الناصرة-“القدس العربي”:عندما بدأت جائحة كورونا في إسرائيل في شباط /فبراير الماضي كانت البلدات العربية آمنة ونظيفة وما لبثت أن تحققت التحذيرات فشبت نار العدوى في الموجة الثانية، واليوم تتصدر هذه البلدات لائحة الأكثر إصابة في البلاد خاصة دير الأسد التي واجهت وتواجه العدوى بكورونا بالابتسامة والدلعونا كما روى بعض سكانها لـ “القدس العربي”. من جهتها لعبت الطواقم الطبية العربية داخل المستشفيات الإسرائيلية دورا رياديا في مواجهة كورونا مما دفع مدير مستشفى تل هشومير للقول إن إسرائيل لم تكن قادرة على مواجهة العدوى في موجتها الأولى بدون الأطباء والممرضين العرب. ومع ذلك فإن السلطات الإسرائيلية قد خصصت 2 في المئة فقط من الميزانيات والمساعدات للحكم المحلي العربي. في المقابل لوحظ نشاط محموم لقوات الجيش التابعة لـ “الجبهة الداخلية” داخل البلدات العربية وهناك من اعتبرها محاولة ماكرة للتأثير على الوعي بطريقة غير مباشرة تهدف تعميم الوعي والشعور بأن “كافتنا إسرائيليون” في هذا الواقع الجديد. عن ذلك يقول أستاذ العلوم السياسية بروفيسور سعيد زيداني إن “حدود التمييز تنتهي إذا أضرت بالأغلبية اليهودية وهذا يفسر المعاملة المتساوية في الفحوصات والإجراءات، بينما غير المتساوية في مجال الدعم المالي”. وعن بروز دور الحكم المحلي يقول زيداني إن الحكم الذاتي هو الذي يعطي الهيئات القيادية العربية سلطة القرار الجماعي بالنسبة لفلسطينيي 48 وذلك بدلا عن دور المطالبات والتوصيات الذي تمارسه القائمة المشتركة. ويرى الخبير النفسي البروفيسور مروان دويري أنه في فترة كورونا يمكن مشاهدة طبيعة العلاقة الإشكالية بين المواطنين العرب والدولة، فمن جهة وجد المواطنون العرب أنفسهم متعلقين بالدولة ومؤسساتها وقوانينها بما في ذلك الشرطة ومن جهة أخرى شعروا بالتمييز في تعاملها معهم بالمقارنة مع المواطنين اليهود. وردا على سؤال عن مفاعيل كورونا على الوعي يوضح دويري أن فترة كورونا زادت من الشعور بالمصير المشترك للمواطنين اليهود والعرب وكسرت حواجز عديدة كانت قائمة مع بعض المؤسسات مثل الشرطة وأيضا مع بعض المستوطنات والمدن اليهودية وخلقت جوا من التعاون والتكافل. ويتفق بروفيسور دويري مع زيداني بالإشارة إلى أن الطواقم الطبية العربية عملت بجهد كبير لكنها لم تحظ بالتقدير المناسب خاصة في الإعلام الذي قابل عشرات الأطباء اليهود ويكاد لم يقابل أي طبيب عربي فبقوا الأطباء العرب جنودا من وراء الكواليس. في المقابل يؤكد دويري الذي تطوع لخدمة المحتاجين لمساعدات نفسية في فترة كورونا أنه على صعيد داخل المجتمع العربي نشأت علاقات تعاون وتكافل بين المؤسسات والأحزاب والقيادات، وأيضا تجند الكثير من المهنيين النفسيين والاجتماعيين لتقديم المحاضرات والتوجيهات والدعم النفسي الهاتفي لحالات الضغط والقلق النفسي.
دير الأسد
وتألقت قرية دير الأسد في الجليل بهذه الأريحية وبتجند مئات من شبابها لجنة شعبية محلية تولت كافة مهام الدفاع عن الأهالي بعدما نالت منهم هذه العدوى وجعلت بلدتهم تتصدر لائحة البلدات المصابة في كل البلاد لفترة طويلة. ما شهدته هذه القرية المتكئة على سفوح جبل شاهق المليء بالمغاور العملاقة كان غير مسبوق وصادم ويثير للخوف الهستيري من المجهول ويذكر بمشاهد مثيرة للرعب في رواية “العمى” لسراماغو. بعدما كانت قرية وادعة في قلب الجليل داهمت دير الأسد العدوى فجأة وانتشرت كالنار في الهشيم حيث أصيب بضع مئات فيها بكورونا وفق تقديرات وزارة الصحة الإسرائيلية ولاحقا تبين أن مصدرها مسلخ ومصنع للحوم وذلك بعدما أخفى عامل يهودي حقيقة إصابته بالعدوى فنقلها لعمال آخرين وهم بدورهم نقلوها لأهاليهم بسرعة بطبيعة الحال خاصة لعدم اتخاذ تدابير السلامة والحذر من قبل إدارة المسلخ مبكرا وبشكل كاف ومن قسم من الأهالي، لكن مالكي وإدارة المصنع تنفي ذلك. وتفاقمت حالة الخوف لدى الناس بعدما تدهورت الحالة الصحية لسيدة حامل بالشهر الثامن من البلدة فاضطر الأطباء لتوليدها بعملية قيصرية بعدما وصلت مرحلة الخطر فأدخلوها لنظام التنفس الاصطناعي وقد أدخلتها الإصابة بصدمة كبيرة وهي حتى اليوم تفضل حجب هويتها كما يؤكد الدكتور صالح صلاح طه.
المعاناة نفسية
والدكتور صالح صلاح طه طبيب ابن دير الأسد هو عضو طاقم مكافحة عدوى كورونا في مستشفى “الجليل” في مدينة نهاريا وقد أصيب خلال عمله فدخل في الحجر لمدة ثمانية أيام وما لبث أن استأنف عمله بعدها لمواجهة الجائحة سوية مع الكثير من الطواقم الطبية العربية. وردا على سؤال يقول طه عن تجربته وتجربة مرضى آخرين أن المعاناة الحقيقية جراء الفيروس نفسية بالأساس ويتابع “تلقيت محادثات هاتفية من مصابين محجورين في مرافق خاصة للحجر من دير الأسد ألحوا بالسؤال كل يوم متى نخرج من هنا؟ لقد فاض بنا وملينا ولماذا أنا لوحدي ولماذا مع أسرتي؟ منوها أن الشدّة منبعها تغير فجائي في نمط الحياة وأن الخوف استبد بالمصابين في المرحلة الأولى فهو فيروس غير معروف معرفة واسعة بالنسبة للأطباء ولذا كان المصاب يشعر أن في داخله عدو خطير وغير معروف. تمتاز بلدة دير الأسد بموهبة الشعر والغناء لدى الرجال والنساء وهناك من يعتبر أن التضاريس الجبلية الجميلة للدير تلعب دورا في تنمية هذه المواهب ويقول بعض شيوخها إن لقرية دير الأسد فضلا على ازدهار موهبة الراحل محمود درويش الذي أقام فيها خلال طفولته بعد عودته وعائلته من لبنان بعد 1948.
قلعة البلدان
وينتمي لهذه القرية شاعر القصيدة العامية البارز سعود الأسدي الذي ورث موهبة القصيد من والده وعمه الحدائيّن أبو سعود وأبو غازي الشعبيين الشهيرين. سعود الأسدي المقيم في مدينة الناصرة في بلدته دير الأسد فضّل النظر للجائحة بمنظار أوسع بكثير مذكّرا بأنها كونية لكنه هو الآخر عالجها بالابتسامة والدعابة فكتب بها قصيدة أبدى دهشته حيالها وهي التي أذلت دولا عظمى أنخت ركابها أمام هذا الفيروس غير المرئي إلا بتكبيره بمئات الأضعاف عبر المجهر. كذلك هي مسقط رأس الفنان رفعت الأسدي الذي تجند هو الآخر لمواجهة الجائحة عاملا على رفع معنويات الناس في محنتهم من خلال فنه وشعره الشعبي. في واحدة من هذه القصائد الشعبية قال الأسدي في شريط مسجل بثته الإذاعات ومنتديات التواص الاجتماعي:
“تعيش دير الأسد يا قلعة البلدان…أسال إله السماء الرب يحميها
والبعنة يا جارتي يا خيرة الجيران… وأرض الجليل العريقة سيفنا الرنان
وأرض المثلث بدماتي أرويها…والنقب عزّ الكرامة مثلها ما كان
أوف أوف… من حمى دير الأسد .. من قلعة الجيلان أحلى معاني بـ هالساعة معانيها”.
مقام الشيخ الأسدي
كما تمتاز بمقام الشيخ محمد الأسدي في مركز دير الأسد وفي الماضي كانت تتبع لقرية البعنة المجاورة وتعرف بـ “دير البعنة” قبل أن تصبح دير الأسد الذي ما زال الأهالي يدأبون على زيارته والتبرك به. أصابت كورونا أهالي دير الأسد بالصدمة واستبد الخوف في الكثيرين منهم بعدما تبين حجم ووتيرة انتشارها لكنهم ما لبثوا أن استعادوا أنفاسهم وواجهوا الجائحة باحترام كبير لتعليمات الحجر والتباعد الاجتماعي وغيرها ووظفوا روحهم الفكاهية في تخفيف وطأتها والتغلب عليها وهي اليوم في مرحلة متقدمة من التعافي، فعدد المتشافين في ازدياد وعدد المصابين نحو المئة اليوم أما جارتها قرية البعنة فأصابتها العدوى أيضا ولكن بحجم أقل بكثير ويبلغ عدد المصابين بها اليوم نحو 30 شخصا فقط.
شيخ القرية
وتعبرّ الكاتبة الأديبة ميسون أسدى ابنة دير الأسد عن نظرة ومعالجة أهاليها للعدوى بالابتسامة وبالأمل والتفاؤل رغم خطورتها، وتشير أن كورونا أصابت أهالي بلدتها بالصدمة والترويع في البداية خاصة أنهم محبّون جدا لحياة الرفاه ويقبلون عليها بحب وشغف ويمارسون حياتهم في وطنهم بسعادة وغير معتادين على محنة بهذا المذاق المرّ. وتنوه أن صدمة دير الأسد زادت عندما خطفت العدوى الشيخ أحمد نعمة الأسدي (90 عاما) المتميز بخفة ظله وروحه الشبابية والفكاهية وهو أول رئيس مجلس محلي في القرية. وقد جاء رحيله ضربة معنوية موجعة خاصة أنهم حرموا من المشاركة في تشييع جثمانه فاكتفى الأهالي بالخروج لشرفات البيوت وتوديعه عن بعد وإلقاء الورود على نعشه خلال الدوران بجثمانه المحمول على سيارة في شوارع البلدة تتقدمها فرقة كشافة تحمل الطبول والصنوج والأعلام والمعروفة بـ “العدة” وسط ترتيل ينشد خلف الميت وهذه عادة يتوارثها أبناء عائلة الأسدي احتراما للولي الأسدي في القرية. وزاد الوجع في دير الأسد عندما رحل ثلاثة أشخاص في القرية جراء أمراض أخرى في فترة الحجر وحظر التجول العام ولم يتمكن الأهالي من المشاركة في تشييع الجثامين.
