بلومبيرغ: بحربه على الإسلام الراديكالي اختطف ماكرون المبادرة من لوبان ويمينها المتطرف

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن ـ “القدس العربي”:

نشر موقع “بلومبيرغ” تقريرا أعدته نينا نسباوم قالت فيه إن هجومين إرهابيين في غضون أسبوع أعطيا اليمين المتطرف الفرنسي فرصة للتحرك لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان أسرع منه.

وجاء في التقرير أن مقتل ثلاثة أشخاص في كنيسة بمدينة نيس جعل زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان تدعو إلى ترحيل الأشخاص المشتبه بتورطهم بأعمال تطرف وحظر الجماعات التي تدعمهم. لكنها لم تكد تتلفظ بهذا إلا وهزمها ماكرون. فبعد هجومي الأسبوع الماضي أرادت لوبان إعلان قانون الحرب لكنها فشلت. فمنذ آذار/مارس استحضر الرئيس الفرنسي الحرب عندما حاول تعبئة الشارع الفرنسي لمواجهة انتشار فيروس كورونا. وقام اليوم بوضع البلد في حالة تأهب قصوى متحدثا عن “المعركة الوجودية” ضد طريقة حياتنا. وقبل 18 شهرا على الانتخابات الرئاسية في فرنسا فإن ظهور مشكلة فرنسا مع الإسلام الراديكالي كانت كفيلة بمنح لوبان فتحة لكي تعيد المواجهة مع خصمها اللدود، ماكرون.

ويقول مساعدو ماكرون إن زعيمة التجمع الوطني تمثل تهديدا خطيرا للرئيس، ذلك أن استطلاعات الرأي الأخيرة كشفت عن رغبة متزايدة بين الفرنسيين لدعم الشخصيات المعادية للمؤسسة الحاكمة. ومع أن مستشاري الرئيس يؤكدون أنه لا يتعامل مع قضايا المعيشة والأمن وعلاقة فرنسا مع الإسلام كطريقة للحصول على أصوات الناخبين لكنهم يعترفون في الوقت نفسه أنه لا يريد ترك الأمور هذه لها. ويقول هاوس سينغر من جامعة بو في ليون: “يحتاج ماكرون لأن يظهر أنه يعالج الموضوعات الأمنية وأنه لا يتركها لليمين المتطرف”. لكن لا يوجد ما يضمن نجاحه “فمن العادة تعتبر ثقافة اللا أمن من موضوعات اليمين المتطرف”، كما يقول سينغر، “وليس من المضمون أن يكون لماكرون اليد العليا ويقوم بهزيمتهم في هذه الموضوعات”.

وصول ماكرون إلى هذه المرحلة متناقض مع بدايته. ففي 2017 فاز ولم يتجاوز الـ 39 بالانتخابات الرئاسية من خلال هزيمة نظام فرنسا القائم على الحزبين وقدم رؤية ليبرالية عن التعايش بين الأديان المتنوعة في البلد والأقليات العرقية

ويعلق الموقع أن وصول ماكرون إلى هذه المرحلة متناقض مع بدايته. ففي عام 2017 فاز ولم يتجاوز الـ 39 بالانتخابات الرئاسية من خلال هزيمة نظام فرنسا القائم على الحزبين وسحق القوى المعادية للمؤسسة والتي تجسدت من خلال البريكسيت ودونالد ترامب الذي فاز بالانتخابات الرئاسية. وقدم رؤية ليبرالية عن التعايش بين الأديان المتنوعة في البلد والأقليات العرقية. وكان يأمل بمصالحة مواطنيه مع الاتحاد الأوروبي. ولكن صورته في الخارج كشاب تقدمي تتنافر مع مواقفه المحافظة وأسلوب التغيير من الأعلى في الداخل. ولم يكن ماكرون قادرا على معالجة الانقسام العميق والتذمر داخل المجتمع الذي ورثه. وتعرض للهزيمة من خلال خططه لزيادة الضريبة على الوقود التي أدت إلى تظاهرات أصحاب الستر الصفراء. فيما تعرض حزبه إلى هزيمة في الانتخابات المحلية، وفشل بالفوز في بلدية مدينة كبيرة. كما وعانى للحفاظ على الشعبية التي حققها بين جماعات اليسار.

ومن الناحية الانتخابية فمحاولة الوصول إلى القطاعات المحرومة أمر منطقي ولكن ما هو الثمن الذي ستدفعه الجمهورية. وقالت ريم سارة علوني، الخبيرة القانونية، في تغريدة: “قضى اليمين واليسار وقتهما لتطبيق سياسات اليمين المتطرف واستخدما خطابه المتطرف” و”احفظ كلامي، فسيصل مرشح اليمين المتطرف للجولة الثانية في الانتخابات وعندها سيناشدنا الساسة ويطلبون منا التصويت لحماية الجمهورية”. وبدا تعويل ماكرون على أصوات اليمين واضحا منذ وقت. ففي تشرين الأول/أكتوبر قدم مقابلة مع مجلة اليمين المتطرف الفرنسية “فالورز أكتشولز” كما فعل سلفاه جاك شيراك ونيكولاي ساركوزي. وقال فيها إن السلطات كانت متساهلة في ترحيل من دخلوا البلاد بطريقة غير قانونية و”هدفي هو رمي كل شخص لا مبرر لوجوده هنا”.

كما اتصل مع شخصيات معادية للمؤسسة مثل إريك زامور بعد الهجوم عليه في الشوارع بسبب آرائه. ويطلق عليه “فوكس نيوز الفرنسي” حيث قال مرة إن المهاجرين بمن فيهم القاصرون بدون مرافق هم بالضرورة “لصوص، قتلة وزناة وهم بهذا الوصف يجب ترحيلهم إلى بلادهم”.

وفي الوقت الذي لا يستخدم ماكرون نفس السياسة أو اللغة القاسية إلا أن وزير داخليته لا يتردد. فجيرار دارمانين الذي يعتبر من تلامذة ساركوزي اقترح أن طعام الأقليات الذي يباع في المتاجر ليس متطابقا مع قيم الجمهورية. وقال إنه يعمل على منع عودة “انسوفيجمنت” أو الوحشية وهو مصطلح يستخدمه اليمين المتطرف عند الحديث عن العرب والأفارقة. وزعم طوال الوقت أنه لا يستهدف الإسلام كدين ولكن الإسلامية كأيديولوجية. وعندما كشف ماكرون عن خطته لمحاربة الأيديولوجية المتطرفة في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر حملت ملامح من الوسط الليبرالي.

وتحدث عن التحكم بتعيين الأئمة ووصف الإسلام بأنه دين يعاني من أزمة. واعترف بالاستعمار ودوره وأن المسلمين تخلت عنهم الحكومات الفرنسية المتعاقبة. ووعد بتحسين أوضاع من يعيشون في التجمعات السكنية أو الضواحي. وبشكل عام رحب المسلمون المعتدلون بالخطاب. ودافع يوم السبت في مقابلة مع الجزيرة القطرية عن كلامه وأكد أنه لم يكن يريد استهداف المسلمين واقترح أنه ليس من المعجبين بالصور الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد التي نشرتها مجلة “تشارلي إيبدو” مع أنه دافع عن حق المجلة في الرسم الساخر.

وكان هذا موقفه قبل مقتل مدرس التاريخ صمويل باتي في 16 تشرين الأول الذي عرض الصور المسيئة على تلامذة فصله وأدت إلى احتجاجات في العالم الإسلامي. ومع أن مقابلته كانت محاولة للتصالح إلا أنه لم يكن يريد الظهور بمظهر الضعيف. وكان هدفه الحقيقي هو تبني لغة أكثر مصداقية من اليمين المتطرف التقليدي. ويرى جين يوف كامو الذي يكتب عن اليمين المتطرف الفرنسي: “استطاع ماكرون السيطرة على يمين الوسط ولكنه لم يتحكم بعد باليمين المحافظ”  و”ما يجب عليه عمله هو الظهور بمظهر المتشدد كما هم وهو ما فعله”.

ويرى نقاد ماكرون أن ما يفرق بينه ولوبان هو الموقف من أوروبا التي تريد إصلاح العلاقة معها من خلال تشكيل تحالفات بين دول ذات سيادة وليس كوحدة سياسية. وعبر من حول ماكرون عن عدم ارتياحهم من تحول حزب ماكرون من الوسط ويخشون من مخاطر منحه الشرعية لليمين المتشدد بدون جذب الناخبين. كما أن رهانه مخاطرة كما في حالة رئيس الوزراء السابق ليونيل جوسبان. فقد بنى حملته الانتخابية عام 2002 حول الأمن لكن فشل بالوصول إلى الجولة الثانية رغم الوضع الاقتصادي الجيد. ويرى سينغر من جامعة بو حول لوبان ووالدها جين ماري لوبان: “يحب الفرنسيون دائما النسخة الأصلية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية