للتمسك بها لسلامة الزائرين. وقد تكوّنت هذه القلعة بواسطة معابر سريّة بينَ المغاور، فَقد حُفِرَت هذه المغاور في الأساس بشكلٍ طبيعيّ، ومن ثمّ قام الإنسان بتوسيعها لهدف السّكن فيها واليوم هناك قرية فلسطينية تدعى وادي الحمام تجاور الجرف الصخري من جهته الشمالية وهي محاطة بينابيع كثيرة تتجمع في وادي يمر منها ويصب في البحيرة. ويقدّر الباحثون في الآثار أن هناك 350 كهفا طبيعيا في سفح الجبل عاش فيها البشر منذ عصور ما قبل التاريخ.
الثورة على هيرودوس
وتزعم سلطة المحميات الإسرائيلية أن هناك آثارا دارسة لكنيس قديم رغم عدم وجود نقوش أو إشارات يهودية في المكان وأن المكان كان بؤرة لـ “ثورة أربيل” والمقصود ثورة يهود الجليل ضد ملك الرومان هيرودوس في عام 38 قبل الميلاد في محاولة للاستقلال. وحسب الرواية الصهيونية فقد احتمى الثوار اليهود ضد حكم الرومان بكهوف هذا الجبل خلال ثورة اليهود الكبرى عام 66-70 ميلادي. ورغم نجاحهم في إلحاق خسائر فادحة في جيش هيرودوس لكنه قضى على الثورة رغم استخدام الثوار الكهوف هنا ملاجئ لهم بعدما بادر لمداهمتهم بمقاتلينه ممن تم إدخالهم في صناديق في المنحدر باستخدام الحبال والبكرات وفق مصادر تاريخية يهودية. وفي العصر العثماني بنيت قلعة في منحدر الجبل ولا تزال آثارها شامخة حتى اليوم. في أرجاء المحمية الطبيعية في منطقة حطين تنتشر توابيت حجرية عرفت بالفترة اليونانية القديمة بـ”النواويس” ويشكلّ كل تابوت صندوقا وغطاء محكما محدبا من الحجر الجيري عليه نقشت زخارف متنوعة الأشكال.
وادي الليمون
وكانت أكثر مناطقها خصوبة منطقة وادي الليمون المتجه نحو وادي الحمام شمالا وبفضل ينابيعها هناك وفي مناطق أخرى زرع الأهالي كروم الجوز الأمريكي. ويستذكر أهالي حطين أن جارتها نمرين، عرابة البطوف، سخنين، دير حنا وعيلبون ونمرين ولوبية، كانوا يمرون من حطين وهم في طريقهم لطبريا للاستراحة عند قسطل بلدتهم والارتواء من مياهه هم ودوابهم. ويوضح ابن حطين محمد توفيق حوراني لـ “القدس العربي” أن حطين نقلت قسما من محاصيلها (باذنجان، بندورة وزهرة والحمضيات والتفاح والمشمش والتوت وغيرها الكثير) لمدينة طبريا كما فعلت قرى أخرى حتى عرابة البطوف. وحتى أراضي مستوطنة “متسبيه” تقوم على منطقة “عين الكتب” التي كانت تتبع لأهالي حطين وباعها بالخدعة إقطاعي لبناني يدعى مصباح رمضان عام 1908 كما يؤكد في شهادته محمد توفيق حوراني. ويوضح حوراني أن حطين امتلكت 23 ألف دونم منها 1600 دونم زرعت بالريّ ويتابع “كل البلاد من حولنا استهلكت خضرتها من حطين وكانت أغنى البلاد”. ويشير حوراني لوفرة عيون حطين منها نبع تدفق قريبا من النبي شعيب ومنه تفرعت قنوات من باطون بين البيوت.
مقام النبي شعيب
على بعد 100 مترا يقع مقام النبي شعيبّ وهو مكان مقدس للعرب الدروز ويؤكد الجغرافي الفلسطيني دكتور شكري عراف في كتابه “طبقات الأنبياء والأولياء الصّالحين في الأرض المقدّسة” أن اسمه شُعَيْب بن نوبة بن مِدْيَن بن إبراهيم، وهو أحد أربعة أنبياء عرب وهم: هود، صالح، شعيب ومحمّد عليهم الصّلاة. وورد ذِكْرُهُ في القرآن الكريم في السُّوَر: الأعراف، العنكبوت، هود والشُّعراء. ويستذكر الباحث الفلسطيني في التراث نمر نمر أبو فكري ابن الطائفية المعروفية أن شعيبّ كان خطيباً فصيحاً، دعا إلى توحيد الخالق والعدل بين النّاس، دون الكَيْل بمكيالَين. في كتابه: “من قرانا المُهجرة في الجليل” يقول المؤرخ الفلسطيني جميل عرفات إنّ صلاح الدّين الأيوبي قام بترميم المقام بعد انتصاره على الصليبيين فيما جرى التّرميم الثّاني بمبادرة الشّيخ مهنّا طريف عام 1884 بعد أن جمع التَّبَرُّعاتَ من ديارنا ومن سوريا ولبنان. ومنذ قرون اختير التّاريخ 25 نيسان/ابريل للاحتفال موعدا لزيارة مقام النبي شعيبّ لأنه موسم الرّبيع، مفصل بين الشتاء والصّيف والمواسم الزّراعيّة، وسهولة التّنقّل والوصول من مختلف البلدان والقرى، وهكذا جرى هذا التّقليد السنوي منذ ذلك الحين. والزّيارة ليست مقصورة على أبناء الطّائفة المعروفية بل تشارك بها وفود تمثيليّة من مختلف الطّوائف في البلاد، لتقديم التّهاني للمُحتفلين بالزّيارة. تركنا، وديع الكبير ووديع الصغير منطقة حطين وما حولها وفي الأول أمل بالعودة يوما ما وفي الثاني ابتهاج بمشهد ريفي ساحر كحّل عينيه السوداوين به للمرة الأولى.