بلومبيرغ: في ماليزيا.. الرايات البيض باتت رمزا لطلب المساعدة وفشل الطبقة السياسية وعجز الدولة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”: نشر موقع “بلومبيرغ” تقريرا أعده دانيال موس، عن المصاعب التي تواجه ماليزيا التي كانت في الماضي نموذجا للدول الصاعدة، ولكن وباء كورونا والدسائس بين النخبة والانقسام الاجتماعي بين المدن والأرياف، جعل من البلد عاجزا عن حل مشاكله.

وقال موس إن ماليزيا كانت تلعب دورا أكبر من حجمها على المسرح الدولي، لكن الرايات البيض تبدو استسلاما للعجز. فما بدأ كصرخة للمساعدة من الماليزيين أثناء الإغلاق وتزايد حالات الإصابة بكوفيد- 19، أصبح صورة عن تراجع بلدهم الذي كان يفتخر بنفسه.

وقد خسر هذا البلد في جنوب شرق آسيا موقعه كنموذج للعالم الصاعد منذ وقت طويل. وربما دخل حارة من الفوضى التي أضاءت في ذروة العولمة، لكنه لم يستفد من بدايته القوية. وبات الماليزيون الذين يعانون من المصاعب يرفعون الأعلام البيض من نوافذ بيوتهم في إشارة لطلب المساعدة: طعام وبعض المال لدفع أجرة البيت مثلا.

 وأصبحت الأعلام رمزا قائما بنفسه؛ بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. ولكنها لا تعبر عن حركة سياسية، فالناس ليسوا في مزاج العمل على إطاحة الحكومة، ولا يوجد هناك رمز يمكن التخلص منه، فالأعلام هي تعبير عن السخط من الوضع والمشاكل الاقتصادية التي يمر بها البلد.

وفي الماضي، دعم السكان رؤساءَ الوزراء وإن على مضض بسبب استمرارية واستقرار البلد رغم نزعاتهم الشمولية، لكن النواب أثبتوا عجزا للتوافق على رمز أو برنامج يقود ماليزيا خلال مأزقها. فالبلد يعاني من عدة مشاكل: اجتماعية وسياسية واقتصادية تغذي كل واحدة منها الأخرى.
وربما كان من المبالغة وصف الحال في ماليزيا بأنه يشبه الدولة الفاشلة. وتعاني الحياة المدنية من عدة مغامرات فاشلة، وآخرها تلك التي تدور منذ 2020 ووصلت ذروتها يوم الخميس بإعلان المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة (أمنو) التي قادت البلاد منذ استقلاله حتى خسارتها عام 2018، عن خروجها من الائتلاف الحكومي الذي يقوده محيي الدين ياسين وحثته على الاستقالة.

وربما لن يكون هذا نهاية الدسائس السياسية؛ لأن “أمنو” نفسها منقسمة، فهناك وزراء لا يريدون الخروج من أجل الحفاظ على مناصبهم التي أعطاها لهم ياسين. ولا يوجد أي مخرج للمأزق، ومعاناة البلد لا ترتبط بشخص واحد، ولا يوجد سياسي يحظى بدعم أو ثقة البرلمان، علاوة على تفويض من 32 مليون نسمة لكي يحل محل رئيس الوزراء الضعيف ويقدم إدارة مستقلة. وهناك خطط لعقد انتخابات برلمانية بعد تراجع الفيروس، لكن لا يوجد تصميم واضح. وتحولت الملكية التي يتم تداولها بين سلاطين الولايات التسع لمحكّم بين الساسة، مع أن دورها احتفالي، وهو أمر لا يشعر الملك بالراحة للقيام به.

ولهذا، فالراية البيضاء تعلم نهاية التباهي وتعطي صورة عن الكيفية التي بات فيها المواطنون يلعبون دور الحكومة، في وقت زاد فيه الوباء من تعاسة الناس. وتواجه دول جنوب شرق آسيا انتشار سلالة “دلتا”. وفي يوم الخميس، سجلت ماليزيا 9.000 حالة جديدة، ولم تحصل سوى نسبة 8% من السكان على اللقاح.

ويُفرض إغلاق صارم في العاصمة كوالمبور وولاية سيلانغور. وتم إغلاق المصانع، وشغلت وسائل النقل والقطارات بالحد الأدنى، وحرس الجيش الحواجز على الطرقات، وتم تخفيف بعض الإجراءات، لكن معظم البلاد لا يزال تحت قيود الإغلاق.

وتعيش قارة آسيا حالة من الانتعاش الإقتصادي، لكنه لم يصل بعد إلى جنوب شرق القارة، وهي المنطقة التي يعيش فيها أكثر من 650 مليون نسمة.

وتوقع صندوق النقد الدولي في آخر تقاريره، نموا بنسبة 6.5% لماليزيا. وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% في 2020 وهو أسوأ أداء منذ الأزمة المالية الآسيوية في 1998. وتحتاج ماليزيا لأن يكون أداؤها ممتازا في 2021، حتى تحقق توقع صندوق النقد الدولي. وهناك فرص عالية لتخفيض سعر الفائدة والنفقات، ومهما كانت الأرقام، فالكثير من الماليزيين لن يستفيدوا، وحتى صناع القفازات الجلدية خائفون، وناشدوا السلطات تخفيف قيود الإغلاق حتى يواصلوا الإنتاج.

ومنحت العقود الأخيرة من القرن العشرين منظورا مختلفا، ففي أثناء رئاسة مهاتير محمد ما بين 1981 و2003 برزت ماليزيا كأيقونة للدول الصاعدة. وشهدت البلاد نموا متزايدا بمعدلات قليلة من التضخم.

وكان مهاتير يحب مشاكسة الغرب، لكنه فتح الأسواق، وخصخص الشركات المملوكة للحكومة، وقاوم المساعدات من صندوق النقد الدولي، وتحدى الأرثوذكسية من خلال فرض السيطرة على رأس المال، وحدد سعر الفائدة أثناء الأزمة الآسيوية، وخلافات للتوقعات في حينه بالفشل، إلا أن جهوده دعمت ماليزيا.

لكن الأمور بدأت بالتراجع من خلال التغاضي عن المشاريع الباذخة مثل المطار الجديد والبرجين اللذين موّلتهما شركة النفط الوطنية “بتروناس” حيث كانت صورا عن التبذير.

وأخطأ خليفة مهاتير، نجيب عبد الرزاق في قضية اختفاء الطائرة الماليزية أمام عدسات الكاميرات العالمية. وقاد عبد الرزاق حزب “أمنو” للهزيمة، وأُدين بالفساد المتعلق بالصندوق السيادي “1أم دي بي”.

ومنحت عودة مهاتير على رأس المعارضة فترة قصيرة من التجدد، ولكنه لم يتخل عن المناورات السياسية التي فتحت الباب أمام دخول ياسين الذي أخرجه من السلطة.

وزادت خطوط الصدع الإثنية والدينية سواء عبر الانقسام المدني- الريفي والفجوة الجيلية التي لم يفهمها أي حزب سياسي. وستستمر مصداقية الطبقة السياسية بالتراجع طالما تأخر تطعيم السكان ولم يتعافَ الاقتصاد.

أما المكائد السياسية الحالية، فتبدو منفصلة عن حاجات التجار اليومية والمال وحتى توفير الطعام على الطاولة. ولا يمكن لأي بلد مواصلة هذا الطريق للأبد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية