ليس تفصيلاً أن يتمكن لبنان، بعد نصف عام على حرب خريف 2024 التي لم تتوقف عملياً رغم إبرام اتفاق وقف إطلاق نار، من التوجه للصناديق، في هيئة انتخابات بلدية واختيارية، هي الأولى على هذا الصعيد منذ تسع سنوات.
يجري هذا الاستحقاق فيما عدد كبير من بلدات الجنوب والبقاع ومساحات من منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت تحت الأنقاض، وإعادة الإعمار موصدة أمامها السبل، ما بين مال إيراني مقيّد وبين مال عربي مقايض بالنزع النهائي لسلاح «حزب الله». أما الغارات الإسرائيلية فعادت تستهدف العمق اللبناني مؤخراً.
يمهّد الاستحقاق البلدي بشكل أو بآخر للانتخابات النيابية المنتظرة في العام المقبل، بحيث يعطي لمحة عن الأحجام والأوزان والأمزجة، مع احتساب الفارق بين طبيعة الاختبارين، حيث أن مستوى «السياسة» في الانتخابات البلدية متقلّب، ومتداخل مع الحسابات العائلية أكثر، مثلما أن المجالس البلدية غير موزّعة رسمياً على أساس التمثيل الطائفي، رغم أن مراعاة المناصفة الإسلامية المسيحية بالنسبة إلى أعضاء المجلس البلدي لمدينة بيروت ماثل كعرف، وقد جرى على أساس هذا العرف ابتزاز الناس بأنكم إما أن تنتخبوا لائحة توليفة الأحزاب المتعادية فيما بينها، المؤتلفة لضرورات هذه المناصفة، وإما تتسببون بالإطاحة بالمناصفة، وتعريض الوفاق الأهلي للصدع. ومع هذا، اختلت المناصفة في بيروت هذه المرة، بخلاف ما حصل في الاستحقاق السابق. والاختلاف بين الانتخابات البلدية من جهة، والنيابية من جهة ثانية، يرتبط أيضا بالتفاوت في سعة الدوائر… سوى في مدينة بيروت. حيث المفارقة أنها تنتخب، كلها، المجلس المدني، في حين تنقسم إلى ثلاث دوائر، لانتخاب نوابها، ما يجعل عضو المجلس البلدي أكثر تمثيلية شعبيا، من عضو البرلمان عن نفس المدينة.
كما أن النظام الانتخابي، هو أكثري مفتوح – إذ لا لوائح مقفلة – في البلديات، ونسبي – على قاعدة الصوت التفضيلي – في الانتخابات التشريعية.
مع هذه الاختلافات، لا بأس بالتعاطي مع المؤشرات التالية على أنها ستفرض نفسها على التحضيرات من أجل المعركة النيابية المقبلة: ازدياد الطابع المحوري للقوات اللبنانية على الساحة المسيحية، عدم ظهور ملامح تشكل قوة موالية سياسية بشكل مباشر لرئيس الجمهورية حتى الآن، رغم الوقع الحسن لاسمه في الساحة المسيحية بشكل عام، وبما يجاوز الانقسامات السياسية البحت داخلها، وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من التصدر القواتي للمشهد المسيحي العام، استمرار موزاييك ألوان الطيف المختلفة، التي لا يضارع أي منها ما للقوات، لكنها تجعل المشهد أكثر تعقيداً، مع ميل، أفضل نسبيا، لدى القوات، مقارنة بالاستحقاقات الماضية، للتشبيك غير العصبوي مع بعض الفعاليات والحساسيات. سنياً: صعوبة ملء الفراغ الذي أخلته الحريرية- باعتكافها القسري والذي لا يبدو أن له من نهاية – والامعان في الخصوصيات المحلية لكل منطقة، وارتياح المزاج الشعبي السني البيروتي عموما للخرق الذي أحدثه العميد محمود الجمل للائحة ائتلاف الأحزاب التي اعتبرت مفروضة فرضاً على هذا المزاج. شيعياً: الغموض المتصل بالمسار الذي يمكن أن تفضي إليه التحولات كما المكابرات ضمن مناخ «حزب الله» وآخرة الأخذ والرد في موضوع المعالجة النهائية لمسألة سلاحه. هذا في مقابل هشاشة البدائل المقترحة له، وسعيه، بالمشاركة مع حركة أمل، لفرض منطق «تزكية» الثنائي المتشكل منه ومنها، بما يجعل كل كلام حول التمايز الانتخابي بين هذين التشكيلين يلازم حدود التخمين حتى إشعار آخر.
يترافق كل هذا مع شحوب في التيار المتصف «بالتغييري» والمستظل بذكرى انتفاضة 17 أكتوبر الشعبية قبل ست سنوات، هذا على الرغم من محاكاة خطاب قسم العماد جوزف عون في الكثير لأدبيات هؤلاء «التغييريين»، وعلى الرغم من احتسابهم تكليف نواف سلام كواحدة من انتصاراتهم السياسية المتخيلة.
«بيروت مدينتي»
تأتي انتكاسة تجربة لائحة «بيروت مدينتي» المحسوبة على هذا المناخ التغييري – الليبرالي – اللاطائفي بعد أشهر من حملات التحريض الهائجة التي تعزف على نظرية المؤامرة ضد «اليسار العالمي» المدعوم من جورج سوروس، وهي حملات يستفاد منها وجود ضغط كبير سواء بين أصحاب المصارف أو لدى أمراء التشكيلات الحزبية الفئوية لاجتثاث أي مسعى تفلتي يبدر لدى المجتمع. وهذا لا يلغي أن التغييريين عموما «لا يكذبون خبرا» ويمكنون أخصامهم، إلى حد كبير، مما يريدون. فتجربة «بيروت مدينتي» كان لها وهجها قبل تسع سنوات، فإذا كانت لم تتمكن رغم الانهيار المالي للبلد، ورغم وهج انتفاضة 17 أكتوبر الشعبية خريف 2019، وانفجار مرفأ بيروت وتخريب أحياء عديدة منها في صيف 2020، والتجربة الكالحة للمجلس البلدي السابق، ورغم «احتباس الحريرية»، وآثار الحرب الأخيرة على حزب الله ولبنان، من أن تسجل، أقله، رقماً تصويتيا مقبولا، فهذا يعني، في أقل الايمان، أنها تخوض استحقاق 2025 كما لو كنا عام 2016، بدلا من أن تكون السنوات التسع فرصة لاستلحاق ما فاتها أصلا في المرة الماضية. بدلا من ذلك، وجد التغييريون ميلا لتحميل الذنب للناس، على تلكؤها عن انجاد لوائحهم، ومجاراتها للأحزاب الطائفية، وعدم رغبتها في الإصلاح. والحال أن الناس بالفعل ليس الإصلاح الآن في سلم أولوياتها، بل تحسين شروط الترقب للأيام الآتية. كل رهط يريد تحسين شروط الترقب ضمن محددات بيئته، ما ينتابها، وما يقلقها، في الداخل وفي الإقليم، ويريد أن يوفق بين الوضعية الأفضل له لجعله يتابع المتغيرات حوله، ويحترس من تداعياتها ويتحسب، وبين الحفاظ على القنوات المعتاد عليه لتسيير ما يمكن تسييره من أمور بالتي هي أحسن. الناس، بالفعل لا تريد في الوقت الحالي، «التغيير»، لكن من يريد التغيير عليه أن يحسم ما الذي يريده: تغييير منبثق من القواعد، أو تغيير يتشكل خطابه، وجهازه، من خارج القواعد، ثم يسعى تباعا، للتمدد إليها. بشكل عام، خطاب العناصر «التغييرية» في لبنان يدل على هشاشة نظرية كبيرة هنا. عندما يرون الجموع تبسمت لهم تأخذهم السكرة إلى «تأليه» الشعب والإرادة الشعبية، حتى إذا تباخلت عليهم الناس بأصواتها، أخذوا يتبرمون ويمتعضون من تواطؤ الناس مع أسباب تعاستها وقهرها وانسداد الأفق أمامها. والمشكلة بعد الانتخابات لا تحل بالتفتيش عن برامج تأهيل إضافية للناشطين المدنيين كي يتمرنوا على كيفية التواصل مع الناس. المشكلة لا تختزل في آلية التواصل. المشكلة في الفكرة نفسها. في كامل المنطق الذي تختزنه هذه الفكرة. في عدم القدرة على الاعتراف بأن مصالح الناس ليست هي نفسها، وليست اللعبة مناجاة الـ 99.99 في المئة ضد مجموعة أنفار قابضين من الأشرار والخبثاء. وأن الانقسامات الطائفية ليست مجموعة أوهام تحركها «الزعامات»، وأن أبناء الطبقات الشعبية قليلا ما يبحث الخطاب التغييري عن الاقتراب من أوضاعهم الفعلية، لصالح التمركز حول هموم ومكابدات الطبقة الوسطى، وهذه أيضا ليست مسألة تحلّ بتحسين قناة وأسلوب ومفردات التواصل. لكن، التغييريين، الذين تسجنهم خرافة «نحن الشعب»، أنى لهم في هذا الوضع التصالح مع الشرط الشارط لبناء أي موقع جذري ومؤثر بالفعل في الواقع اللبناني، فهذا لا يتأمن إلا على قاعدة أن يتصالح المبادرون إليه مع فكرة أنهم قلة، ومهمشين، لا يشبه تهميشهم السمة الاقتصادية الاجتماعية لتهميش الشرائح الأكثر شعبية وافقارا من الناس، إنما ثمة متسع للمزاوجة بين التهميشين.