بليارد تحت القصف

قال عنه أندريه بريتون إنه قاوم عصرا بأكمله، وكُتبَ علينا نحن كذلك، بما أننا نؤمن بما يحمله من أفكار وسجايا، أن نقوم بهذا الفعل نصرةً للمسجونين المظلومين في كلّ مكان. إنه الشاعر الفرنسي الزنجي إيمي سيزير، وقد ظلّ طوال حياته يرصد في شعره ومواقفه السياسيّة، مقاساة وصوت الذين يعيشون في (كوكب المضطهدين المدمّى) على حدّ تعبيره. كان يشعر بأنه يُعذّب ويُهان مع كل رجلٍ أو امرأة تتعرّض للتعذيب أو الإهانة، وأن هناك ما يشبه المقاومة الروحية المشتركة بينه وبين من يكادون العذاب. نحن جميعا بشر وعلينا أن نفكّر بأننا نعيش في المركب نفسه، الواحد منا ينتمي إلى الجميع، وما يهمّهم يهمّه.
الحرب العراقيّة الإيرانيّة في عامها السادس، ومدينة البصرة تهدّمت بالقنابل والصواريخ وهجرها ناسها في ما كان يُدعى بحرب المدن، أي أن الطائرات والمدفعيّة صارت تقصف المدن الحدوديّة في كلا البلدين المتحاربَين. وتوقف القصف في ذلك النهار، وكنّا تعبنا من العمل في صالات العمليّات في وحدات الميادين، ومن مشاهد الموت في كلّ مكان، في الجبهة وفي المدينة. اقترح عليّ صديقي أن يأخذني إلى مكان للترفيه هو نادي الضباط، وراح يقود سيّارته مسرعا في شوارع المدينة المُقفرة إلا من الكلاب والقطط، وبعض العمّال المصريّين الذين لم يجدوا مكانا ينتقلون إليه هربا من القصف، فآثروا البقاء في مكانهم وانتظار المقسوم.
المكان يشبه بهوا دائريّ الشكل يؤدي إلى غرفٌ وممرّات، ثم ينتهي بك السير في الممشى الطويل البارد والمعتم إلى صالة بليارد واسعة، واللاعبون هم ثلاثة رجال ضخام سحناتهم محروقة من أثر الخمرة. لم يكونوا يشبهون رجال البوليس في شيء، فنظام البعث الحاكم لم يكن يعتمد على هؤلاء في مسك الأمن الداخلي للبلاد، لأن الشرطي رجل مهنيّ انحدرت إليه خبرات تخصّ عمله من الأجيال السابقة، فهو يمكن أن يناقش أو يسأل ويستفسر ويحتجّ. لهذا السبب استحدثت السلطة الحاكمة، بعد أن صار صدام حسين رئيسا للبلاد، مؤسّسات شبحيّة لا مقرّ علنيّا لها، تُدعى «دوائر الأمن» انتشرت في جميع مفاصل الدولة، من رياض الأطفال حتى مجلس الوزراء، في طول البلاد وعرضها، وتُشرف على هذه الدوائر جميعا مؤسسة تمتلك هالة عظيمة ليس لسطوتها شبيه تُدعى «مديريّة الأمن العامّة». العاملون في هذه المؤسسات ليسوا جنودا ولا شرطة، إنما شباب عاطلون وفاشلون، تدرّبوا في بعثات إلى بلدان المعسكر الاشتراكي في تلك الحقبة، وتدرّجوا في مهنتهم الجديدة كوكلاء للمؤسسة الأمنيّة ويتقاضون رواتب كبيرة لا يحلم بها ربما وزير النفط في البلاد، بالإضافة إلى مغريات كثيرة من تخصيص بيت وسيّارة حديثة ـ في سنين حكم صدّام حسين لم تكن هذه سلعة تُشترى بالمال، لأن استيرادها ممنوع إلا عن طريق حلقات غامضة في الدولة، وبالتالي استعملها النظام الحاكم وسيلة إغراء لشراء الضمائر.
إلى هذه المؤسّسات الأمنيّة ينتمي الرجال الثلاثة الذين التقينا بهم أنا وصديقي في قاعة البليارد. كانوا طوال القامة بأجساد ربيلة ورؤوس كبيرة، ولهم وجوه متغضنة وقاتمة من أثر الكحول. كانوا يدخّنون ويفتحون قناني البيرة تباعا ويمزجونها بالويسكي والوقتُ أوّل الضحى. إنهم بتعبير شاعرنا سعدي يوسف «ملتزمو خمرة الصبح ومشاريع إفساد الفتيات». النادي خاصّ بضباط الجيش وقوى الأمن الداخلي، ولا يُسمح للجنود العاديّين الاختلاف إليه، لأن القانون العسكري صارم ولا يمكن تجاوزه بإيّ حال، حتى في ما يخصّ الترفيه عن النفس في ظروف الحرب. في رواية «وداعا للسلاح» يذكر همنغواي عن وجود بيتين للدعارة في مدينة غوريتزيا، واحد للجنود وآخر للضباط، يعملان على مدار الساعة وسط المعارك الدائرة، أثناء الحرب العالميّة الأولى. أخذنا مقعدين أنا وصديقي عند جانب بعيد في الصالة، حيث النافذة الواسعة تُشرف على الحديقة، وبدا لي أني أشمّ الرائحة النديّة للغيوم المتدلّية الى الأرض، وتناهى إليّ صوت النهر أسفل الأشجار. جاءنا النادل المصريّ بعلبة مكسّرات، وصبّ الماء في كأسينا، ورأيتُ في النافذة السماءَ وقد غدت عارية زرقاء.
– وا. وا. وا …
صاح أحد الرجال الثلاثة متندّرا لأن أحدهم كان لا يجيد اللعب، فهو يضرب كرات البليارد الصلبة مع بعضها، فيصدر منها مثل الأنين: وا. وا. وا. طلبنا قنينتي بيرة، ودخّنا سجائرنا (كنتُ من المدخّنين في ذلك الزمان) وعلى أريجها راح يصلني صوتُ صديقي بأعلى درجة من الخفوت:
– أنت لا تعرف هؤلاء الأوغاد الثلاثة. إنهم أشرس ما عرفته البشريّة من رجال، يقومون بتعذيب السجناء السياسيّين لانتزاع اعترافاتهم قسرا ولو قاموا بقتلهم.
رحتُ أتلمّس من النافذة بعض النسيم الربيعي، وأشعرني النور المتسرّب من بين الأوراق الخضراء، بسبب نقائه، بالقلق والحزن. معلومات صديقي أكيدة لأنه ابن المدينة ويعرف ناسها وأعمالهم وظروف حياتهم. لم تظهر على هؤلاء الوحوش علامة على ما يقومون به من فظائع، فهم يستمعون إلى الموسيقى والأغاني، بل إن أحدهم كان يتحرك بنشاط وخفّة حول طاولة البليارد، كما لو أن كلّ شيء حوله في الحياة جميل جدا. ثم أخذ يغني: «الحبّ كلّه» لأمّ كلثوم، وظلّ يردّدها بصوت مرتفع، ومع هذا كان يمكنني، وأنا في مكاني، مراقبة ما يحمله من غطرسة ولآمة تحتشدان في تعابير عينيه، وفي الطريقة التي يردّد فيها اللحن، بل حتى في حركات يديه وقدميه. الآخران كانا خليّي البال، في ما يبدو، إلا من اللعب والتدخين وشرب الكحول، لكن مظهر الإنسان خادع في أغلب الأحيان، فلا يمكن الاطمئنان إليه أبدا. كم من وجوه بدت بريئة وتنحدر من أرومة طاهرة عند أول نظرة، وتكشّفت بعد زمن عن نفوس تعطّنت بكلّ رذائل التنانين من البشر وغير البشر. كانت قماشة منضدة البليارد الخضراء اللون تنظر بصرامة إلى اللاعبين الثلاثة وتزداد قتامة، كأنها كشفت حقيقتهم، وها هي تحدج قاماتهم في نوع من الاحتجاج لأنهم كانوا أشرارا، وقتلة، يدورون حولها ويتضاحكون، فهم سعداء، لكنهم يبنون هذه السعادة الزائفة على تعذيب المسجونين السياسيّين، بمنهج محكم وبلا حسرات. تابع صديقي:
– يبدأون حفلتهم بتعذيب السجناء بعد أن يمتلئوا هنا بالخمرة والدخان والطعام، ولا يعون عندها ما يقومون به، وهكذا يموت السجناء بين أيديهم بسهولة ولا يحاسبهم أحد.
