“بلومبيرغ”: القصة الحقيقية لـ”أوبر” مع السعودية وتحديات ما بعد مقتل خاشقجي

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:

لم يكن محامو شركة “أوبر” الناشئة واثقين من أنفسهم حتى وهم ينهون عقدهم مع الحكومة السعودية وإن كان فعلاً سيتم. وتساءلوا إن كانت هناك إمكانية لإرسال المبلغ الذي تعهدت به الحكومة للاستثمار في الشركة وهو 3.5 مليار دولار والذي كان رقماً فلكياً بالنسبة لشركة ناشئة. وكان على الفريق القانوني أن يتأكد أكثر إن كانت هناك إمكانية لإرسال المبلغ مرة واحدة. ولكن هيئة الاستثمار العامة ارسلت في 1 حزيران (يونيو) 2016 إلى شركة “أوبر تيكنولوجيز إنك” المبلغ دفعة واحدة في أكبر عملية استثمار في تاريخ الشركات الناشئة ولا يزال.

ولم تتحقق نتائج الاستثمار بشكل واسع بعد، فقبل عامين ساعدت الأموال “أوبر” على إنهاء حربها مع “ديدي شوتشينغ” الصينية وقوت من موقفها ضد شركة “ليفت” المنافسة وعززت من موقع مديرها في حينه “ترافيس كلانيك” قبل معركة له مع المستثمرين الذين نحوه جانباً في النهاية. لكن الصفقة أصبحت محل تساؤل في ضوء علاقة المستثمرين ورجال الأعمال والشركات مع السعودية كما يقول إريك نيوكمر في تقرير نشره موقع “بلومبيرغ”.

وعلم الموقع من مصادر مباشرة وغير مباشرة أن السعودية تملك نسبة 10% من أسهم شركة النقليات التي تعمل بتطبيق خاص على الإنترنت. ويضم مجلس إدارتها ياسر عثمان الرميان، مدير هيئة الاستثمار العامة السعودية الذي يعد حليفاً لولي العهد محمد بن سلمان، رئيسها العام.

وفي الوقت الذي كدر فيه مقتل صحافي “واشنطن بوست” جمال خاشقجي في إسطنبول بداية الشهر الماضي علاقات السعودية مع شركات “سيلكون فالي” فإن لا شركة يتجادل عملها مع السعودية مثل “أوبر”. وتعقد الحادثة الشنيعة جهود الشركة ورئيسها دارا خسروشاهي، الإيراني الأصل، وخطط عرض أسهم الشركة في البورصة المزمع العام المقبل.

وكان خسروشاهي أول المنسحبين من مؤتمر الاستثمار السعودي الشهر الماضي، إلا أنه سيجد صعوبة في قطع علاقات شركته مع حكومة متورطة في قتل شنيع لصحافي. وفي ظل هذه الأزمة يقدم نيوكمر “القصة الغريبة” للصفقة مع السعودية والذي أعاد تشكيل أهم شركة ناشئة والتي سيتردد صداها في المستقبل. وتحتوي القصة على عناصر من تجسس أوبر على منافستها الصينية وتحقيق دولي برشوة ومواقف مختلفة اتخذها كل من خسروشاهي وكلانيك في وجه الأزمة الجيوسياسية الدولية. وأقام الكاتب القصة على شهادات عدد من العاملين السابقين والمستثمرين الذي قدموا شهاداتهم شرط الكشف عن هويتهم.

بداية القصة

بدأت قصة العلاقة مع السعودية على رادار كلانيك في ربيع 2016 عندما كان مديرها التنفيذي ديفيد بلوف، المدير السابق لحملة باراك أوباما يقوم بزيارة ثلاثية للقاهرة ودبي والرياض. وكانت أوبر قد افتتحت عمليات لها في السعودية حيث قدمت خدماتها بأنها الأكثر أمناً للمرأة السعودية للتحرك، في ظل الحظر المفروض عليها لقيادة السيارة. والتقى بلوف في زيارته للرياض مع الرميان، مدير هيئة الاستثمار العامة. وعلم في تلك الزيارة عن خطط السعودية لتنويع الاقتصاد السعودية وتخفيف اعتماده على النفط. وفي تلك الفترة كانت السعودية عطشى للمال فهي في حرب مع ديدي شوتشينغ. وكانت الشركتان تنفقان مليارات الدولارات على حملات الدعاية وتخفيض الأسعار وتوظيف سائقين في محاولة لسحق الأخرى. واعتمدت استراتيجية كل منهما للحصول على حصة من السوق، على من يحرق المال أكثر.

