نيويورك: تسيطر حالة من الكآبة والإحباط على النخبة الروسية بشأن آفاق الحرب ضد أوكرانيا، حتى بات أشدهم تفاؤلا يرى أن “تجميد” الصراع هو أفضل النتائج المتاحة بالنسبة للرئيس فلاديمير بوتين.
كما يشعر الكثيرون من أفراد النخبة السياسية والاقتصادية الروس بالتعب من الحرب ويريدون وضع نهاية لها رغم شكهم في إمكانية إقدام الرئيس على وقف القتال، بحسب سبعة مصادر مطلعة على الموقف تحدثوا لوكالة بلومبرغ للأنباء طالبين عدم الكشف عن هويتهم بسبب حساسية الموقف.
وذكر أربعة أشخاص روس في التحقيق الذي نشرته بلومبرغ، أنه في حين لا يرغب أحد في معارضة بوتين بشأن الحرب، فإن الإيمان المطلق بقيادته للبلاد، يهتز بسبب هذه الحرب.
وقال شخصان روسيان إن أفضل احتمال هو الدخول في مفاوضات مع الأوكرانيين في وقت لاحق من العام الحالي، لتقود إلى “تجميد” الصراع، والسماح لبوتين بادعاء تحقيق انتصار للروس من خلال استمرار السيطرة على بعض المناطق الأوكرانية التي احتلتها روسيا في بداية الحرب.
ويقول كيريل روجوف، المستشار السابق للحكومة الروسية، والذي غادر روسيا بعد بدء غزو أوكرانيا ويرأس حاليا مركز أبحاث “ري روسيا” في العاصمة النمساوية فيينا “النخبة الروسية في مأزق… فهي لا تريد أن تصبح ضحية لحرب لا معنى لها… الانتشار الواسع لفكرة أن بوتين لن ينتصر في هذه الحرب بين أفراد النخبة الروسية يمثل مفاجأة حقيقية”.
ومن المحتمل أن يؤدي اليأس المتزايد إلى تصاعد لعبة تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن تعثر الغزو، وهو ما ظهر بالفعل في الخلافات العلنية بين القوميين المتشددين ووزارة الدفاع الروسية. وفي ظل الهجوم المضاد الذي تشنه أوكرانيا المدعومة بمساعدات عسكرية أوروبية وأمريكية بمليارات الدولارات، تتراجع توقعات المسؤولين الروس بشأن القدرة على تحقيق تقدم ملموس في أرض المعركة بعد انتهاء فصل الشتاء الذي حققت فيه قواتهم تقدما طفيفا وتكبدت خسائر هائلة.
وجاء التفجير الكارثي لسد كاخوفكا العملاق في أوكرانيا يوم الثلاثاء الماضي والذي اتهمت كييف موسكو بتدميره، لكي يزيد الصراع تعقيدا بعد أن غمرت المياه مساحات واسعة من مناطق القتال. وتنفي روسيا مسؤوليتها عما حدث للسد.
في الوقت نفسه جاءت الهجمات المسلحة داخل الأراضي الروسية سواء التي تتم عبر مجموعات مسلحة أو باستخدام طائرات مسيرة لكي تزيد الشعور بعدم الأمان بين الروس. وقد وصل القتال إلى منطقة بيلغورود الروسية المحاذية للحدود الأوكرانية، مما يهدد صورة بوتين كحامٍ لأمن روسيا.
وحتى بعض الذين يدعمون الغزو ويريدون تكثيف القتال ضد أوكرانيا، أصبحوا أقل تفاؤلا بشأن آفاق الحرب التي كان يفترض أن تنتهي خلال أيام، لكنها دخلت الآن شهرها السادس عشر. ويهاجم القوميون بقيادة يفغيني بريغوجين مؤسسة مجموعة فاغنر المسلحة، وزير الدفاع سيرغي شويغو، وقائد الجيش فاليري غيراسيموف بسبب الفشل العسكري، في حين يضغطون من أجل الدعوة إلى التعبئة العامة، وفرض الأحكام العسكرية لتجنب هزيمة كارثية محتملة.
ويقول سيرغي ماركوف الاستشاري السياسي، وصاحب العلاقات الوثيقة مع الكرملين: “هناك الكثير من الأخطاء الكبيرة… كانت هناك توقعات قبل وقت طويل بأن روسيا ستسيطر على أغلبية أراضي أوكرانيا، لكن هذه التوقعات لم تتحقق”.
ويصر بوتين وكبار مسؤوليه على أن روسيا ستنتصر، رغم أنه لم يتضح حتى الآن كيف سيكون الانتصار بعد فشل جيشه في الاستيلاء على كييف في بداية الحرب. ورغم ذلك لا توجد إشارة لأي تحد لقيادة بوتين داخل دائرته المغلقة. وأغلب أفراد النخبة الروسية يطأطئون الرأس أمامه ويؤدون عملهم، مقتنعين بعدم قدرتهم على التأثير في الأحداث، بحسب أربع شخصيات قريبة من هذه الدائرة. ويقول خمسة أشخاص روس، إن بوتين لم يبد أي إشارة إلى رغبته في إنهاء الحرب.
في الوقت نفسه، يروج الإعلام الرسمي الروسي لفكرة أن روسيا تواجه في أوكرانيا حربا بالوكالة ضد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي “ناتو” رغم أن بوتين هو الذي أشعل هذه الحرب من جانب واحد في أواخر شباط/ فبراير 2022.
وحتى الآن تشير استطلاعات الرأي إلى استمرار تأييد أغلب الروس العاديين لبوتين، الذي يقدم مزيجا مما يعرف لدى علماء النفس بـ”النستولوجيا” أو الحنين للحقبة السوفيتية مع الماضي الإمبراطوري لروسيا، لكي يؤكد أنه يدافع عن مصالح بلاده ويسعى لاستعادة أراضيها التاريخية من خلال الاستيلاء على مناطق في شرق وجنوب أوكرانيا، تدعي روسيا أنها كانت أراض روسية.
ورغم ذلك يتزايد القلق بين الشعب الروسي مجددا، كما حدث في الخريف الماضي عندما أعلن بوتين استدعاء 300 ألف جندي من أفراد الاحتياط للخدمة العسكرية. وفي الاستطلاع الذي أجرته شركة “إف.أو.إم” في الفترة من 19 إلى 21 أيار/ مايو الماضي، وشمل 1500 روسي، قال 53% منهم إن أفراد عائلاتهم وأصدقاءهم يشعرون بالقلق، بزيادة قدرها 11 نقطة مئوية عن النسبة المسجلة في استطلاع نيسان/أبريل الماضي.
من ناحيته تجول بريغوجين رئيس مجموعة فاغنر في المدن الروسية خلال الأسبوع الماضي لكي يحذر من حرب “صعبة” قد تستمر سنوات، داعيا إلى فرض الأحكام العسكرية والتعبئة العامة للبلاد. وقال في مقابلة الشهر الماضي، إن روسيا تواجه خطر نشوب ثورة مثل الثورة البلشفية في 1917 بسبب الانقسام بين الحكومة والنخبة من ناحية، والروس العاديين الذين عاد إليهم أبناؤهم في توابيت الموتى من أوكرانيا.
وذكرت صحيفة فيدوموستي الروسية قبل أيام، أن حزب روسيا المتحدة الحاكم، بدأ تحقيقا بعد أن قال عضو مجلس الدوما (النواب) قنسطنطين زاتولين أمام أحد المنتديات، إن الغزو لم يحقق أيا من أهدافه المعلنة و”علينا الخروج منه بشكل ما”.
أما قنسطنطين مالوفيف، القومي الروسي المتطرف، وأحد مؤيدي بوتين، فيريد مواصلة القتال لأنه يجب إزالة أوكرانيا من الوجود. وهو يرفض أي محادثات لوقف إطلاق النار، رغم قوله إن الكثيرين من أفراد النخبة الحاكمة وبينهم “عدد كبير” من رجال الأعمال سيؤيدون مبادرة السلم الصينية الأخيرة التي تتضمن إعلان هدنة.
ويضيف مالوفيف، الملياردير الذي يرعى قوة متطوعين تقاتل في أوكرانيا: “إنهم يقولون إنهم يؤيدون العملية العسكرية الخاصة (الحرب الروسية ضد أوكرانيا) لكنهم في الحقيقة ضدها… خلال ستة أشهر سيكون لدينا تفوق واضح في إنتاج الذخيرة والقذائف وسنكون مستعدين لمواصلة الهجوم”.
أخيرا وفي ظل عدم وجود ما يشير إلى نهاية قريبة للحرب، يدرك المسؤولون والمليارديرات الروس، أنهم يواجهون سنوات من العزلة الدولية، ويزداد اعتمادهم على الكرملين، في الوقت الذي يضغط فيه بوتين على الشركات لدعم المجهود الحربي ويحظر على المحيطين به الانسحاب من مناصبهم.
وتقول ألكسندرا بروكوبينكو، الصحافية الروسية والمستشارة السابقة للبنك المركزي الروسي، والباحثة غير المقيمة في مركز كارنيغي- روسيا أوراسيا، إن “المسؤولين تكيفوا مع الموقف، لكنهم لا يرون أي ضوء في نهاية النفق. إنهم يشعرون بالتشاؤم بشأن المستقبل. وأقصى ما يأملونه حاليا هو أن تكون خسارة روسيا للحرب غير مهينة”.
(د ب أ)