صار رأسي يموج بالأفكار، وبلغتني رائحة ألف سجينة وسجين معلّقة في الهواء تتلقّى السياط، وكوّنتْ سحابةً رمادية واطئة تحملُ مطرا مؤجّلا، فماذا يكونُ البِذارُ؟ تعالتْ صيحاتُ طيور شطّ العرب القريب، وأيقظتني على الواقع الذي نعيشه، وما يكنزه البشر من قسوة. عندما أنهيتُ كأس البيرة الكبير أخذت أفكاري تتجه ناحية الشعر، وتحدّثتُ إلى صديقي عن إيميه سيزير، وكيف كان يقاوم الجلادين الذين يعذّبون إخوته الزنوج، والمقهورين والمعذّبين والمعنّفين أيضا من أيّ عرق ودين. نحن نعيش في عالم بائس، لأن لا مكان فيه للسحر، تصورّوا لو أن عرّافا استطاع في إيماءة ولمحة بتحويل طبيعة هؤلاء المجرمين من الشرّ المطلق إلى الخير. قام هذا التأمّل في ذهني وأخذت حمامة مضناة تهدل بصوت خفيض دائب في الحديقة. فجأة، وجّهتُ سؤالا إلى صديقي:
– إلى أين يمضي الموتى بعد دفنهم في القبر؟
ظلّ تساؤلي معلّقا في الهواء لبرهة، وغنّى عصفوران واقفان على عُرف قريب من النافذة. حكّ صديقي رأسه، وظلّ يرمقني بعينين مفتوحتين واسعتين. قلتُ، وكنتُ أؤشر بيديّ كي أوضّح له ما أريد:
– ليس من المستبعد أنّ أرواحهم تسكن الكرات الملوّنة التي يضربها الآن هؤلاء الأوغاد، فهي تُطلق صيحات آلامهم قبل أن تنغلق أعينهم بظلام الموت. الكرة التي تسقط في الثقوب عند جوانب المنضدة تُطلق أصواتا جنائزيّة، وتمثّل سجينا يلفظ آخر أنفاسه، فهو لا يقوى على الكلام.
كانت قاعة اللعب تتخيّل موتها هي الأخرى، فهي مهيّأة تماما إلى أن تُحيلها قذيفة أو صاروخ إلى رُكام ورماد في النهاية، وفوق الرماد ترفرف الأرواح. لا داعي للقول إن هذه الفكرة واتتني وأنا أفتح الزجاجة الثالثة من البيرة علامة «لؤلؤة» عراقيّة الصنع. دقّت صافرة الإنذار معلنة غارة جويّة وشيكة، وتعالت ضحكات وصيحات اللاعبين الثلاثة، غير واعين، في ما يبدو للواقع لأنهم سكروا، ورحتُ أصفرُ كي أهدأ ويقلّ غضبي وأنا أتمعّن مليّا بهم، وأفكّر؛ الشباب يموتون في الجبهات، والعوائل تُباد تحت أنقاض بيوتها، وأفراس النهر الثلاثة هؤلاء يصنعون عالما آخر لأنفسهم؛ يأكلون ويسكرون وينامون مع أجمل النساء، ثم يشرعون بعد ذلك مباشرة بإيذاء السياسيّين الذين تعتقلهم السلطات بأبشع الطرق. سبحانك ربّي على حكمتك هذه التي لا أستطيع أمامها سوى أن أقول أو أصيح متألّما مثل الكرات المضروبة بعصا بليارد تمسكها يدٌ غير متمرسّة باللعب: – وا. وا. وا…

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية