بلير: مجرم حرب في اوروبا وبطل لدى بقايا العرب

حجم الخط
0

بعد اجتياح اسرائيل لعاصمة لبنان عام 1982 فجّر نزار قباني قصيدته الشهيرة ‘متى يدفنون بقايا العرب’ التي احدثت ضجة في الاوساط الثقافية والشعبية، ولكن الضجة سرعان ما خفتت وغابت القصيدة في خبايا الكتب المكدسة ومات الشاعر غمّاً، فيما تعاظم نفوذ بقايا العرب وتراكمت الهزائم التي حوّلوها الى انجازات وهميّة وتحول العار الى مآثر في حقبة شاذة لم يعرفها تاريخ الشعوب. ان توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق ما زال يخضع للتحقيق في بلاده بسبب الاكاذيب التي اطلقها قبيل مشاركته الفعالة في اجتياح العراق الى جانب بوش الابن، ومن هذه الاكاذيب قوله في مجلس العموم ان العراق يمتلك اسلحة دمار شامل وقادر على نشرها حول العالم خلال 45 دقيقة وهذا تهديد للبشرية جمعاء… وقد اعترف بلير بالكذب متذرعاً بتلقي تقارير مضلّلة على غرار معلّمه بوش.

وكان دور قوات بلير البالغة 50 الفاً التمركز في البصرة وبعض مناطق جنوب العراق، فاشرفوا على ازالة معالم الدولة ومؤسساتها وساهموا بتهجير حوالي مائة الف مسيحي من البصرة الى مختلف الجهات في الداخل والخارج.

وعندما شنّت اسرائيل حربها على لبنان في تموز/يوليو من العام 2006 رفع بلير صوته عالياً مطالباً اسرائيل بعدم وقف الحرب قبل ان تحقق اهدافها بتدمير المقاومة ومن يؤيدها ملتقياً بذلك مع بوش ووزيرة خارجيته كوندليزا رايس. وبعد هذه التصرفات عوقب بلير بالاقصاء عن رئاسة حكومة بلاده واخضع لجلسات تحقيق مطوّلة لم تنته حتّى الساعة.

وفي العام الماضي رشح بلير نفسه لمنصب اول رئيس لدول الاتحاد الاوروبي، وهو منصب بروتوكولي ولكنه مهم عالمياً. وحصل بلير على تأييد فرنسا والمانيا وايطاليا الى جانب بلادهن ونشرت الصحف صور القصر التاريخي الذي خصص لرئيس اوروبا اضافة الى راتب الخمسة ملايين دولار، ولكن دولة لوكسمبورغ الصغيرة اعترضت على ترشيح بلير مدعومة من هولندا وبلجيكا رافضة اختيار بلير لأن يديه ملوثتان بالدماء، ولأن اختياره يشكل استفزازاً للدول العربية والاسلامية. وقد نجحت الدول الثلاث الصغيرة بابعاد بلير عن منصب الرئاسة الاوروبية، وتم اختيار رئيس وزراء بلجيكا لشغل المنصب للسنوات الاربع القادمة.

وفي الاسبوع الماضي ذهب بلير الى دبلن عاصمة ايرلندا لتوقيع مذكراته التي درّت عليه اكثر من عشرة ملايين دولار. في القاعة المعدّة للتوقيع وقف بلير وعلى وجهه الابتسامة الدائمة ليفاجأ برشقات من الاحذية والبيض والطماطم تنزل على رأسه مع هتافات مطالبة بطرده من ايرلندا لأنه مجرم حرب… غابت الابتسامة عن وجه بلير واكتفى بالقول ان عدد الذين يحبّونه اكثر من الذين رشقوه بالاحذية والبيض. قال هذا وهو مطوّق بالحراس ورجال الامن.

لن نستغرب ان يوقّع بلير كتابه قريباً في احدى العواصم العربية بعد ان تمت ترجمته واصبح قيد الطبع. وتتسابق عواصم بقايا العرب على استضافة بلير الذي يشغل مركز موفد اللجنة الرباعية كساع للسلام بين العرب واسرائيل. ولم يجرؤ حتى الساعة اي مسؤول عربي على طرح سؤال على بلير لتوضيح مواقفه الداعمة للصهيونية ولحروبها واطماعها.

ومن الغرائب ايضا ان بعض دول شمال افريقيا العربية عينت بلير مستشاراً لها براتب من عدة ملايين.

ان هذه التصرفات افقدت العرب الاحترام من قبل شعوب العالم لأن الانسان الذي لا يثور او يتحرك من اجل كرامته وسمعة وطنه يفقد الجدارة والاهمية امام المجتمع الدولي وامام التاريخ.

لعل اسوأ حالة وصل اليها العرب او بقاياهم هي الاستسلام المطلق والتخلي عن اي دور فعّال في مسيرة الشعوب حضارياً ووصلوا الى درجة بات فيها التمييز بين الاهانة والتكريم من الامور الصعبة.

بطرس عنداري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية