الناصرة- “القدس العربي”:
“إلى زوجتي الرائعة المتفانية، نبض قلبي، شريكة دربي، مهجة فؤادي، إشراقة روحي ونفسي، وضياء حياتي وعمري”. هذا بعض ما جاء في صفحة الإهداء في الكتاب الجديد “بلدي دير حنّا… قصة حياة” حيث يهديه المؤلف الشيخ شريف سعيد علي الخطيب، من الجليل داخل أراضي 48، لوالديه أولاً، اللذين منحاه “الجرأة في البوح وقول الحقيقة دون مواربة أو خوف أو خجل”، وإلى زوجته، رفيقة دربه السيدة مريم غريب أبو الحوف/خطيب، وكذلك إلى أخته وإخوانه.
يدعوه الناس “أبو عصام”، لكنه وزوجته لم يرزقا بالبنين. حفظ لها الودّ والعشرة، ورفض كل دعوات الأقارب للزواج ثانية، كما هو مألوف في المجتمعات الريفية الشرقية، وبقي على حبه واحترامه لها وشراكته معها. عن ذلك يقول أبو عصام لـ “القدس العربي” إنه قد تزوج عام 1962، وإنه يحفظ لها حبّها واحترامها للشراكة بينهما، وإنه يبادلها المحبة بالمحبة، وأكثر، ولذا حرص على منحها الإهداء في صدارة قائمة من يهدي لهم عمله التوثيقي هذا. وهي من طرفها تقول إنها عاشت بمحبة ووئام واحترام مع زوجها أبو عصام عقوداً، وإنهما يعوضان فقدان الأولاد بعمل الخير، موضحة أنها راضية بنصيبها، خاصة أنها عرضت على زوجها أن يتزوج كي لا يحرم من البنين، لكنه رفض بشدة معتبرة ذلك دليلاً آخر على محبتهما وعمق شراكتهما لبعضهما البعض. ويشيران إلى أن كتابة الكتاب وتوزيعه مجانا لكل من يرغب جزء من أفعال الخير التي يحبانها ويواظبان عليها في مجالات شتى، منها إرسال من يرغب للرباط في الأقصى ضمن حافلات يقومان هما بتمويلها.
في الكتاب يروي أبو عصام بسرد روائي فوتوغرافي توثيقي لملامح الحياة في بلدته دير حنّا قبل وبعد نكبة 1948، منضماً بذلك لسلسلة كتب مذكرات ويوميات فلسطينية يصدرها أشخاص عاديون ويساهمون في حفظ التاريخ الاجتماعي المحلي في الأرياف والمدن.
في “ما يشبه المقدمة” يقول الدكتور عماد أبو حسن من الجامعة الأمريكية في جنين في الضفة الغربية، الذي أشرف على إصدار الكتاب، إنه حين جاءه الحاج شريف يحمل دفترين كبيرين خطّ فيهما ذكرياته ومشاهداته وخلاصة قراءاته وإطلاعه على أوضاع بلد يدعى فلسطين، وبلد آخر أصغر منه ينتمي إلى الأول، دير حنا، في حقبة زمنية حرجة وخطيرة من تاريخ البلاد، حينها ظننت أن الأمر لا يعدو مجرد كونه رغبة جامحة للبوح تطغى على زمام تفكير الحاج، وتدفعه لقول ما لديه قبل أن ينسى أو قبل أن ننسى، لكنني حين نظرت في الدفترين الثقيلين وجدت تاريخاً مغيبّاً، وحقائق صادمة وعادات حاكمة دفعتني للتأمل فيها، ومنحتني بهذا التأمل قدراً كبيراً وكافياً من الأمل المغيّب خلف عترسة المحتل وتاريخه المزيّف المشيّد على مزاعم كاذبة ومفضوحة بغية طمس الحقيقة الناصعة وتغييب دوافع التعلّق بها”.
وعن قيمة النص التوثيقي يتابع أبو حسن: “بدا الحاج جغرافياً يرسم بدقة متناهية حدود بلده الصغير، ويكشف بريشة الرسّام المبدع مساحات ومواقع راحت تفصل بمبضع الاحتلال عن وحدة البلاد المتأذية بهذه الجائحة القسرية المتواصلة، والتي لم تتوقف، وفي الوقت نفسه يسجّل بطولات أهل البلد في مواجهة هذا العدوان والتصدي له في صورة ملحمية لم تكتمل فصولها بعد”.
ويختتم عماد أبو حسن مقدمته بما يقوله الكاتب نفسه الشيخ أبو عصام: “إنا هنا باقون، باقون ما بقي الزعتر والزيتون، إنا باقون، باقون، باقون، حتى نشهد عرس التحرير والحرية والاستقلال والنصر”.
ولد الشيخ شريف الخطيب (أبو عصام) في دير حنّا قضاء عكا عام 1935، وأنهى دراسته الابتدائية فيها ليتفرغ بعد ذلك للعمل في الحقول والمزارع مع عائل، ولاحقا عمل في المنشآت الصناعية والبناء، خاصة في مهنة القصارة ومنها انطلق لأعمال مقاولات. أبو عصام، الذي كان شاهدا على الأحداث التي عصفت في وطنه منذ فترة الاستعمار البريطاني وصعقت طفولته النكبة، يوثّق مسيرة الحياة اليومية داخل بلدته ومحيطها في الاقتصاد والمجتمع والسياسة بتفصيل يذكّر بطريقة وصف المؤرخ المصري الجبرتي، الذي يورد التفاصيل الصغيرة في صورة ربما تكون مطابقة لواقع الحياة فعلا.
لا يبقي الشيخ أبو عصام شاردة ولا واردة إلا يتوقف عندها في تصويره لواقع حياة بلدته دير حنّا، ويعود في البدايات لتاريخها الغابر في حقب تاريخية مختلفة استنادا لمؤرخين، لكن أهمية كتابه تتمثل بتوثيقه ملامحها: يسجّل كافة أسماء مواقعها الجغرافية، جبالها، وديانها، عيونها كعين النجمية، عين النحلة، عين المرجان وطواحين المياه في محيطها، كرومها.
كما يتوقف عند جامعها التاريخي من فترة حاكم الجليل ظاهر العمر الزيداني، وكنيسة القرية القائمة على أنقاض كنيسة صليبية بتكلفة 1000 ليرة ذهب. ويروي حياة الخوري الأول فيها من عائلة معلوف من بلدة سخنين المجاورة، ومن بعده الخوري مرقص المعلم من البلدة المجاورة عيلبون، وغيرهما من الخوارنة ممن اعتاشوا وقتها من رسوم متواضعة لطقوس إكليل العرسان والقداديس وغيرها.
وفي الفترة العثمانية يورد الكاتب سجلاً بأسماء شباب القرية ممن خدموا في الجيش التركي، من عاد من حروبه ومن استشهد فيها ذاكرا مواقع استشهادهم، وهكذا أيضا يسترجع أسماء من هاجروا من القرية في تلك الفترة إلى أوروبا، أمريكا وأمريكا الجنوبية، من بقي في المغترب، ومن عاد للوطن مثلما يسجل أسماء من انتقلوا لبلدات أخرى في البلاد.
ويبقى الكتاب التوثيقي عملا مهما مباركا، رغم عدم حرص الكاتب دائما على تمحيص المؤرخين واستخدام مبضع الجراح والتعديل، وهو ينقل عن الجيل الذي سبقه روايات شفوية عن أحداث شهدتها القرية، والبلاد منها كوارث الجراد والكوليرا وتفشي الأمراض وموت البقر خاصة في فترة الحرب العالمية الأولى. في هذا المضمار يقول: “في 1915 أتى الجراد في شباط فأكل الزرع وغضون الأشجار وأوراقها ومس بالغلال الزراعية فتدارك الأهالي الوضع وجمعوا ما استطاعوا من بيوض الجراد من الشقوق وعروق الشجر وجوانب الحفر ووضعوه داخل مكان مغلق قبل أن يحرقوها. وزرعوا أراضي “الصيفي” بالذرة والسمسم والخضار، وكذلك زرعوا بين أشجار الزيتون، وعمل في الزراعة من هم دون الأربعين من أعمارهم”.