الجيزة والموتة حلوة في الدير
كما تستذكر ميسون أسدي سيادة أجواء الرعب والخوف في البدايات خاصة أن الكثيرين فجأة تلقوا إنذارات من وزارة الصحة تبلغهم بأن عليهم الدخول في حجر لاقترابهم من مصابين بالعدوى وتتابع “تخيل أن شقيقتي وزوجها ذهبا لمرآب لتصليح سيارة وما لبثا أن تلقيا مكالمة تدعوهما لدخول الحجر لأسبوعين”. وتضيف “لا تنسى العناوين الصحافية عن دير الأسد قد أثقلت على أهاليها”. وتقول ميسون أسدي أن كورونا وثقّ العلاقات الاجتماعية بين الناس ولكن ليس في دير الأسد لأن التكافل الاجتماعي طالما لازمها وميزتها المجاملات الاجتماعية الدائمة خاصة أنهم ينتمون لجد واحد. وأضافت “طالما كنت أسمع والدي حتى اليوم وكذلك آخرون يقولون إن الجيزة والموتة بين أهالي الدير حلوة، بسبب هذا التكاتف الاجتماعي بين كل الأهالي رغم أن تعدادهم تجاوز العشرة آلاف نسمة”. وهذا ما يؤكده أيضا الشيخ أحمد علي (أبو علي) الملقب بالمختار ويستذكر أنه عندما توفي الشيخ قاسم حسين الأسدي جاء وفد كبير من النقب للمشاركة بالجنازة وعندما شاهدوا الموكب والأناشيد في مقدمة النعش قال أحد أعضاء الوفد “هنياله اللي بموت بدير الأسد”. واعتادت عائلة الأسدي وبعض العائلات الأخرى على صيانة هذه التقاليد حيث ينطلق موكب التشييع من مقام الولي محمد الأسدي ويسمونها أدوات الطقوس من طبول وصنوج ورايات بـ “العدة”. ويقول إن كورونا علم الناس درسا لعدم احترامهم التعليمات والاستهتار بها في البداية لكن الخوف من العدوى دفع الجميع لتغيير نمط حياتهم. ويتابع “الضغط علينا دفعنا للحيطة والحذر كي لا ننتكب والموت عدو مخيف شجعنا على مواجهة العدوى كما يجب واليوم والحمد لله تحسنت حالتنا كثيرا”. ومع ذلك تقول ميسون أسدي إنها لاحظت تنبه الكثيرين بأن مصيرك ليس بيديك وأن الإنسان مهما تطور ونجح وامتلك فهو عرضة لمخاطر غير متوقعة.
باب الشمس
وربما تجلت النظرة للحياة بهذه الابتسامة والأريحية لدى أهالي دير الأسد كما تقول الكاتبة ميسون أسدي بقصة الراحل سعيد صالح عبد الهادي الأسدي اللاجئ من القرية في لبنان بعد نكبة 1948 حيث كان يتسلل عبر جنوب لبنان لدير الأسد ويلتقيها فأنجبا عشرة أبناء وهم اليوم وأبناؤهم وأحفادهم يعدون بالعشرات. وقد شكلت هذه الملحمة الإنسانية واحدة من مصادر إلهام الأديب الياس خوري في روايته الرائعة “باب الشمس”. كما تتجلى هذه الروح المتفائلة المتشبثة بالحياة بما كتبته ميسون أسدي نفسها من أبيات شعرية بعضها مغناة تسخر من هذه الجائحة وتفف من وطأتها وإحدى هذه القصائد بعنوان “أهل البلد عموم” وفيها تدمج بين العتب والحب والتأمل ولكن بلغة تميل للسخرية وختامها أمل:
اهلا وسهلا فيك يا كورونا في البلد
دخلتْ خِلسة ولم يُدركك أحد
ضحكوا عليك الناس واستخفّوا فيك
وما عرفوا معنى ظهور نيوب الأسد
***
رفعت كرباجك علشان تروّض فيه الناس
والناس مشغولة عنك بلا إحساس
رايحين جايين ولا مهتمين
أكلوا وشربوا ذاقوا مرارة الكاس
الكورونا والدلعونا
كيف لا، فقد كتبت ميسون أسدي للأطفال وهم جمهور هدفها الأول فجمعت في قصيدة لهم بين “كورونا وبين الدلعونا التي يعشقها” الديراوية “بشكل خاص وهي بلدة الشعراء والمغنين والفنانين. في قصيدتها للأطفال (الكورونا والدلعونا) ترسم الابتسامة وتستحضر التعليمات الخاصة بتدابير الوقاية والأمان كما يتضح في مطلعها:
الكورونا صغيرة ما بتنشاف دايرة تضرب بالآلاف
أنا صغير قاعد بالبيت وقالولي لازم تخاف
***
الكورونا بتمشي حوالينا كيف إجت ما حسّينا
والماما عمّالها تقول: لازم نغسل أيدينا