واكتشفت أوبر في عام 2016 أنها بحاجة لهدنة وتوفير المال من أجل صفقة كبرى. فالشركة التي لديها مال أكثر يمكن أن تستمر وتتوسع أكبر. ولكنها شعرت بالذعر عندما قررت “أبل إنك” استثمار مليار دولار في ديدي. وأنفقت الشركة مالاً كثيراً على تجارات غير مربحة حول العالم. وبناء على هذا الوضع بدأت أوبر بمناقشة صفقة ممكنة مع هيئة الاستثمار العامة السعودية. وعرضت على الهيئة شراء حصة بنفس السعر الذي اشترته في ذلك العام  “تايغر غلوبال مانجمنت” مما أدى لتقييم الشركة بـ 62.5 مليار دولار. وكان الشرط الوحيد للسعودية هو أن يكون لها مقعد في مجلس إدارة الشركة، وقبلت أوبر. وكان باستطاعة كلانيك استخدام فرصة الاستثمار لتوسيع سلطاته ومن هنا أمر طاقمه بإعداد وثيقة تدعو لتوسيع مجلس الإدارة لا ليضم مقعداً لهيئة الاستثمار السعودية لكن ثلاثة سيملأها كلانيك. وفي ذلك الوقت لم يعترض أحد من المجلس على الخطة ذلك أن أعضاءه كانوا مجرد “بصيمة” ولدى المدير التنفيذي سلطة قوية نظراً لحجم الاستثمار المقبل.

حالة من الخوف

 إلا أن حالة من الخوف سرت في فريق الاتصالات والسياسة عندما أراد الإعلان عن الصفقة المزمعة ويتعلق بسياسات السعودية التي تميز ضد المرأة وتمنعها من قيادة السيارة. وفي جهود حسن نية من السعودية قامت في أيار (مايو) بإضافة اسم الأميرة ريم بنت البندر آل سعود الناشطة في مجال حقوق المرأة إلى المجلس الاستشاري في السياسات.

وعندما أعلنت الشركة في حزيران (يونيو) عن الصفقة انتظرت ردود الفعل والتي ظهرت فقاعاتها على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال نسوية “كود بينك” والتي دعت للاحتجاج وكتابة العرائض والتظاهر أمام مكاتب الشركة ومقاطعتها إلا أن الاحتجاج لم يستمر ولم يكن هناك رد كما تقول ميديا بنجامين المؤسسة المشاركة لها. ولم تهتم أوبر بالرد على وسائل التواصل الاجتماعي بل ورد منافستها ديدي، حيث أرسلت فريقاً لمراقبة مديرتها الصينية جين ليو التي كانت تشارك في مؤتمر في تيرانيا ريزوت في رانشو بالوز فيرديز بكاليفورنيا لتسجيل رد فعلها على الصفقة. ومهما كان الرد إلا أن الشركة الصينية وافقت على اتفاقية مع أوبر تتراجع فيه هذه تكتيكياً من السوق الصيني مع قدرتها على تحقيق المليارات في الوقت نفسه. واعتبر كلانيك الإتفاقية انتصاراً. ورغم منح الاتفاقية مع ديدي الفرصة لأوبر التوسع العالمي إلا أن الصدوع في الإتفاقية بدأت بالظهور وزادت من مشاكل كلانيك. ففي بداية عام 2017 عانت الشركة من سلسلة فضائح حول ثقافة العمل ووجدت نفسها في مشاكل مع الحكومة الأمريكية التي فتحت تحقيقاً في أن الشركة خرقت قوانين الرشوة، ولا يعرف نتائج ذلك التحقيق.

كما ناقش فريق أوبر القانوني العلاقة مع الاميرة ريم. ولم يجد هذا الفريق أية أدلة عن تصرفات غير قانونية. وكتب ممثل عن الأميرة قائلاً: “نظراً لعدم تلقي اموال فبالتأكيد لا توجد هناك خروق” ويقول الموقع إن الأميرة لم تتلق أموالًا على مشاركتها. لكن مشاكل “كلانيك” تفاقمت مع المستثمرين الذين أجبروه على أخذ عطلة ثم الاستقالة. وعندما تولى خسروشاهي الإدارة واجه المشاكل المتعددة وبدأ لحلها ولكن العلاقة مع السعودية لم تكن من بينها. ومع بداية عام 2018 بدت وكأن العلاقة مع المملكة خالية من المشاكل بل وزادت من علاقاتها من خلال 9.3 مليار دولار تمويل من خلال سوفت بانك غروب كورب. وكان هذا المبلغ بمثابة انقلاب لخسروشاهي. وقدمت السعودية 45 مليار دولار للبنك الذي تقدر قيمته بـ 93 مليار دولار. وبحلول الصيف، كانت العلاقة مع السعودية تبدو خالية من المشاكل خاصة بعد رفع الحظر عن قيادة السيارات. فقد بدأ تعامل المسؤولين الامريكيين مع ولي العهد السعودي كقوة ليبرالية رغم حملة “مكافحة الفساد” عام 2017 والتي نظر إليها كعملية تطهير لتقوية موقع الأمير. وكانت العلاقة مثمرة لدرجة فكرت فيها أوبر بشراء “كريم” في دبي، ولا تزال تفكر حسب مصدر في الشركة.

كارثة علاقات عامة

جاء مقتل خاشقجي الشهر الماضي، حيث تحولت جريمة قتله داخل القنصلية السعودية في اسطنبول إلى كارثة علاقات عامة للسعودية وشركائها في الولايات المتحدة.

ثم جاء مقتل خاشقجي الشهر الماضي، حيث تحولت جريمة قتله داخل القنصلية السعودية في اسطنبول إلى كارثة علاقات عامة للسعودية وشركائها في الولايات المتحدة. ووجدت أوبر نفسها وسط أزمة حيث كانت أريانا هافينغتون، من مجلس إدارة الشركة الاولى التي تنسحب من المؤتمر في الرياض. وحث المدراء خسروشاهي التحرك حيث تكهنوا بعملية انسحاب كبيرة. واتصل خسروشاهي بالرميان وأخبره أنه لن يحضر. إلا أن كلانيك لم يعلن انسحابه وشوهد في الرياض أثناء المؤتمر. وعلى خلاف سام التمان ووزير الطاقة السابق إرنيست مونيز اللذين استقالا كمستشارين في مشروع نيوم لم يعلن كلانيك. فعلاقة هذا أبعد من انضمام الرميان لمجلس إدارة أوبر عام 2016 حيث قابل ولي العهد في أمريكا. ولكن علاقته مع السعودية ليست مثارا للدهشة فمدخل كلانيك هو “الانتصار بأي ثمن” ولا يهم من أين يأتي المال. إلا أن خسروشاهي حاول بناء سمعة مبدئية للشركة وقضى العام الاول من عمله كمدير معتذراً عن الشركة ويبدو أنه أضاف للقائمة واحدة جديدة. وتظل مهمة المدير صعبة في تفكيك علاقة الشركة مع السعودية. كما أن أصوله الإيرانية تعتبر عقبة في ظل التنافس السعودي-الإيراني. والطريقة الوحيدة للتغلب على وصمة العار في العلاقة مع السعودية هو وضع الشركة في البورصة. والشركات العامة لا سلطة لها على المستثمرين بحيث يحلل أوبر من علاقتها مع أوتوقراطيين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية