بلومبيرغ: حرب أوكرانيا كشفت عن معضلة تونس الاقتصادية ورئيس لا يملك حلولا لها

إبراهيم درويش
حجم الخط
7

لندن- “القدس العربي”: نشر موقع “بلومبيرغ” تقريرا أعده سهيل كرم وجيهان الأغمري، قالا فيه إن مظاهر القلق في تونس تتركز على الخبز والديْن الحكومي والسياسة التي تخلق مزيجا متقلبا في تونس. وأضافا أن الحرب في أوكرانيا تزيد من الأزمة الاقتصادية في مهد الربيع العربي. ففي شمال أفريقيا، توفر المخابز الخبز اليومي المدعم للناس، وهي بمثابة باروميتر عن المزاج العام.

وعندما حاول الرئيس قيس سعيد مواجهة التقارير عن ندرة الطحين بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا، بحث عن خبّاز لديه ما يكفي من الطحين ويشتري سعيد خبزه منه كخلفية لكي يضحد الأقاويل. إلا أن الخباز الباسم، أكد وجود مشكلة طحين في البلد، وعندها لم يجد سعيد إلا أن يهاجم من أسماهم المتربحين الذين “يجوّعون الناس” من خلال زيادة أسعار الخبز.

وبعد اتهامه معارضيه السياسيين بأزمة الخبز، خرج سعيد وبيديه أربعة أرغفة، وسط انتقادات لاذعة من المارة. ولا يخفى أن الحرب في أوكرانيا زادت من الركود الاقتصادي في تونس مع ارتفاع أسعار الطاقة والبضائع الأخرى، وتقلص الإمدادات من المواد الضرورية حول العالم. ويقترب التضخم إلى مستوى قياسي ومن المتوقع أن يتضاعف العجز، في وقت تصل فيه نسبة العاطلين عن العمل ممن هم تحت 25 عاما إلى 40% بشكل يهدد بموجة جديدة من الباحثين عن الهجرة عبر البحر المتوسط إلى أوروبا. وبعد أسبوعين من زيارته للمخبز، حلّ سعيد البرلمان بعدما قام أعضاؤه بعقد جلسة افتراضية في تحد لتعليق المجلس في تموز/ يوليو 2021، وهو العمل الذي اعتبره معارضوه انقلابا بمن فيهم حركة النهضة المؤثرة.

ويشير التقرير إلى أن سعيد بات عالقا بعد عام من إخراجه الديمقراطية الهشة عن مسارها وسيطرته على السلطات التنفيذية في البلاد، ملغيا ما حققته تونس منذ بداية الربيع العربي عام 2011، فهو حسبما يقول نقاده، لا يريد أو غير قادر على بناء إجماع سياسي يخرج البلاد من أزماتها الاقتصادية. ويبدو أن صبر التونسيين قد نفد. ففي حي التضامن بالعاصمة، قال بهاء (28 عاما) العامل في محل للملابس: “كل ما نريده هو العيش. لو استمر الوضع، فسيذهب الشبان إلى القصر الرئاسي بالحجارة ليرموها عليه”.

وشهدت العاصمة في كانون الثاني/ يناير، تظاهرة في ذكرى الربيع العربي طالبت سعيد بالتراجع عن قراراته، وقابلتها الشرطة بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وساءت الظروف الاقتصادية منذ ذلك الوقت، واحتج أصحاب سيارات الأجرة على زيادة أسعار الوقود، وعانى موظفو القطاع العام من تأخر رواتبهم، ومع تأخر الإمدادات، أصبحت الطوابير امام المخابز طويلة.

ويعلق التقرير أن سعيد قاوم أي جهود لمعالجة المشكلة، وتجاهل حلفاء محتملين في الاتحاد العام التونسي للشغل وأحزاب الأقلية. وعوضا عن ذلك، فهو ماض في سياسة اللامركزية التي تهدف لوضع السلطة في يد لجان محلية وتهميش الجماعات السياسية المتناحرة التي يحمّلها مسؤولية مشاكل تونس منذ ثورة 2011.

ويشير الموقع إلى أن محاولات عدة لمناقشة الموضوعات التي وردت في التقرير مع المسؤولين في الرئاسة فشلت، ولم يرد الاتحاد العام التونسي للشغل على طلبات التعليق. ولم يكن المستثمرون راضين عن الوضع، وعاقبوا السندات التونسية، حيث عبّروا عن قلق من أن تؤدي زيادة كلفة الطعام والطاقة وخسارة السياحة الروسية إلى تسريع تأخير عملية سداد الديْن نتيجة للضائقة المالية التي تعاني منها الجهة التي تصدر السندات.

وأصبح حجم الاقتصاد التونسي أقل بنسبة 90% حجمه قبل الثورة في 2011، في وقت زاد معدل الديْن الحكومي بالنسبة للناتج الوطني العام بنسبة 88%، ويتوقع  صندوق النقد الدولي أن يصل إلى 99.7% بحلول عام 2025. وبسبب ارتفاع أسعار البضائع التي زدات بمعدلات لم تشهدها البلاد منذ عقود، فإنها تستهلك الاحتياطي من العملة الصعبة، وهي لا تكفي إلا لتغطية أربعة أشهر من الواردات، كما أنها منخفضة بدرجة تثير قلق المستثمرين حول استمرار تراكم الدين التونسي.

ويثير الوضع في تونس حالة من الكآبة، ولا يمكن للتونسيين تقبل إصلاحات صندوق النقد الدولي التي تترافق مع حزمة الإنقاذ التي يقدمها، حسبما يقول يوسف الشريف من مراكز كولومبيا العالمية في تونس. ويضيف أن وجود محادثات مع الصندوق هي “إشارة عن رغبة سعيد ببرنامج” و”لو رفضت الإصلاحات فسيلقي اللوم على حكومته”. ومع تزايد الواردات، فإن العجز بالميزانية سيتضاعف هذا العام إلى 20 مليار دولار، وهو مبلغ أكبر من 4.4 مليار دولار تتفاوض فيه الحكومة مع صندوق النقد الدولي. ويقول دبلوماسي غربي على معرفة بالنقاش بين المسؤولين التونسيين ومجموعة الدول السبع، إن سعيد اعتقد بقدرته على حل مشاكل البلد بنفسه، ووصفه بأنه لا يثق بالآخرين. وأضاف الدبلوماسي أن هناك جهودا  كبيرة من المسؤولين تجاه اتفاق مع صندوق النقد الدولي، إلا أنه تحدث عن عدم اهتمام بمعالجة القضايا المؤلمة مثل الشركات المملوكة من الدولة المدينة والمتضخمة، والتي تعتبر من معاقل الاتحاد العام التونسي للشغل. ويرى شخص على معرفة بالمحادثات، أن الضرر الاقتصادي الذي تسببت به الحرب أدى لتأخير المحادثات الفنية مع صندوق النقد الدولي إلى شهر تقريبا، حيث يحاول المسؤولون التونسيون إكمال الإجراءات التي سيتعهدون بها، مع أن السلطات التي وضعت شهر نيسان/أبريل كهدف للصفقة، لم تقدم تأكيدات عن دعم محلي واسع للإصلاحات المطلوبة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية