بلدنا.. وحساب أعواد الكبريت!!
بلدنا.. وحساب أعواد الكبريت!! ما أسباب هبوط قيمة الإنسان عندنا؟ فقد أوصلناها لأن تتساوي روحه واشتعال عود الكبريت تماما، حتي لتبدو لنا أن رسوم الشموع المضيئة الدامعة التي يرسمها أطفالنا كتعبير عظيمة جدا أمام واقع مغاير تماما! فضغط علي زناد سلاح في يد من لا يقدر ولا يعرف معني طهارة وشرف السلاح كفيلة لأن تزهق روح إنسان بريء، فيقضي إنساننا وقيمته في أفكارنا ونظرياتنا الحاضرة المشوهة لا تزيد كثيرا عن انفعالنا إزاء اشتعال عود الكبريت، صحيح أن من أعواد الكبريت ما يستخدم لإشعال زيت في نبراس بهدف إضاءة المحيط حتي تتضح الرؤية، وصحيح أن عود الكبريت هذا قد يستخدم لإشعال نار حريق فظيعة تأكل الأخضر واليابس، لكن الأصح والذي نحن يصدده هنا أن هذا الإنسان نتعامل مع قيمته علي أساس أنه عود كبريت يدهشنا توهجه للحظة.. لكن أحاسيسنا ومشاعرنا ومواقفنا وتقديرنا سرعان ما تخبو تماما مثل سرعة اشتعاله حتي يصبح رمادا ليس ذا قيمة علي الإطلاق!!.. لماذا نكتفي بالمضي في صمت روحي ونفسي عميق نستشرف آلام أمهات هؤلاء الشباب، ونتلمس دموعهن الحارة وأحزانهن، ألا يجب أن نجهر بأسئلتنا، فنحن بانتظار من يقنعنا بالجواب ويبين لنا ثمن أرواح هؤلاء الشهداء ـ هل يجوز أن نتحول إلي نادي هواة الجمع وحساب الإنسان في هذا البلد بلغة الأرقام؟ وبما أني ارفض أن أكون في الجوقة، لماذا هذا الإصرار علي أن الشهداء قد مضوا من أجل تأكيد برنامج انتخابي نقعه الناس وشربوه متغافلين عن أن الشهداء كانوا مكشوفين للجواسيس علي الأرض ومناظير الطائرات الحربية القناصة من الجو! لماذا كل هذا الاستهتار بحياة أبنائنا.. أزعم أني أنطق بهذا السؤال نيابة عن كل أم فجعت بفلذة كبدها وعن كل أب كان يود لو أن روح ابنه مضت بفعل فدائي أو درب نضال أو كفاح أو جهاد منظور ملموس النتائج، فذوو الشهداء لا يرضون أن تنتهي سيرة أبنائهم في الحياة لتختزل كصورة بوستر وشعار فصيل علي جدار تأكله شمس النهار وتمزقه ماء المطر ولا يبقي بعد حين منها إلا الغراء وما علق فيه من بعض الورق.هل حاسب قادة الفصائل السياسيين والقادة الميدانيين أنفسهم؟ وهل أجروا نقدا سريا أو علنيا لمعالجة موضوع الخسائر البشرية بدون هدف أو مقابل؟ فان كانوا قد فعلوا ونحن لا ندري فلماذا تتعاظم وتتضاعف الخسائر عندنا فقط، ألا يدركون التطور التكنولوجي لسلاح جيش الاحتلال الإسرائيلي، أم تراهم يعتقدون أن سيرة الدم والقتال والدمار والآلام والأحزان هي سنة هذا الشعب، وأنه لا بديل عنها لتحقيق الحرية.. كيف لم يبدع القادة ـ إن كانوا قادة بالمعني الحقيقي ـ سبلا ومناهج كفاحية ونضالية ترقي بمستوي الإنسان عقلا وعلما ومعرفة وثقافة وتعزيزا لهويته الوطنية وتجذيرا لصموده علي أرضه، أين الاقتصاد والمال الذي يكفينا شر السؤال ومد اليد للحكومات اللي بتسوي واللي ما بتسوي ؟! لماذا الاصرار علي تقديم صورة المدينة الفاضلة في الخطابات كنموذج مع أننا نشعر بالزلزال ونتلمس الانكسار العميق الناجم من فظاعة انفلات الأمن والأخلاق فيها؟ كيف عجزنا عن دراسة تجارب الشعوب التي ناضلت وكافحت وانتصرت، فمدرسة مانديلا في جنوب أفريقيا وغاندي في الهند هما مدرستان نضاليتان فكيف لا نستوحي منهما التجربة ونطورها لتتلائم مع ظروف قضيتنا وخصائصها.. إلا إذا كان الكثير منا مازال مستمتعا بسيرة الدم والسيف كمسلسلات رمضان باعتبارها الوسيلة الفريدة للشهرة واحتلال مواقع القيادة؟!!موفق مطررسالة علي البريد الالكتروني6