في لغته البسيطة يروي الكاتب حلول وباء الكوليرا في أواخر 1916، ويذكر ضحايا “كورونا” ذاك الزمن: “مات خمسة أشخاص من دير حنا، بعدما كان أحد أبنائها في بلدة المغار المجاورة قد توفي بالكوليرا، وطلب أهله من ابن بلدتنا حمل الميت داخل شوال ونقله للمقبرة، ودفنه مقابل ليرة ذهب فوافق، ورجع للبلدة مفاخرا بما فعل، لكنه مات بعد أيام وأصاب أربعة من الأقرباء والجيران”. ورغم مرور قرن ونيف على ذلك، يتحفظ الكاتب على اسم الضحية الذي نقل الوباء: “والاسم محفوظ، وأغلب أهل البلد رحلوا إلى جوانب وادي سلامة وجوانب عين النجمية وبركة السهل لأجل الماء. في أواخر الصيف خفّ المرض وعاد الناس إلى بيوتهم”.
وكأن ذلك لا يكفي فقد توالت الكوارث، وفق ما يرويه أبو عصام، حيث انتشر مرض غريب قتل الأبقار في 1917: “تفشى مرض البقر المعروف بمرض الهدلان أو جنون البقر، حيث يهيج رأس البقر ولا أحد يقدر على أن يسيطر عليه طيلة ثلاثة أربعة أيام قبل أن يرتخي ويموت. ضعفت حالة الفلاح وصارت في الحضيض، وصار صاحب البقر يتمنى أن يموت كبار السن أو الأطفال ولا يموت رأس البقر. بعد مرض البقر والجراد والكوليرا وتجنيد الرجال للجندية رخصت الأرض حتى بلغت أدنى سعر لها فهل تصدق ما سمعت من جدودنا أنهم باعوا ثلاثة دونمات بـ 50 كيلو برغل؟
ويستحضر هنا “مرثية البقر”، وهي قصيدة شعبية في رثاء البقر للشاعر الحداء مطلق الخوري، وفي مطلعها يقول:
جاء مرض الهدلان أصاب البقر/ ابكوا على موت البقر الهدلان
وعن بحث اللبنانيين عن الأرزاق في شمال فلسطين في الفترتين العثمانية والبريطانية يقول أبو عصام عن منطقته: «كان سهل البطوف والسهل الساحلي سلة غذاء في المنطقة. هاجر الكثير من أهل لبنان، رجال وحريم واشتغلوا بالزراعة وقطف الذرة والزيتون وأي عمل بأدنى أجرة، أو ما تيسّر. والشابة اللبنانية كان والدها يزوجها بـ 100-70 كيلو ذرة أو قمحاً ويكون مرتاحاً. وفي دير حنا وجارتيها عرابة البطوف وسخنين تزوج ما يزيد عن 12 شابة من لبنان، ولما انتشر الجراد صار الفقراء يجمعونه ويعدونه طعما على النار، ومصائب قوم عند قوم فوائد”.
وينعكس الصراع مع الاستعمار والصهيونية بين صفحات الكتاب، فيتوقف أبو عصام عند الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، ويقدم روايات شفوية كثيرة عنها لجانب اقتباس مؤرخين فلسطينيين، ويشير لمشاركة أهالي قريته في عدد من معاركها، ومنهم والده الراحل المجاهد سعيد علي عثمان الخطيب (1901-1976)، ومن أبرز هذه المعارك مع قوات الاستعمار البريطاني والصهيونية معركة مرج الفطير في شمال دير حنا في 15.08.1938، ومعركة موقع الطبراني في 15.10.1938، وغيرهما مقيماً سجلا كاملا بشهداء وجرحى هذه الثورة من دير حنّا ومن منطقة سهل البطوف، مثلما يورد أسماء المحليين ممن تجندوا في جيش الإنقاذ العربي. ويخصص الكاتب فصلا لصدمة النكبة واحتلال الجليل على مراحل، ويشير للمذابح التي اقترفتها الصهيونية فيه، ويكرّس وصفا لواقع حياة المتبقين في وطنهم بعدها والذين باتوا يعرفون بفلسطينيي الداخل، وما ساموه من عذابات في فترة الحكم العسكري المفرض عليهم (1948-1966) إلى النهوض مجددا بعد استعادة أهالي البلاد ألأصليين ثقتهم بأنفسهم والتقاطهم أنفاسهم، كما يتجلى في يوم الأرض الأول في مارس/آذار 1976 موثقا أسماء شهداء وجرحى يوم الأرض في منطقة البطوف، وهو علامة فارقة في مسيرة الفلسطينيين داخل أراضي 48.
كما هو متوقع لا يغفل أبو عصام تراث وتقاليد الحياة الاجتماعية في بلدته وسائر الأرياف المجاورة، أعمالهم، عاداتهم، مدارسهم، أعيادهم، لباسهم، رجالاً ونساء وأطفالاً. ويتحدث عن الخطوبة والزواج ومهر العروس والأمثلة والأغاني الشعبية الخاصة بهذه العادات، ومنها على سبيل المثال أغنية أهل العريس يبعثون خبراً لصاحب المضافة ليعلم أقاربه ويدعوهم للغداء بعد ساعة، وبعد الخبر يبعثون للنساء، وهن يحملن الطعام في أوان نحاسية إليهم. ويغنين حتى نهاية الغداء، وهن وقوف ويغنين- كذلك- لصاحب المضافة:
رزّك يا أبو فلان طلع بصحونه/ وزادك حمّض ولا يذوقونه
يا أبو فلان قهوتك هوارة/ مرق ظعنا من حارة لحارة
يا أبو فلان قهوتك مشروبة/ مرق ظعنا من ورا الخروبة
حنا ضيوف أبو فلان شدي زنارك/ من عام ما لفينا بدارك
ويتابع: “ينتهي الغداء فترجع النساء إلى دار العريس بالغناء وشباب الإسلام يجهزون لهم الطعام في ساحة الجامع الخارجية، وشباب النصارى في ساحة الكنيسة، وبعد الغداء يزفون العريس على البيادر والنساء يدبكن على المجوز والشبابة تحت خرابيب الخلايلة والرجال يطاردون على الخيل للشرق وإلى الغرب إلى “ساحة آذار” اليوم.
ومن أغاني العريس:
على الخيل والخيالة/ نادى يا أمير العرب
يا بو زيد الهلالي/ عريسنا أسمر اللون
ومن أغاني الحمّام
يا رايحة لأمه قولي لها/ العريس وصل الحمّام جوعان
يا أمه اعطيه مئة وزة محشية/ حتى يوكل ويطعم كل الشبان
ويورد الكاتب الكثير من أغاني زفّة العريس، الرجوع من الحمّام، طلعة العروس، تجلاية العروس، أغاني العروس الغريبة وغيرها.
كما يورد مقاطع من “منافسات” السمراء والبيضاء في التراث الغنائي العربي في فلسطين، ومنها على سبيل المثال:
تقول السمرا تعالي عالفيّ/ تعالي عالفيّ
عايز أشوفك لحظة/ وتفرّحي قلبي شوسّ
البيضا قالت الناس/ أجناس أجناس
في مكرهم وفجورهم/ تفرجت علينا الناس
لا يبوسك بوسي/ تكوي خدك كيّ
قالت السمرا إحنا/ الجوخ الماهوت
وعيونا ما في مثلهم/ لا في باريس ولا بيروت
روحي يا بيضا/ يا كوسا ممقوت
في كانون الثاني/ مكوّمة بالفيّ
قالت البيضا أنا ست الكل/ أنا ست الكل
أنا على صدري/ بفتّح الفلّ
روحي يا سمرا/ سمارك بـ علّ
خرجك بـ البرية/ يا ريت في الفيّ
قالت السمرا/ أنا أخدت الفوز
على صدري/ بـ تكسر جوز ولوز
روحي يا بيضا/ يا مسقعة كـ البوظة
في تموز الحامي/ جمداني بـ الفيّ
ومن أغاني الصلح بين السمراء والبيضاء:
عملناها هـ الغيرة/ حتى نسلي الستات
قصدنا نسلي الستات/ ما عندنا غايات
اللون ما يهمنا/ يهمنا العاقلات
كذلك يورد الكتاب أغاني شعبية في الولادة، وفي الموت، رمضان، الفطور.. مستعرضاً عادات ومفاهيم اجتماعية متنوعة.